أثر الإسلام في العرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

أثر الإسلام في العرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

MAIN_Khoulafa

تقدم الإسلام وسبيل العرب إلى المدنية:

أجملنا في القسم الأول من (بشائر الإسلام) الأحوالَ التي مهدت لظهور الإسلام وأسباب ظهوره في العرب، والمصاعب التي أحاطت به في نشوئه ومراحل النجاح التي قطعها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد بقي أن نواصل البحث في هذا الفصل حتى ننتهي ببشائر الإسلام إلى ما انتهت إليه، أو انتهى بها العرب من ذُرى المدنية والرقي. ولعل كثيرين من القراء يأخذون على هذا البحث وسابقه الإجمال المفرط في بعض المواضع، والحقيقة أنه اقتضاب مقصود إذ كان الغرض استخلاص النتائج البارزة لا سرد التفاصيل.

فإيفاء تاريخ الإسلام حقه من البحث والتحليل والنقد يستغرق المجلدات، فإذا عرض لبعض نواحيه في مجلة شهرية كهذه المجلة لا يمكن أن يكون ذلك إلا على سبيل إعطاء فكرة) تكون نواة صالحة لبحث مستفيض يعنى به أرباب الاختصاص فيكون أوفى بياناً وأقوى حجة وأوضح فكرة.

وحسب القراء الأفاضل من هذه الفصول سداد من عوز، وغذاء للروح.

أثر الإسلام في العرب في عهد رسول الله:

لقد كان للإسلام تأثير عميق في قلوب المؤمنين الأولين. هذا التأثير كشفت عنه تلك المحن التي صابروا رسول الله عليها نحواً من عشرين سنة طيبة نفوسهم بالفداء في سبيل الله وفي سبيله. ولم يكن ذلك الإيمان عن وعد أو وعيد فيتقيد بهما، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى بدعوته – في أول الأمر – غير الصفوة الممتازة من رجالات قريش عقلاً وخلقاً وسدد رأي، فلم يكن يؤمن الواحد منهم إلا مقتنعاً بصدق دعوته، موطناً النفس على التضحية في كل شيء في سبيل عقيدته. فقام الإسلام حين قام على أثبت الأسس وأرسخ الدعائم وظل يصعد في أناة وإحكام حتى خرج آخر الأمر كأفضل ما يخرج البناء من يد أحذق المعمارين، لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.

ولقد كان لحسن الاختيار هذا لأشخاص أول المؤمنين الأثر الأكبر في سرعة انتشار الإسلام بين العرب بعامل القدوة، ونمو الإيمان ورسوخ الإسلام في صدور الداخلين فيه. فلم يكن مضي الأيام ليزيد تلك العقيدة إلا قوة، وقلوب المؤمنين إلا صفاء. ولم يكد يمضي على إعلان الدعوة سنوات حتى بدأت ثمرات الإيمان تعلن عن نفسها؛ وتتكشف من خلال الحوادث عن تلك الخلال الفريدة والمزايا العالية التي كان يتطلبها الإسلام فيمن يحمل رسالته ويرفع رايته، ويحمي في مدى العصور حوزته. فكان استظهار ما ينـزل من القرآن الكريم والعناية بكتابته بوسائل ذلك العهد، الشغل الشاغل للنبي عليه السلام وصحبه وكانت ثقتهم بوعد الله من إحدى الحسنيين: شرف النصر أو شرف الاستشهاد أثناء ذلك الكفاح العصيب، تجعل الموت أحب إليهم من الحياة.

ولقد ربط الإسلام بين قلوبهم بحبل متين من الأخوة والإخلاص والإيثار كما قال الله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ [الفتح: 29] وإليك أمثلة من هذه النفسية التي هذبها الإسلام وتشربت بروحه على جدة وحداثة عهد هي في الوقت نفسه شواهد من التفاني في سبيل الله والاعتزاز بدين الحق ومحبة رسول الله:

1- استشار رسول الله عليه السلام الأنصار ليخرج بهم إلى حرب قريش لأول مرة (وقعة بدر الكبرى) ولم تكن بيعة الأنصار إلا أن يمنعوه ما دام فيهم؛ فأجابه المقداد بن عمرو بقوله:(امض يا رسول الله لما أمرك الله، فنحن معك! والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾! ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه). وقد أمد الله المسلمين في هذه الواقعة فهزم المسلمون – وعددهم 314 – ثلاثة أمثالهم من المشركين.

2- وقد مر رسول الله عند انصرافه من وقعة أحد بامرأة من بني دينار، من الأنصار، أصيب زوجها وأخوها وأبوها. فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، وهو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. وفي هذه الواقعة – وقعة أحد – التي أصيب فيها شخص رسول الله بأشد ما يصاب به محارب من الأذى، حتى وقف دونه خمسة من الأنصار يدفعون عنه، وقد انحنى أحدهم وهو أبو دجانة فوقه والنبل يقع في ظهره ولا يتحول، ووقفت نسيبة بنت كعب تذب عنه بالسيف وترمي عن القوس حتى جرحت جرحاً شديداً؛ وقد كانت تسقي الماء أول النهار فلما رأت هزيمة المسلمين انحازت إلى رسول الله تدفع عنه كأصدق ما يكون دفاع الأبطال.

3- استشار رسول الله عليه السلام في إعطاء ثلث ثمار المدينة لقائدي غطفان لينصرفا بجيوشهما عن حصار المدينة، في واقعة الخندق، وقد اجتمعت عليهم الأحزاب، فأجابه سعد بن معاذ بقوله: (يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله ما نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم) وصبروا في وجه الحصار، وقد جاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى أوقع الله الخلاف في عدوهم وسلط الريح عليهم فانصرفوا ولم يمسس المسلمين بفضل الله سوء.

هذه صور لمظاهر الصدق والإخلاص في العقيدة والإيمان ومحبة رسول الله، نوردها كمثال لنفسية المسلمين في أيام الشدة والعسر والقلة. وقد نمت فيهم هذه الروح بما حقق الله لهم ولرسوله من نصر وبما أعز به دينه بعد دخول أكابر قريش المتخلفين من قبل الفتح، أمثال أبي سفيان، في الإسلام ومتابعة الناس لهم من قريش وسائر العرب في ذلك.

فلما كانت حجة الوداع، ونـزول خاتمة الكتاب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوشك أن يفرغ من أداء رسالته الكبرى، وقد أودع أمانته: كتاب الله الجامع لشرعة الإسلام، رجالاً من هذا الطراز الممتاز، نشأوا تحت كنفه وتطبعوا بطابع الإسلام وخلقه، لم يكن شيء أحب لديهم من المضي في سبيل تلك الدعوة التي شرع رسول الله يوجهها إلى ملوك الأمم قبيل وفاته، (رجالاً صبراً في الحرب، صدقاً عند اللقاء، لو استعرض بهم البحر لخاضوه، ما يتخلف منهم أحد)، أمرهم شورى بينهم، يسعى بذمتهم أدناهم، تجردت صدورهم من كل هوى وغرض، وقد ألف بينها الإيمان وساوى بينها الإسلام، فلا فضل لأحدهم على أحدهم إلا بالتقوى.

وقد كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم درساً وتمحيصاً لهم، فلما لقي ربه، كان فيهم خير خلف يقيم العرب على ذلك النهج ويحملهم على تطبيق ذلك الدرس، وتلقينه لغيرهم من الأمم. وقد شاء الله أن يكون نمو هذا الدين وانتشاره على أيدي رجال لا تميزهم (النبوة) عن غيرهم ليكون عملهم في ذلك، وتكون دولة الإسلام القائمة على سواعدهم قدوة لغيره. (فلم يرد في كتاب الله أمر صريح بشكل انتخاب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تلك الأوامر (العامة) التي تتناول الخلافة وغيرها. كأن الشريعة أرادت أن تكل هذا الأمر للمسلمين حتى يحلوه بأنفسهم ولو لم يكن الأمر كذلك لمهدت قواعده، وأوضحت سبله كما أوضحت سبل الصلاة والصيام وغيرهما).

فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله كان العرب المسلمون في قلة: عدداً وعدة، ولكنهم كانوا من الاعتزاز بدين الله والثقة بنصره والتفاني في سبيل الذود عنه حيث كانوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأحد والخندق.

بهذه العقيدة الراسخة والنيات الصالحة والتعاون على البر والتقوى والحرص على كتاب الله، تقدم خلفاء رسول الله ليتمموا رسالته، وينشروا دعوته، ويضعوا حجر الأساس لبناء ملك العرب ودولة المسلمين.

مجلة التمدن الإسلامي، السنة الثالثة، العدد السادس، 1356هـ – 1937م

رابط الموضوع:

 http://www.alukah.net/culture/0/99615/#ixzz5HzG5M0M9

إيران: أحزابها وشخصياتها!

إيران: أحزابها وشخصياتها!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf
7767
من فوائد قصة صلح الحديبية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، استشرف نتيجة المفاوضات مع قريش بناء على شخصية المفاوض؛ التي كانت تتغير من رجل لآخر، مع أنهم جميعاً يمثلون قريشاً، ويعبرون عن رؤيتها وأهدافها. ومع ذلك فلتباين الشخصيات أثر مهم، وإن معرفة رموز الطرف الآخر، وخلفياتهم، وقيمهم، وتطلعاتهم، مفيد جداً في كيفية التعامل الحذر والمثمر معهم، ولذا كان من حكمة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، دقة معرفته بشخصيات فريق التفاوض، والقيم العليا لديهم.

ومن المهم لنا في الشرق الإسلامي، وفي المحيط العربي على وجه الخصوص، أن نتعرف إلى القوى المحيطة بنا، ونفهم ثقافاتها، وطرائق تفكيرها، ومصالحها العليا، فضلاً عن معرفة سير الشخصيات المؤثرة؛ إن في الحكومة أو في المعارضة، زيادة على التبصر في شؤون مجتمعاتها؛ بما يجعل في أيدينا قوة ناعمة مؤثرة، خاصة إن سبقونا في القوة الخشنة، والثقيلة، بل وحتى في النووية! ومن الأهمية بمكان ألا تقف حدود معرفتنا على الكتب المترجمة؛ فقد يقصِّر المترجم، أو يخفي الكتاب المؤَّلف لنا الحقيقة الكاملة.عراق الطائفية

وبين يدي كتاب يعرِّف بأحزاب إيران وشخصياتها، عنوانه: إيران: الأحزاب والشخصيات السياسية (1890-2013م)، تأليف شاكر كسرائي، صدرت طبعته الأولى عن دار رياض الريس للكتب والنشر عام (2014م)، ويقع في (351) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من قسمين؛ الأول خاص بالأحزاب، والثاني عن الشخصيات، ولكل قسم مقدمة، ويحتوي القسم الأول على ثلاثة فصول، وفي آخر الكتاب نبذة قصيرة عن المؤلف، وفهرسان للأعلام والأماكن. وعلى غلاف الكتاب صور الشاه، والخميني، وخامنئي، ورفسنجاني، وخاتمي، ونجاد، وروحاني.

والمؤلف إيراني، ولد عام (1950م)، وله نشاط إعلامي في الكتابة والترجمة، وحصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الإسلامية في لبنان-وهي جامعة شيعية-، ويعدُّ حالياً أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه. وله عدد من المؤلفات باللغة العربية؛ أحدها عن اليهود في إيران، كما أن له مؤلفات بلغته الفارسية؛ أحدها عن الحركات الإسلامية والتنظيمات السلفية.

ذكر المؤلف في المقدمة أن العمل الحزبي في إيران ارتبط بالأحوال السياسية، وبالتالي فلم يترسخ العمل الحزبي فيها كما هو الحال في أوروبا مثلاً، وأدى هذا إلى غياب الحرية المرتبطة غالباً بالعمل الحزبي الأصيل. وينقل الباحث عن آخرين، إرجاع هذه النتيجة إلى طبيعة المجتمع الإيراني القبلية، وثقافته الفردية، ومحدودية الطبقة المتوسطة، وقمع النخب من قبل السلطات، وبالتالي فلا يوجد في إيران أحزاب سياسة عريقة أو معمرة.

وتُرمى بعض الأحزاب بالعمالة للخارج؛ لأنها ترتبط بدول خارج الحدود، وتتلقى منها دعماً مادياً ومعنوياً، ولبعضها مشاركة في تنفيذ اغتيالات، وقتل مسؤولين وشخصيات نافذة. واتخذت الأحزاب أسماء مختلفة كالحزب، والجمعية، والرابطة، والهيئة، واللجنة، والحركة، والمنظمة، وغيرها. وبعد قيام الثورة ونجاحها ضعفت الأحزاب؛ نتيجة للاضطراب الذي يترافق عادة مع الثورات وبعدها، ثم بسبب الحرب مع العراق، وتعامل الملالي القمعي مع الأحزاب، وخوف التيار الديني من أثر الأحزاب المنفتحة على منظومة القيم والأخلاق.Shiaa - 0003

يبدأ القسم الأول بفصل عنوانه: كيف نشأت الأحزاب السياسية في إيران؟ ففي بداية القرن التاسع عشر، كان المجتمع الإيراني يضم أربع طبقات؛ أولها الأشراف المكونة من الأمراء وأكابر موظفي البلاط، ثم طبقة التجار، ويليها طبقة الأجراء من عمال المصانع والورش، وأخيراً طبقة المزارعين وأبناء القبائل.

وبعد التواصل مع أوروبا عن طريق البعثات الدراسية، والسفارات، والحروب، انبثقت طبقة جديدة هي طبقة المثقفين، وتتكون من خليط من الطبقات الأربعة السابقة، والقاسم المشترك بين أفرادها هو الدعوة إلى التغيير في السياسة والاقتصاد والاجتماع، والمطالبة بملكية دستورية وطنية علمانية، بحيث تقضي الدستورية على الملكية الرجعية، وتقصي العلمانية المحافظين، وتمنع الوطنية النفوذ الإمبريالي. وتميزت طبقة المثقفين بالقدرة الفائقة على تغيير أساليبها تبعاً للأحوال؛ فربما تحالفت مع الشاه، ثم ناصبته العداء بالاشتراك مع علماء الدين!

وأسهب المؤلف قليلاً في الحديث عن أثر جمال الدين الأفغاني على الفكر، وعلى العلماء والمثقفين، ونقل ندمه قبيل وفاته، على جهوده التي صرفها لإقناع البلاطات الملكية بالإصلاح؛ حيث اكتشف أنها مصابة بالصمم أو ثقل السمع، وكان الأجدى حسب رأيه التوجه مباشرة نحو الشعوب، فهي التربة الخصبة لتقبل الفكر الإصلاحي.Shiaa - 0002

وأسس إيراني أرمني اسمه ميرزا ملكم خان-وهو مؤسس الحركة الماسونية في إيران حسب الويكيبيديا-أول صحيفة باسم (قانون)-أو الدستور حسب الويكيبيديا-عام(1890م) تحت شعار الوحدة والعدالة والتقدم، ونشر في أول كل عدد دعاء باللغة العربية، ثم حاربتها الحكومة، وعاقبت من وجدتها في حوزته.

وقد جعلت هذه الحادثة -مع أخوات لها-المثقفين يوقنون بأن همَّ السلاطين وهمتهم، منصرفة تجاه المحافظة على ملكهم، وليس على خدمة المجتمع الإيراني! وأن البلاط ورجالاته نهبوا ثروات البلد؛ لصرفها على ملذاتهم، وسفراتهم إلى الخارج، دون رعاية لمصالح البلد وأهله.

وعلى إثر أزمة منح امتياز التنباك لمستثمر إنجليزي عام(1891م)، وبدعم من روسيا، وعلماء الدين، وتجار شيراز، وجمال الدين الأفغاني، خرجت مظاهرات غاضبة في إيران، ورافقها أول إضراب عام؛ يمثل مقدمة للتغييرات السياسية، وبداية الثورة الدستورية، فاضطرت الحكومة للتنفيس قليلاً، والسماح بصدور بعض الصحف.

وتكونت خمس مجموعات شبه سرية، وكان لها يد طولى في الثورة الدستورية، وهي منظمات دينية، واشتراكية، ووطنية، وعمالية، وثورية، حيث تعاونت فيما بينها لإسقاط طغيان الحكم المطلق، وشجعت المواطنين على الثورة، وهو ما حدث عام (1905م) مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت بإيران، وأدت لاحتجاجات شعبية.

الشيعة

الشيعة

وتتابعت الثورات، حتى وافق مظفر الدين شاه عام (1906م) على تكوين مجلس شورى وطني، وكانت هذه الخطوة بداية للتوسع في تكوين الأحزاب، وإصدار الصحف، وإنشاء المجالس المحلية. وتألفت في طهران وحدها أكثر من ثلاثين جمعية تناصر الثورة الدستورية، وفيها جمعيات يهودية، وزرادشتية، وأذرية، وأرمنية، وحرفية، وطلابية. وزاد عدد الصحف بوثبة عالية؛ من ست صحف إلى مئة صحيفة، ومثلت منبراً للمثقفين والحزبيين للتعبير عن آرائهم.3bd3al_mosawi_basra

وأُنشأ أول مجلس وطني للشورى في أكتوبر عام (1906م)، وضم طبقة التجار، والحرفيين، وعلماء الدين، كما شمل أغلب التوجهات والتيارات. وقد كتب هذا المجلس نص الدستور، ثم عُرض على الشاه، الذي أقره وهو مسجى على فراش الموت يحتضر! بينما نشط الشاه الجديد في إحياء الخلافات بين فرقاء المشهد الإيراني، من أجل إضعاف جميع معارضيه، وإشعال النزاع فيما بينهم؛ ليظل هو المفزع والمأرز.

وختم الفصل الأول، بالحديث عن دعم حزب تجدد الإصلاحي، للعسكري رضا خان، الذي أصبح الشاه البهلوي فيما بعد، وكان الحزب أحد أربعة أحزاب فاعلة على الساحة الإيرانية عام (1925م)، وشمل برنامجه إصلاحات مقترحة في عدة مجالات، ومنها ما يخص المرأة، وتعميم اللغة الفارسية، بيد أن البهلوي خيَّب ظنون مناصريه، وسام شعبه ذلاً وعسفاً؛ ونهب ثروات البلاد، وخنق الحريات العامة، حتى أن شاعراً حُكم عليه بالموت بعد خياطة فمه!

الفصل الثاني عنوانه: الأحزاب السياسية بعد سقوط رضا خان وقبل الثورة الإسلامية، وسرد المؤلف خمسة عشر حزباً، منها العلماني، والاشتراكي، والوطني، والقومي، والديني، والتابع للبلاط. ولبعض هذه الأحزاب علاقات وثيقة مع بريطانيا، أو فرنسا، أو روسيا، أو أمريكا؛ لدرجة تنسيق المواقف أحياناً. وتختلف برامجها حسب اهتمامها، وتتميز أحزاب البلاط بتمجيد الشاه، الذي منحها فرصاً خاصة؛ وأجبر موظفي الحكومة على التسجيل في عضويتها.

وتهتم بعض الأحزاب المرتبطة بالشاه بالمسائل الاجتماعية، كنزع الحجاب، ورفع سن الزواج للجنسين، بينما تركز أحزاب أخرى على موضوعات الاقتصاد، والعمل، والإنتاج، والحريات العامة، ولأحد الأحزاب اهتمام خاص بمقاومة البهائية؛ والعجيب أنه حظر بعد الثورة الخمينية “الإسلامية”!

ولكل حزب صحيفة أو أكثر، ويلاحظ كثرة انقسام الأحزاب، وكأن الفرس مثلنا معشر العرب، يحبون القسمة أكثر من الجمع! وللمهندسين بروز في قيادة الأحزاب، حتى أن المهندس مهدي بازركان أحد مؤسسي حزب إيران، تولى رئاسة أول وزارة بعد الثورة، وقرأت قديماً مقالة لكاتب عربي علماني، يتعجب فيها من كثرة المهندسين في الجماعات الإسلامية، وكم في المهندسين من عقول وآمال.Shothooth

وتميز حزب الشعب الإيراني بعدائه لأي مكون غريب عن المجتمع الإيراني، وطالب باستعادة أراضي البحرين، وأفغانستان، والقوقاز، وبناء إيران جديدة، وقوية. وحرصت الأحزاب الشيوعية على إخفاء انتسابها للفكر الشيوعي، وستر ارتباطها بروسيا، حتى لا ينصرف عنها الشعب المتدين؛ بحجة كونها ملحدة شيوعية.

ولبعض الأحزاب جناح عسكري، وحظيت بعضها بعدد كبير من الأعضاء، واستثمرت أحزاب أخرى الاتحادات لتجميع المناصرين. وأول حزب ذي مرجعية دينية تأسس عام (1945م)، وكان مؤسسه طالباً في النجف، واتخذ حزبه من العمل المسلح منهاجاً لاغتيال العلمانيين، وكان مصير هذا الحزب الفناء بعد إعدام قادته. ولبعض الأسماء الإيرانية الحاضرة على الساحة هذه الأيام، انتماء لبعض أحزاب تلك الفترة، مثل انتساب جواد لاريجاني، وعبد اللهيان لجمعية المؤتلفة الإسلامية التي أُسست عام (1963م).

الأحزاب السياسية بعد الثورة هو عنوان الفصل الثالث، وفرَّق المؤلف بين أربعة أنواع من الأحزاب هي: الأحزاب المحافظة، والإصلاحية، والمعارضة، وأحزاب الوسط، وأسهب كثيراً في الحديث عن الأولى، وقد يكون السبب ميلاً فكريا لها، أو لتوافر مادتها أكثر من غيرها، وإن كانت عاطفة المؤلف الدينية ظاهرة جداً بين سطوره، وفي تبجيله للإمام الخميني وغيره.

وقال بأن الحزب الجمهوري الإسلامي تأسس بعد الثورة مباشرة، ومن مؤسسيه بهشتي، وخامنئي، ورفسنجاني، وأردبيلي. وقد وقع انفجار بمقر الحزب في يونيو عام (1981م)، أودى بحياة أربعة وسبعين قيادياً من الحزب، وعلى رأسهم الأمين العام بهشتي، وفي آخر أغسطس من نفس السنة وقع انفجار آخر، قتل على إثره رئيس الجمهورية، ورئيس وزرائه، وخلفهما خامنئي رئيساً للجمهورية، ومير حسين موسوي رئيساً للوزراء.

ومن ضمن المجموعات المحافظة، الأصوليون المبدئيون، وإليهم ينتسب أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق، وأكثر أعضاء برلمان (2004م) ينتمون له، ويدعم هذا الحزب توجه الحكومة الإيرانية للسيطرة، ويناصر ولاية الفقيه، ويؤمن بحقوق الشعب، وبما أسماه المؤلف الديمقراطية الدينية، ويؤيد تطوير العلاقات مع حزب الله، مع ضرورة التمهيد لإقامة حكومة العدل الإلهي، ويلتزم بتنفيذ تعاليم قائد الثورة الإسلامية، ويماثل هذا الحزب، توجهات الجبهة المتحدة للأصوليين؛ التي ينتمي إليها وزيرا خارجية سابقين هما متكي و ولايتي، فليت شعري إلام ينتمي وزراء خارجية العرب؟!

ومن أهم الأحزاب الإصلاحية جبهة المشاركة، وشهد برنامجها انفتاحاً فكرياً، وساهم هذا الانفتاح، مع القدرات التنظيمية المميزة لطاقاته، في جذب رجال الدين والعلمانيين على حد سواء؛ ففاز بغالب مقاعد مجلس الشورى، ونشط كثيراً خلال فترة الرئيس الأسبق خاتمي الذي تزعم أخوه هذا الحزب، وأضحى رمزاً عند شباب إيران.

وحاول الحزب تقليص نفوذ الملالي من خلال مجلس الشورى، ولان موقفه فيما يخص المفاوضات مع أمريكا، وعانى من تشدد المحافظين الذين يرفضون علانية العلاقات مع الشيطان الأكبر، بينما تذوب غلظتهم تجاه الولايات المتحدة في الأحاديث الخاصة، ويبدون مرونة عالية تجاهها؛ فما أسرع توبة شيطانهم الأكبر!

ولقيت توجهات الحزب التي عبرت عنها حكومة خاتمي ترحيباً أمريكياً حذراً، وتبعه كذلك ترحيب غربي، واطمئنان عربي، مع أن الأمريكيين في ارتياحهم الحذر، أشاروا لدور مرتقب لإيران في الشرق الإسلامي، إذا استمرت في نهجها المعتدل كما يرونه. وبعد الاضطرابات التي تلت الانتخابات الرئاسية عام (2009م)، جمّد نشاط الحزب بعد اعتقال زعمائه. وتقع بعض الأحزاب الإصلاحية في خانة المعارضة، خاصة في فترة أحمدي نجاد.

ومن الأحزاب المعارضة حركة تحرير إيران، التي تأسست عام (1961م)، على يد ثلاثة رموز يحملون رؤى مشتركة، أولهم آية الله طالقاني الذي أمَّ المصلين في أول جمعة بعد الثورة، ثم المهندس بازركان الذي ترأس أول مجلس وزراء بعد انتصار الثورة، وأخيراً الدكتور سحابي، والأخيران لا يحملان لقب آية الله أو حجة الإسلام؛ خلافاً لباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وأطال الكاتب النفس في شرح سياسات هذه الحركة وأهدافها، التي ترمي إلى الجمع بين الرؤية الوطنية والإسلامية، وأشار إلى رواجها بين الشباب، ونشاطها في الخارج قبل الثورة. وتعد هذه الحركة جزءاً من تشكيلات الجبهة الوطنية التي أسسها الدكتور محمد مصدق-رئيس وزراء سابق وفترته مثيرة للجدل-، ولاتزال الحركة ناشطة على الساحة الإيرانية دون أن يكون لها حضور رسمي، وتغض الحكومة الطرف عنها؛ مع أنها تعمل بلا ترخيص. ويغلب على الحركة حالياً التوجه الليبرالي، وقد أُعتقل أمينها د. إبراهيم يزدي بعد احتجاجات (2009م). وتدعو الحركة هذه الأيام بصراحة لإطلاق الحريات، وتطبيع العلاقات مع أمريكا والغرب.

وأشهر أحزاب المعارضة منظمة مجاهدي خلق، حيث تأسست عام (1965م)، على يد ثلاثة مهندسين تخرجوا في جامعة طهران، وهم أعضاء سابقون في حركة تحرير إيران، وينتمون إلى الجناح الديني فيها. وبدأت عملياتها المسلحة ضد الشاه عام(1971م)، ولم يتوان البهلوي في سجن أعضائها وإعدام قيادتها، ومع ذلك رحل هو عن المشهد، وبقيت هي، والأمر لله.

ومع أنها إسلامية التوجه، إلا أنها تقبس من النصوص الماركسية، وتفيد من تجارب الشيوعيين العلمية، والاجتماعية، لتعزيز مسيرتها في الكفاح، وقد عللت الناطقة باسم مجاهدي خلق هذا الدمج؛ بأنهم يؤمنون بالفكر الاجتماعي الماركسي، ولا يوافقون على فلسفته الإلحادية، ولأن لكل بداية نهاية، أعلنت المنظمة عام (1975م) تغيير توجهها إلى الماركسية!

وأدى ذلك إلى انشطار المنظمة، وحمل القسم الماركسي منها اسم منظمة بيكار، واحتفظ أصحاب التوجه الديني بالاسم الأصلي، وشملت نشاطات المنظمة أيام الشاه اغتيال العسكريين، والوزراء، والمستشارين الأمريكان، وخطف الطائرات، وزرع القنابل، واستهداف المراكز الغربية، واليهودية.

وتمكنت منظمة مجاهدي خلق قبيل نجاح الثورة، من سحب أسلحة بعض الثكنات العسكرية، واحتلت بنايات في العاصمة، وجعلتها مراكز لتسجيل المتطوعين، وجندت الطلاب بعد تدريبهم عسكرياً. وتوجس بعض قيادات الثورة خيفة من المنظمة، ومن دأبها في جمع السلاح، وحشد المناصرين، حيث أن حركة التاريخ تسير في الأغلب، باتجاه تصادم القوى المتجاورة مع أقرب خلاف.

وحين خسر مرشح المنظمة مسعود رجوي في الانتخابات الرئاسية عام (1981م)، دبَّ الخلاف بين الحكومة والمنظمة، وحملت الأخيرة السلاح ضد الجمهورية الإسلامية، وقُتل المئات من جراء هذا النزاع، واعتقلت الحكومة كثيراً من عناصر المنظمة، مما أجبر الباقين على الفرار إلى العراق، وتكوين المجلس الوطني للمقاومة، وجيش التحرير الوطني.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح وضع المنظمة حرجاً؛ خاصة مع الحكومات الموالية لإيران، فاضطر بعض العناصر إلى الرجوع لإيران، حيث قضوا فترة في السجون ثم خرجوا منها، فيما فضل آخرون اللجوء إلى بعض الدول الأوروبية، ولايزال بعضهم في مواقع من العراق، وتدَّعي طهران بأن أمريكا تستخدمهم كورقة ضغط. ومن الطريف أن مريم رجوي زوجة مسعود رجوي، نُّصبت رئيسة لإيران في منفاها بباريس، وتنتقل في بلدان أوروبا؛ داعية إلى إسقاط الحكومة الإسلامية.

ومن الملحوظات في هذا القسم، أن المؤلف لم يذكر أي أحزاب في الأحواز، الإقليم العربي المحتل، كما لم يذكر أي حزب سني أو ينتمي لأي عرقية من الأعراق الكثيرة في إيران. وتباين حديثه عن الأحزاب ما بين إطناب واقتضاب، وقد يعود ذلك لمستوى قدرته على جمع المعلومات، وإتاحة الحزب للمعلومات، أو لميل فكري، وأورد المراجع في هوامش الفصول باللغة الفارسية، وهو مفيد لمن يجيدها، لكنه قد لا يخدم القارئ العربي كثيراً.

عنوان القسم الثاني: رجال الثورة والدولة والمعارضة، ويحتل أكثر من مئتي صفحة، وسرد المؤلف فيه سيرة (117) شخصية منهم أربع نساء، ورتبهم حسب الحروف الهجائية لاسم العائلة، ووضع صورة لكل شخصية، وتحدث عن مولد الشخصية، وتعليمها، ونشاطها، وانتمائها، ومناصبها، ومواقفها من الحكومات المختلفة، وهل لازالت على قيد الحياة.

ويلاحظ في سيرهم عوامل مشتركة، مثل كون غالبهم من الطبقة المتوسطة، ومن أسر متدينة، ولبعضهم مشاركة في احتلال الطلاب للسفارة الأمريكية، ومارسوا الكتابة أو العمل الصحفي والإعلامي، ويجيدون عدة لغات ومنها العربية والإنجليزية، وتخصصات كثير منهم هندسية؛ أو في علوم الفيزياء والرياضيات، مع شهادة شرعية أحياناً، ولبعض العوائل حضور كثيف مثل لاريجاني، ورفسنجاني، وخاتمي، ونوري، ويزدي.

ولأكثرهم مشاركات في الثورة، حتى أن الرئيس نجاد كان يوزع منشوراتها في التجمعات، وتبرز في سير عدد منهم المشاركة في الحرب ضد العراق، والفاعلية في العمل الطلابي الجامعي، والخبرة المتراكمة في العمل التنظيمي والحزبي ثم الحكومي، والمشاركة في الحرس الجمهوري، وضمن فريق التفاوض النووي.

ولجمع منهم عناية بحقوق الإنسان، حتى أن المهندس مهدي بازركان ساهم بدور كبير في تأسيس اللجنة الإيرانية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي يرأسها الآن الصحفي الإصلاحي عماد الدين باقي. وللمهندسين حضور مهيب ضمن الشخصيات الإيرانية، وحضور كبير أيضاً للرابطة الإسلامية للمهندسين، ولأمنائها.

ومما يلاحظ، أن إيران تفيد من شخصياتها في المناصب الحكومية، أو في مراكز البحث، أو في اللجان والمجالس المؤقتة أو الدائمة، بل حتى المعارضة الإيرانية في الخارج ألقت خلافاتها جانباً، وساندت حكومة بلادها في جهودها لإبرام الاتفاق النووي الأخير؛ وهي حالة من الوفاق عزيزة، وعالية، والله يجمع شملنا، ويعيذنا من بأس بعضنا.

وفي سير بعض الشخصيات علاقة خاصة مع الخميني، سواء في إيران قبل الثورة، أو في منفاه في العراق أو باريس. ونبه المؤلف إلى أن بعضهم رافق الخميني في الطائرة التي نقلته لإيران، وبعضهم عمل مترجماً له، أو كان ناطقاً باسمه، أو مستشاراً له، ومنهم الحارس الشخصي أو قائد سيارته، ومع وجود هذه العلاقات الوثيقة، فقد نشب الخلاف بين الخميني وآخرين، والسعيد منهم استطاع الفرار كأبي الحسن بني صدر.

ويلفت النظر، دراسة بعض الشخصيات في جامعة الإمام الصادق، وهي الجامعة التي تربي النخبة في إيران، أو تخرج جيلاً ثورياً كما عبر المؤلف في موضع آخر، وأسسها آية الله مهدوي كني. ولو طلب أهل السنة أن تدرس نخبهم فصلاً واحداً في جامعة دينية؛ لانتفخت أوداج، وأحمرت أحداق، بينما القوم يتسابقون كي يدرسوا في جامعة دينية سنوات متعاقبة، ومن فاتته الدراسة الأولية، سجل للدراسات العليا الشرعية، أو الاجتماعية، ولو كان تخصصه في علوم الذرة أو النفط! ووجدت في النت تكرار اسم جامعة الإمام الصادق في إيران، وفي العراق المحتل!

وأما الرئيس الحالي حسن روحاني فقد ولد عام (1948م)، ودرس الحقوق والقانون، وبعد الثورة أصبح ممثلاً للخميني في وزارة الدفاع وأركان الجيش، وترأس لجنة الدفاع في البرلمان طيلة سنوات الحرب مع العراق، وكان عضواً في مجلس الدفاع الأعلى، ومساعداً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. وتولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي مدة ستة عشر عاماً، وترأس فريق المفاوضات النووية في عهد خاتمي، وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وأدار مراكز للبحث الاستراتيجي، وعمل مستشاراً للمرشد لشؤون الأمن القومي، وخلفه في هذا المنصب اللواء بحري علي شمخاني، الذي يتحدث العربية بطلاقة.

ويوجد علاقات مصاهرة لبعض الشخصيات مع المرشد، أو رئيس الجمهورية، أو رموز الثورة الكبار، ولبعضهم استثمارات ضخمة كأبناء رفسنجاني، ومنهم من ارتقى لمرتبة حجة الإسلام بيد أنه لم يلبس الزي الديني، وبعضهم مطلوب القبض عليه دولياً، أو متهم بتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير، ومنهم من يغمز بأنه عميل مزدوج للمخابرات والمعارضة.

ولبعض الشخصيات دور كبير في صنع حركة أمل، وحزب الله، وبعض الوزارات تحمل أسماء فريدة مثل وزارة الجهاد، وزارة الرفاه، وبعض الصحف طريفة الاسم مثل صحيفة كار وكاركر التي تعني العمل والعامل، ومن اللطائف أن المرشح الرئاسي مير حسين موسوي مهندس معماري، ورسام حاذق، يقيم المعارض الفنية.

والنساء المذكورات في الكتاب هنَّ: معصومة ابتكار نائبة الرئيس خاتمي لشؤون البيئة، وكانت المتحدثة باسم الطلاب الذين احتلوا السفارة الأمريكية، ومرضية أفخم الناطقة باسم الخارجية الإيرانية عام (2013م)، بعد خبرة دبلوماسية لمدة ثلاثين عاماً، وهما الوحيدتان في الحكومة الحالية. وترأس فايزة رفسنجاني المجالس الرياضية النسوية، ولها حضور نافذ في المؤسسات النسوية غير الحكومية، وهي أصغر بنات الرئيس رفسنجاني، والمرأة الرابعة هي شيرين عبادي، الناشطة في مجال إصلاح قانون الأسرة، وهي أول امرأة ترأس محكمة في عهد الشاه، وحصلت عام(2003م) على جائزة نوبل للسلام، نظير جهودها في مجال حقوق اللاجئين، والمرأة والأطفال.

وكم هو ضروري أن توجد في بلاد الخليج مراكز بحثية، وإدارات في الخارجية والاستخبارات والإعلام، ورسائل جامعية، وقنوات فضائية، تعنى بالشأن الإيراني، فلو كانت إيران جاراً لطيفاً لكان من الحكمة أن نعرف أمرها؛ فكيف وهي جار قوي، ويزداد قوة، وله حضور متعاظم، وبين ظهرانينا من يراها جمهوريته المحببة؟!

وثمَّ أسئلة مهمة من هذا الباب: فكم من مسؤول لدينا يجيد الفارسية؟ وهل عندنا صحفيون أو محللون مختصون بإيران وفارس؟ وهل نعرف من هي الشخصيات المرشحة لخلافة المرشد خامنئي، الرجل المريض الذي يناهز الثمانين؟ وهل لدينا صلات بالمعارضة خاصة من العرب، وأهل السنة؟ أم أن معرفتنا بإيران قاصرة على السجاد التبريزي، والمطبخ الفارسي، والقطط الشيرازية!

= = = = = = = = = = = =
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف – الرِّياض – @ahmalassaf
الأحد 24 من شهر شوال عام 1436 – 09 من أغسطس 2015م
http://saaid.net/Doat/assaf/226.htm

سب الصحابة وحكمه

ينقسم سب الصحابة إلى أنواع، ولكل نوع من السب حكم خاص به.

والسبب: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم من السب بعقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن والتقبيح ونحوهما. ( الصارم المسلول 561).

وسب الصحابة رضوان الله عليهم دركات بعضها شر من بعض، فمن سب بالكفر أو الفسق، ومن سب بامور دنيوية كالبخل، وضعف الرأي.

وهذا السب أما أن يكون لجميعهم أو أكثرهم، أو يكون لبعضهم أو لفرد منهم، وهذا الفرد إما ان يكون ممن تواترت النصوص بفضله أو دون ذلك.

وإليك تفاصيل وبيان أحكام كل قسم:

من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق، جميعهم أو بعضهم

فلا شك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها:

إن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث، لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول.

إن في هذا تكذيبا لما نص عليه القرآن من الرضا عنهم والثناء عليهم ( فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي ). ( الرد على الرافضة ص19 ). ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.

إن في ذلك إيذاء له صلى الله عليه وسلم، لأنهم أصحابه وخاصته، فسب المرء خاصته والطعن فيهم، يؤذيه ولا شك. وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم كفر كما هو مقرر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا حكم هذا القسم: { وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضا في كفره، لأنه مكذب لما نص القرآن في غير موضع، من الرضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين.. – إلى ان قال – وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام }. ( الصارم المسلول 586- 587 ).

وقال الهيثمي رحمه الله: { ثم الكلام – أي الخلاف – إنما هو في سب بعضهم، أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر }. ( الصواعق المحرقة 379 ).

ومع وضوح الأدلة الكلية السابقة، ذكر بعض العلماء أدلة اخرى تفصيلية، منها:

أولا: ما مر معنا من تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح، من قوله (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ )) [الفتح:29] استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة، لان الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره. ( الصواعق المحرقة ص317، وتفسير ابن كثير 4 / 204 ).

ثانيا: ما سبق ذكره من حديث أنس عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الانصار }، وفي رواية: { لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق }.

ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر }، فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقا لا يؤمن بالله ولا اليوم الآخر. ( الصارم المسلولص581 ).

ثالثا: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر، ثم قال عمر: { أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا }، ثم قال عمر: { من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري }. ( فضائل الصحابة للإمام أحمد 1 / 300، وصححه ابن تيمية في الصارم ص585 ).
وكذلك قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب:
{ لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري }. ( فضائل الصحابة 1 / 83، والسنة لابن ابي عاصم 2 / 575 عن طريق الحكم بن جحل وسنده ضعيف لضعف أبي عبيدة بن الحكم، انظر فضائل الصحابة 1 / 83، لكن له شواهد أحدهما من طريق علقمة عن علي عند ابن ابي عاصم في السنة 2 / 48، حسن الالباني إسناده، والأخر عن سويد بن غفلة عن علي عند الالكائي 7 / 1295 ).

فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضل عليا على أبي بكر وعمر، أو يفضل عمرا على أبي بكر، مع ان مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير. ( الصارم المسلول ص 586 ).   

من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم.

كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق، وكان ممن تواترت النصوص بفضله. ( بعض العلماء يقيد ذلك بالخلفاء، والبعض يقتصر على الشيخين، ومن العلماء من يفرق باعتبار تواتر النصوص بفضله او عدم تواترها، ولعله الأقرب والله اعلم، وكذلك بعض من يكفر ساب الخلفاء يقصر ذلك على رميهم بالكفر، والآخرون يعممون بكل سب فيه طعن في الدين ):

فذلك كفر على الصحيح، لأن في هذا تكذيبا لامر متواتر.

روى ابو محمد بن ابي زيد عن سحنون، قال: { من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أنهم كانوا على ضلال وكفر، قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد }. ( الشفا للقاضي عياض 2/ 1109 ).

وقال هشام بن عمار: { سمعت مالكا يقول: من سب ابا بكر وعمر، قتل، ومن سب عائشة رضي الله عنها، قتل، لأن الله تعالى يقول فيها: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله ابدا إن كنتم مؤمنين } فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل }. ( الصواعق المحرقة ص384 ).

أما قول مالك رحمه الله في الرواية الأخرى: { ومن سب أبا بكر، جلد، ومن سب عائشة، قتل. قيل له: لم ؟. قال: من رماها فقد خالف القرآن }

فالظاهر – والله اعلم – أن مقصود مالك رحمه الله هنا في سب أبي بكر رضي الله عنه فيما هو دون الكفر، ويوضحه بقية كلامه عن عائشة رضي اللع عنها، حيث قال: { من رماها فقد خالف القرآن } فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه – ولا يشمل كل سب – وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفر من هو دون أبي بكر. ( الشفا 2 / 1109 ).

قال الهيثمي مشيرا إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبي بكر: { فيتلخص ان سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر. نعم قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر، فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلا كفره }.( الصواعق 386 ).

وقال أيضا: { وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي صلىالله عليه وسلم بالجنة، فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي، والذي أراه الكفر فيها قطعا }. ( الصواعق 385 ).

وقال الخرشي: { من رمى عائشة بما برأها الله منه… أو أنكر صحبة أبي بكر، أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة، أو واحدا منهم، كفر }. (الخرشي على مختصر خليل 8 / 74 ).

وقال البغدادي: { وقالوا بتكفير كل من أكفر واحدا من العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكفروا من أكفرهن، أو أكفر بعضهن }. ( الفرق بين الفرق ص 360 ).

والمسألة فيها خلاف مشهور، ولعل الراجح ما تقدم، وأما القائلون بعدم تكفير من هذه حاله، فقد اجمعوا على أنه فاسق، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق عليه التعزير والتأديب، على حسب منزلة الصحابي، ونوعية السب.

وإليك بيان ذلك:

قال الهيثمي: { أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق }. ( الصواعق المحرقة ص383 ).

وقال ابن تيمية: { قال ابراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر، وكذلك قال أبو اسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى فيها: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه }. وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأقل مافيه التعزير، لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد أو كفارة. وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بأحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم… وعقوبة من اساء فيهم القول }. ( اللالكائي 8 / 1262 -1266 ).

وقال القاضي عياض: {وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل }. ( مسلم بشرح النووي 16 / 93 ).

وقال عبد الملك بن حبيب: { من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراء منه أدب أدبا شديدا، وإن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر، فالعقوبة عليه اشد، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت }. ( الشفا 2 / 1108 ).

فلا يقتصر في السب أبي بكر رضي الله عنه على الجلد الذي يقتصر عليه في غيره، لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقضي الاخترام، لنصرة الدين وجماعة المسلمين وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، كان كل واحدة من هذه الأمور تقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه. ( الصواعق المحرقة 387 ).

وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها، بل يجب عليه فعل ذلك.

قال الإمام أحمد رحمه الله: { لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة، وخلده الحبس ختى يموت أو يرجع }. ( طبقات الحنابلة 1 /24، والصارم المسلول 568 ).

فانظر أخي المسلم إلى قول إمام اهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم، ووجوب عقوبته وتأديبه.
ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب عند بعض العلماء فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مبينا حكم استحلال سب الصحابة: { ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو اباحته فقد كفر، لتكذيبه ما ثبت قطعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق، لأن سباب المسلم فسوق، وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقا، والله أعلم }. ( الرد على الرافضة ص19 ).

وقال القاضي أبو يعلي – تعليقا على قول الإمام أحمد رحمه الله حين سئل عن شتم الصحابة، فقال: “ما أراه على الإسلام “، قال أبو يعلي: { فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام،إذا استحل سبهم، فإنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده تحريمه، كمن يأتي بالمعاصي… } ثم ذكر بقية الاحتمالات. ( الصارم المسلول ص 571 وما قبلها ).

يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سبا يطعن في دينه وعدالته، وكان ممن تواترت النصوص بفضله، انه يكفر – على الراجح – لتكذيبه امرا متواترا.

أما من لم يكفره من العلماء، فاجمعوا على أنه من أهل الكبائر، ويستحق التعزير والتأديب، ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه، ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي. ولا يكفر عندهم إلا إذا استحل السب.

أما من زاد على الاستحلال، كأن يتعبد الله عز وجل بالسب والشتم، فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه، ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك.

وباتضاح هذا النوع بإذن الله، يتضح ما بعده بكل يسر وسهولة، ولذلك اطلنا القول فيه. 

 أما من سب صحابي لم يتواتر النقل بفضله:

فقد بينا فيما سبق رجحان تكفير من سب صحابيا تواترت النصوص بفضله من جهة دينه، أما من لم تتواتر النصوص بفضله، فقول جمهور العلماء بعدم كفر من سبه، وذلك لعدم إنكاره معلوما من الدين بالضرورة، إلا أن يسبه من حيث الصحبة.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: { وإن كان ممن لم يتواتر النقل بفضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر }. ( الرد على الرافضة ص19 ).

أما سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم:

فلا شك أن فاعل ذلك يستحق التعزير والتأديب، ولكن من مطالعتي لأقوال العلماء في المراجع المذكورة، لم أر أحدا منهم يكفر فاعل ذلك، ولا فرق عندهم بين كبار الصحابة وصغارهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: { واما إن سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء }. ( الصارم المسلول ص 586 ).

وذكر أبو يعلي من الأمثلة على ذلك اتهامهم بقلة المعرفة بالسياسة. ( الصارم المسلول ص 571 ).

ومما يشبه ذلك اتهامهم بضعف الرأي، وضعف الشخصية، والغفلة، وحب الدنيا، ونحو ذلك.

وهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ، وكذلك الدراسات المعاصرة لبعض المنسوبين لأهل السنة، باسم الموضوعية والمنهج العلمي.

وللمستشرقين أثر في غالب الدرسات التي من هذا النوع.

http://www.alserdaab.org/articles.aspx?selected_article_no=297

لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي

لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي
سمير بن خليل المالكي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
أما بعد ، فقد قرأت ما كتبه الدكتور خالد المدني في صحيفة عكاظ يوم الجمعة ١٣/١٠/١٤٣٣هـ
تحت عنوان : الحجامة علاج قديم عديم الجدوى !

وقد اقشعر جسدي ، وتفطر قلبي ، لما ذكره في مقالته العرجاء في الصحيفة المقعدة: عكاظ ، التي قبلت أن تنشر مثل هذا السخف والهراء على الملأ ، وقد عودتنا على ذلك منذ نشأتها ، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

وأقول: إن هذا الدكتور قد أفصح عن جهله البالغ في الدين وفي الطب الذي يتباهى به.

فأما جهله بالدين فظاهر من مقالة السوء التي أطال فيها الكلام عن الطب النبوي عامة ، وعن الحجامة خاصة ، حيث ذكر ما مفاده أن الأحاديث النبوية في الطب ليست من الدين ولا من الوحي الإلهي ، بل منها ما هو من تجارب ومعارف العرب ، ومنها ما يختص ببيئة الصحراء.. إلى آخر ما ذكره.

ثم جعل الطب النبوي من جملة مسائل العادات ، كالطعام واللباس وركوب الدواب.

قلت: وقد أفصح الكاتب بمقاله هذا عن جهله البالغ وافتئاته على الوحي ، وفيه رد صريح للسنة ، وتنقص خفي بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي قال الله تعالى في حقه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.

وهذا عام في كل ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء مؤكداً في النصوص المتواترة ، وأجمع عليه كل أهل العلم.

وقد ورد في الحديث:
أن عبدالله بن عمرو كان يكتب كل حديث يسمعه ، فقال له بعض الصحابة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الكلمة في الغضب والرضا ، فقال صلى الله عليه وسلم (اكتب فوالذي نفسي بيده لايخرج منه _وأشار إلى فمه_ إلا حق).
فإذا كان هذا في الكلمة التي يقولها صلى الله عليه وسلم ولو في الأمر الخاص ،كالمزاح مثلا ، فكيف بما يقوله _بأبي هو وأمي_ ويحث به عموم الأمة ، كالحجامة؟
وقد تواتر ذكر الحث على الحجامة في عدةٍ أحاديث ، أخرج بعضها البخاري ومسلم.
كحديث أنس بن مالك (إن أفضل ما تداويتم به الحجامة).

وحديث جابر (إن كان في شيئ من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار ، وما أحب أن أكتوي).

وعند البخاري من حديث ابن عباس (الشفاء في ثلاثة : شربة عسل وشرطة محجم وكية نار ، وأنهى أمتي عن الكي).

وصح عنه أنه احتجم صلى الله عليه وسلم حتى وهو محرم.

وفي السنن والمسانيد أحاديث أخرى عن الحجامة.

وروى الطبراني حديث (ما مررت ليلة أسري بي بملأ إلا قالوا : يا محمد مر أمتك بالحجامة).

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الحجامة وحي وسنة مطلوبة لا مجرد عادة من العادات. هذا أولاً.

وثانياً: لو فرضنا _جدلا_ أنها عادة ، فإن مجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها ، يجعلها من العادات المفيدة النافعة ، فإنه صلى الله عليه وسلم قد جبل على العادات الطيبة ، ولا يصح ولا يجوز أن يستخف أحد بعادة من عاداته صلى الله عليه وسلم ، أو ينكرها ، أو يطلب لها شاهداً من فعل البشر وتجاربهم ، فكيف بما كان سنة من سننه رغب فيها أمته وذكر وصية الملأ الأعلى بها؟

وهناك فرق كبير جداً بين أن يترك المسلم شيئاً من العادات النبوية ، أو حتى السنن ، وبين أن يستنكرها ، أويستخف بها ، أويعارضها برأيه ، أو برأي غيره.

ولو فرضنا _جدلاً_ أن أطباء العالم منذ القدم وإلى عصرنا هذا ، أجمعوا على أن الحجامة لا فائدة فيها ، أو أنها مضرة للأبدان ، لكان الواجب أن يطرح قولهم ويضرب به عرض الحائط ، لما صح من فعله صلى الله عليه وسلم لها ، فكيف وقد حث أمته على فعلها؟

وأقول لهذا الدكتور الجاهل: هب أنك لم تقف على قول لأحد ساداتك من أطباء الغرب في فوائد الحجامة ، فهل علم الطب محصور فيهم لا يتعداهم؟

وهل وقفت على أقوال غيرهم من أطباء المشرق في هذه المسألة؟

أم أن أقوالهم وتجاربهم لا وزن لها عندك؟

وكم سمعنا وعلمنا من تفرد أطباء الصين والهند وروسيا والعرب بأبحاث وتجارب قصر عنها الطب في الغرب ، حتى اضطرت بعض جامعاتهم إلى الاعتراف بها ، ومنها على سبيل المثال: الطب البديل ، والإبر الصينية.

ومعلوم أن تجارب الغرب اليوم قد اعتمدت على كتب القدماء ، وقد كانت الحجامة معروفة متداولة عندهم من قبل الإسلام ، وقد ذكرت فوائدها في المصنفات القديمة.

ولست بحاجة لأن أدلل على ذلك ، لأنه يكفينا نحن المسلمين أنها وردت في الطب النبوي المعتمد على الوحي المنزل من خالق الكون سبحانه {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.

وفي كتب الأصول مباحث مفصلة عن حكم التأسي بأفعال الرسول العادية الجبلية ، وقد ذكروا أن المسلم إن قصد بفعله لها المتابعة والتأسي به صلى الله عليه وسلم فإنه يؤجر على ذلك القصد.

أما إنكار الفعل النبوي _العادي أو الجبلي_ أو الاستخفاف به ، فإنه كبيرة ، وقد يجر إلى الكفر ، لأن فيه إساءة أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى.

وقد حذر الله المؤمنين من أن يقدموا بين يدي الرسول بأمرٍ أو اقتراحٍ ، ولو في مباحٍ ، حتى يصدر عنه أمر أو حكم ، فقال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}

وقد كان سببها اقتراح أبي بكر وعمر في أمر ليس فيه حكم حلال أو حرام ، قال الراوي: كاد الخيران أن يهلكا .. الحديث.

كما حذر سبحانه الأمة مما هو أشد ، فقال {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لاتشعرون}.

ولا ريب أن الاعتراض على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتقديم غيرها عليها ، أبلغ من مجرد رفع الصوت فوق صوته.

وقال تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.

وقد وجد في القرون السالفة من قدم الرأي والعقل ، أو قدم أقوال أهل الكلام والفلسفة على نصوص الوحي ، فتواتر نكير الأئمة عليهم ، تكفيراً وتفسيقاً ، بحسب الحال.

ومما أثر عن الإمام أحمد قوله:

دين النبي محمد أخبار  نعم المطية للفتى الآثار
لاترغبن عن الحديث وأهله   فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى   والشمس بازغة لها أنوار

وقال غيره:
أهل الكلام وأهل الرأي قد جهلوا   علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انصرفوا   عنها إلى غيرها لكنهم جهلوا
قلت: والكلام في تقرير هذه المسألة يطول جداً ، وحسبنا ما ذكرناه هنا.

وأختم مقالي بنصيحة إلى كل من اجترأ على مثل تلك المقالات الشنيعة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم أوفي حق سنته ، بأن يبادروا بإعلان التوبة منها ، قبل أن يصيبهم الله بعذاب من عنده ، أو يدهمهم الأجل فيكبهم الله في النار ، فرب كلمة يتكلم بها المرء من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفاً.
كما ورد في الحديث.

ورب كلمة تخرج صاحبها من الملة ، كما حكم الله في كتابه على أولئك المستهزئين بآيات الله أو برسوله أو بعباده المؤمنين.
والله تعالى أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* * * * *

وكتب / سمير بن خليل المالكي الحسني.
مكة المكرمة
الجمعة ١٣/١٠/١٤٣٣هـ
جوال/ ٠٥٩١١١٤٠١١
samer-malky89@hotmail.com

سيرة عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما

سيرة عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما

ما أحبك يا أم المؤمنين وأقربك إلى قلوبنا فوالله إنك أحب إلينا من أنفسنا

 بقلم فضيلة الشيخ علي بن يحيى الحدادي حفظه الله

 بلغ قمة الكمال والسمو من الرجال عدد كثير لكن لم يبلغها من النساء إلا قلة ومنهن عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما .هذه المرأة العجيبة التي فاقت علماً وحلماً وخلقاً وأدباً وفصاحة وشجاعة كثيراً من الرجال فضلاً عن بنات جنسها.لن يوفيها الكلام مهما ارتقى به البيان، ولن توفيها الصفحات مهما بلغت من الأعداد، لكن سنعرض نماذج من حياتها هي كفيلة في الدلالة على ما وراءها من الجلال والعظمة.

 أما أبوها فهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير البشرية بعد النبيين والمرسلين، صاحب رسول الله ورفيقه في الغار لا ثالث لهما إلا الله، الذي واسى رسول الله بنفسه وأهله وماله، الرجل الذي لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من الخلق خليلاً لا تخذه خليلاً. هذا أبوها فما ظنك بفتاة نجيبة عبقرية تنشأ في بيت أبي بكر رضي الله عنه بيت العلم والفصاحة والتقوى والعفة وكل خصلة طيبة حميدة.

 قصة زواجها

جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ثلاث ليال وفي يده خرقة من حرير وفي كل مرة يكشفها النبي صلى الله عليه وسلم فيجد فيها صورة عائشة ويقول له الملك : هذه امرأتك.  فيقول النبي صلى الله عليه وسلم إن يك هذا من عند الله يمضه أي سيكون. و لما توفيت خديجة ولم يكن عنده غيرها عرضت عليه امرأتان ثيب وبكر أما الثيب فسودة بنت زمعة إحدى السابقات إلى الإيمان وأما البكر فعائشة وكانت صبية بنت ست سنين فقط ، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على العرض أما سودة فتزوج بها ودخل بها وأما عائشة فعقد عليها ولم يدخل بها لصغر سنها.

ولما هاجر إلى المدينة وبلغت من العمر تسع سنين دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة بدر غالباً منتصراً، وكانت عائشة تلعب على أرجوحة لها فجاءها النساء فزينها وأصلحنها له ثم أهدينها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فعاش معها النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين حيث توفاه الله إليه ولها من العمر ثمان عشرة سنة فقط.

حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة

أحب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حباً عظيماً ما أحب واحدة من نسائه كما أحبها إلا أن تكون خديجة رضي الله عنها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن عن حبه لها ولا يسره ويظهره ولا يكتمه حتى شاع أمره بين ضراتها وبين أهل المدينة رجالها ونسائها ، فهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه يسال النبي صلى الله عليه وسلم فيقول من أحب الناس إليك؟ فيقول: عائشة قال من الرجال؟ قال: أبوها.

وكان الناس يهدون النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا ولكنهم كانوا يختارون يوم عائشة الذي يكون فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عندها لعلمهم بحب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة فكان ذلك يغيظ بقية نسائه،  ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتغيير عادتهم تلك.

وكان يقبّل عائشة وهو صائم وحين سئلت أم سلمة عن ذلك قالت : لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا.

ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرض الموت وكان يدور على نسائه مع شدة المرض فكان يقول أين أنا غداً أين أنا غداً؟ يستعجل يوم عائشة فأذن له أن يمرض عندها لما علمن من حبه لها رضوان الله عليهن أجمعين.

وكان من أسباب شدة حبه لها ما كانت عليه من الخير والصلاح والكمال وقد أشار إلى شيء من ذلك حين قال لبعض نسائه ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها.

وأقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سلام جبريل عليها، وقد ظهر شيء كثير من فضلها بعد موته صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إلا نشرها للعلم نشراً لا يشاركها فيه غيرها من النساء لكفى به فضلاً.

 لطف النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة

عاشت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم عيشة هنيئة ملؤها العطف والحنان والرحمة ولا عجب فمحمد صلى الله عليه وسلم خير الناس خلقاً مع أعدائه فما ظنك بخلقه مع أوليائه فما ظنك بخلقه مع أهله فما ظنك بخلقه مع أحب أزواجه إليه.

فمن تلطفه صلى الله عليه وسلم معها أنه كان يعطيها العظم تتعرقه ثم يأخذه منها فيديره حتى يضع فاه على موضع فمها.

 وكانت معه في سفر فتأخر عن الجيش وأخذ يسابقها فسبقته، ثم بعد مدة كانت معه فسابقها فسبقها فقال هذه بتلك.

وفي يوم عيد أخذ الحبشة يلعبون بالحراب في المسجد فسترها بردائه، وبقي واقفاً من أجلها حتى سئمت هي.

وكان لها لعب تلعب بها فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فرأى لعبها فيسألها: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي.ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت فرس قال وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان ، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟! قالت: فضحك حتى بدت نواجذه.

 وحبس النبي صلى الله عليه وسلم الجيش مرة من أجلها ولا ماء معهم وذلك أنها أضاعت عقداً لها ولما حضرت الصلاة ولا ماء مع القوم أنزل الله آية التيمم ببركتها فجعل الله بسببها للمسلمين خيراً كثيراً.

 عائشة وحادثة الإفك

امتحنت عائشة محنة عظيمة طال أمدها ولكن جاءت العاقبة حميدة والحمد لله فقد اتهمت هذه العفيفة الطاهرة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضها وشاعت التهمة وصارت الألسن تلوكها.

 وملخص القصة أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وفي مرجعهم وقد قربوا من المدينة ذهبت للخلاء بعيداً عن الجيش فلما أتت رحلها وإذا بها قد فقدت عقداً لها فرجعت مرة أخرى تلتمسه وتأخرت فلم ترجع إلا وقد رحل الجيش ولم يبق أحد.

 فجلست في مكانها حتى غلبها النوم ولم تقم إلا على صوت رجل يقول ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فاستيقظت وخمرت وجهها وعرفها لأنه كان رآها قبل نزول الحجاب فأناخ راحلته فركبت وقاد الراحلة وما كلمها ولا كلمته حتى وصلا المدينة.

 فلما رأى بعض المنافقين هذا المنظر وجدوها فرصة للطعن فيها من أجل أن يطعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وكانت مريضة فلم يخبرها أهلها بالشائعة، ولم يكلمها النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لكنها شعرت بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلاطفها كسابق عهده ، وبعد شهر بلغها الخبر فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تذهب إلى أهلها فأذن لها فسألت أمها فأكدت لها الخبر فبكت تلك الليلة وما نامت ثم أصبحت وظلت يومها باكية ودخل عليها الليل وهي تبكي حتى كاد كبدها أن ينفلق وجاءتها امرأة من الأنصار تبكي معها وأبوها وأمها جالسان عندها.

فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم جلس عندها وما جلس عندها منذ تكلم الناس وقال لها فيما قال ( إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ) فجف دمعها وقالت: “لئن قلت لكم إني بريئة ، والله يعلم أني بريئة ،  لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) ”

 ثم اضطجعت على فراشها، عند ذلك جاء الله بالفرج ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفصل عنه الوحي ضحك صلى الله عليه وسلم وكان أول ما قال : ( يا عائشة أما والله لقد برأك الله ) فقالت أمي : قومي إليه فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وأنزل الله فيها الآيات من سورة النور ( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ) آيات تتلى ببراءتها إلى قيام الساعة رضي الله عنها وأرضاها وجزاها على ما أوذيت فصبرت خير الجزاء.

 عائشة المرأة الصالحة

لم تبلغ عائشة ما بلغته بعد فضل الله عليها وتوفيقه لها إلا بخصال حميدة قل من تتهيأ له فقد رزقها الله علماً واسعاً فكانت أعلم نساء هذه الأمة دون منازع، حتى كانت مرجعاً لكبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عمن دونهم، والعلم لا ينال براحة الجسد غنما ينال بالنصب والتعب وبذل الجهد، فنشرت علماً جماً لا يزال يروى ويستفاد منه إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.

وكانت من أتقى الناس لله وأخوفهم له كانت تذكر بعض أمورها فتبكي حتى تبل دموعها خمارها خوفاً من الله وخشية منه وما هي تلك الأمور؟ أهي كذنوبنا وسيئاتنا؟ لا والله ولكن تبكي لأشياء لا نعدها اليوم ذنباً فقد نذرت مرة ألا تكلم ابن أختها حتى يفرق بينهم الموت بسبب إساءة نالتها منه ثم قبلت شفاعة بعض الناس فكلمته وأعتقت لعدم وفائها بنذرها أربعين رقبة وبقيت إذا ذكرت ذلك بكت بكاء يرحمها له من عندها.وخرجت تصلح بين المسلمين في الفتنة التي حصلت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فحصلت وقعة الجمل بغير إذنها ولا مشورتها وما أرادت بخروجها إلا الخير ومشورة بعض خيار الصحابة فكانت إذا ذكرت خروجها وما حصل بسببه من الدماء بكت رضي الله عنها بكت بكاء شديداً.

وكانت امرأة محسنة تحب البذل والصدقة ومد يد العون للفقراء والمساكين جاءتها مرة مائة ألف وكانت صائمة ففرقتها من يومها وليس في بيتها شيء يذكر تأكله فأفطرت على خبز وزيت فقالت لها الجارية لو أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تأكلينه ونأكل فقالت لو ذكرتني لفعلت. فهل سمعت بمن يذكر الفقراء والمساكين والمحتاجين وينسى نفسه؟ إنها عائشة.

وكانت تأتيها الأموال العظيمة فتفرقها وإنها لترقع ثوبها رضي الله عنها.

وكانت إذا شبعت من طعام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكرت ما كانوا عليه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد فتبكي رضي الله عنها. وأكثرت من الصوم جداً في سفرها وحضرها حتى أثر ذلك فيها أثراً بينا.وتجلى عظم خوف من ربها يوم حضرتها المنية فقد قالت هذه المرأة الصالحة التي عمرت حياتها بفعل الخيرات ( ليتني كنت نسياً منسيا ) تتمنى أنها لم تكن شيئاً خوفاً من البعث والجزاء والحساب وهكذا الإيمان إذا كمل أورث الخشية من الله تعالى.

النهاية

بعد حياة حافلة بالتقوى والصلاح ونشر العلم وبذله معمورة بالعبادة والقدوة الصالحة مرضت مرض الموت في المدينة النبوية وعمرها ثلاث وستون سنة وأشهر، قبضها الله إليه راضية مرضية وذلك في السابع عشر من شهر رمضان سنة 57هـ ودفنت بمقبرة البقيع في الليل.

وبذلك طويت صفحة من صفحات المجد والمثل العليا التي قل أن تتكرر في تاريخ البشرية، ماتت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجته في الجنة ولكن علمها لم يمت وسيرتها لم تدفن.

لا تزال سيرتها نموذجاً يحتذى ، ولا زال علمها ميراثاً يروى، فأين فتيات الإسلام عن أمهن عائشة؟

يا فتيات الإسلام

  • ·         اقتدين بعائشة في إيمانها الراسخ رسوخ الجبال الراسيات بالله رباً و بالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً.

  • ·         اقتدين بعائشة يا فتيات الإسلام في الحرص على طلب العلم النافع الذي يستقى من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكل علم نافع تحتاجه الأمة من لغة وأدب وطب وغيرها مع الحياء والحشمة والمحافظة التامة على الحجاب والقرار في البيوت والبعد عن مخالطة الرجال كما أمر الله تعالى بذلك كل مسلمة مؤمنة.

  • ·         اقتدين بعائشة في الاجتهاد في الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة فنعم الزاد هي للسفر إلى دار الآخرة.

  • ·         اقتدين بها في حسن التبعل للزوج والقيام بحقوقه وشؤونه على أكمل الوجوه وأحسنها.

  • ·         اقتدين بها في التواضع والبعد عن غرور الدنيا وبهرجها وزخرفها الزائل الفاني.

  • ·         اقتدين بها في الصبر عند المحن والابتلاء فكم هي الفتن التي تمر بها المسلمة اليوم فما لم تعتصم بربها وتستمسك بدينها جرفتها تلك الفتن وهوت بها في مكان سحيق.

 أختي الكريمة

إن أم المؤمنين عائشة وبقية أخواتها من أمهات المؤمنين و غيرهن من الصالحات كمريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوج فرعون وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهن لا سيما من نساء الصحابة هن القدوة الحقيقية للمرأة المسلمة التي تتمثل فيهن الصفات التي أراد الله أن تتحلى بها المرأة لتنال رضاه، وتفوز بجنته فالحذر الحذر أن يزهدك الشيطان في الإقتداء بهن ويزين لك الإقتداء بغيرهن ممن لا يقمن للدين ولا للحياء والعفة وزنا ولا يرفعن بها رأساً فتهلكين وفي الحديث (المرء مع من أحب).

اللهم ارض عن أمنا عائشة بنت أبي بكر واجزها خير ما جزيت به عبادك الصالحين اللهم إنا نشهدك على حبنا لها في جلالك وعلى بغض من يبغضها، والبراءة ممن يطعن فيها، اللهم وفق نساء المسلمين للإقتداء بها في فعل الصالحات، وترك المنكرات والحرص على ما ينفع، اللهم جنبهن سبل الفساد وأسباب الشر، اللهم احفظهن بحفظك واكلأهن برعايتك، و تجاوز عن سيئاتهن برحمتك أنت أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين

علي بن يحيى الحدادي

ayh111@maktoob.com

نشرت تحت عنوان هدية إلى كل فتاة للشيخ علي الحدادي حفظه الله