هذا ديدنكم يا أعداء الله

هذا ديدنكم يا أعداء الله

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة – @OmaimaAlJalahma
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام

في الآونة الأخيرة أصبح الركع السجد في بيوت الله هم المستهدفين، وأصبح رجال أمننا حماتنا بعد الله هم المستهدفين، هؤلاء الخوارج يتطلعون إلى قتل شبابنا وسبي بناتنا ونهب مقدراتنا، وإشباع غرائزهم التي بالكاد تشبع.

يا من جعلتم قتلة الخلفاء وقتلة الصحابة والصالحين والمصلين مثلا لكم؛ فقد قتل قدوتُكم الخليفةَ عمر بن الخطاب وهو في المسجد يصلي، وقتل إمامُكم الخليفةَ على أبي طالب في المسجد قبيل صلاة الفجر رضي الله عنهما، يا من أصبحتم ألعوبة في أياد ملوثة بالجريمة. يا من حللتم الحرام وأهدرتم الدماء المعصومة. يا من توجهتم بالسمع والطاعة لمن لا سمع له ولا طاعة، ثقوا أنكم إن شاء الله إلى الجحيم سائرون. فهذا ديدنكم يا أعداء الله.

لن أفرغ غضبي في هذه العجالة فلسنا هنا في مجال تفريغ. علينا أن نجد الحلول، ومن أهمها كما أظن والله أعلم، وضع كل أسر وأصدقاء وأقارب هؤلاء الخوارج تحت الدراسة. ولا أعني هنا -معاذ الله- أن نعاملهم كمتهمين، فقد كان بعضهم أول الضحايا، كذاك الذي قتل خاله، خاله الذي تكفل بتربيته وضمه ووالدته بعد انفصالها عن والده، وذاك الذي صوب النار على والده فأرداه قتيلا.

على الجهات المعنية في وزارة الداخلية وغيرها أن توضح لأسرهم ولكل أسرة في وطننا أن كل فرد منا مستهدف إذا تم تحوير مسار ابن له، إذ لن يعود بعدها يرى ولا يسمع ولا يعقل إلا وفق ما يبرمج عليه، وسيتم التعامل معه من قبل تلك الجماعة الإرهابية عن بعد، وبواسطة “الريموت كنترول” وسيصورونه بطل الأبطال، وأنه من جند الله المخلصين، سيقال له إن بينه وبين الجنة ضغطة زر. ضغطة تنهي معاناته وعدم تقدير أسرته ومجتمعه لإمكاناته الفذة. تفجير نفسه هو الحل القصير للنعيم المقيم. ولا أستبعد مطلقا أن يزود بأدوية تجعله كمن يمشي أثناء نومه؛ لتتوقف مشاعره عن العمل، فلا يمكن له رؤية الحق حقا ولا الباطل باطلا، ليكون وجهه جامدا فارغا من أي تعبير، إذ سيكون كمن نوّم تنويما مغناطيسيا.

المساجد بيوت الله تستلزم منا حمايتها -من هؤلاء الذين لا يرون أية غضاضة في تفجيرها- خاصة عندما تكون ممتلئة بالمصلين. ليكن على كل مدخل رئيس للمسجد جهاز يكشف المتفجرات بحيث يغلق عند الإشارة إلى وجود مواد متفجرة، أما باب الطوارئ فيفتح بشكل أوتوماتيكي عند الطوارئ؛ ليكون مؤمنا من دخول أمثاله.

ومن ناحية أخرى، علينا وضع بعض الإعلانات التوعوية لتوضح خطورة هذه الجماعة، ولو كان وضعها على الطرقات متعذرا فليتنا نضعها داخل المؤسسات التعليمية، وبشكل توعوي لا استفزاز فيه، ومن خلال الإعلانات التي تظهر على قنوات التواصل الاجتماعي كـ”تويتر، واليوتيوب”، على أن يكون ظهورها لجميع المتصفحين دون استثناء.

ومن ناحية البرامج التلفزيونية والإذاعية التوعوية التي أعتقد أنها لن تكون فاعلة ببيان حرمة قتل النفس المؤمنة والمستأمنة فحسب، بل لا بد من بيان الأعراض المتوقع ظهورها على أبنائنا في بداية انخراطهم في الفكر الخارجي، وكيفية تعامل الجهات الرسمية لوزارة الداخلية مع أية معلومات تصل من أولياء الأمور أو الأصدقاء والأقارب عن التغيرات المريبة التي تطرأ على أبنائهم، وتدل على ميولهم أو انضمامهم للجماعات الإرهابية.. وعلى هذه البرامج بيان أن الهدف من تلقي تلك المعلومات سيكون حماية أبنائهم لا إنزال العقوبة عليهم ما داموا لم يشاركوا في تنفيذ أي عمل إرهابي، على تلك البرامج بيان أن شبابنا المنضمين للفكر الخارجي لن يكون علاجهم من هذا الفكر الإرهابي بمعزل عن الجهات الرسمية، فهم كمدمن المخدرات الذي تعجز أسرته في الغالب عن علاجه من الإدمان.

ومن الطبيعي أن تكون هذه البرامج مكلفة وبالتالي لا بد من دعم وزارة الداخلية لها، ومن المناسب جدا مساهمة الشركات الكبرى في دعم تلك البرامج من باب مسؤوليتها الاجتماعية، ولا أعتقد أن هناك بأسا من الاستعانة بمتخصصين نفسيين واجتماعيين غير مواطنين، فالحكمة ضالة المؤمن.

أما وزارة التعليم فمن المعلوم أنها في المراحل النظامية (ابتدائي ومتوسط وثانوي) تعتمد وجود مشرفي توجيه وإرشاد في مدارسها، هؤلاء لا يكفي تكليفهم بمهمة التوجيه التربوي بشكل عشوائي أو حتى بناء على تخصصهم النفسي، إذ لا بد من دورات مكثفة ودورية قبيل العام الدراسي، يخصص فيها العديد من ورش العمل لكيفية الوقوف على الأعراض الأولية لضلال أبنائنا وبناتنا. ويقوم عليها متخصصون من الناحية الشرعية والنفسية وبطبيعة الحال أمناء.

كما أتطلع إلى جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بقسميها “بنين وبنات” أن تفتح كلية بعدة أقسام تُعنى بشكل مباشر بدراسة نفسية هذه الفئة الضالة قبيل انخراطها في الفكر الإرهابي وبعده، وكيفية مقاومتها وقلعها من جذورها، والأدوار الواجب أداؤها من الأفراد والمجتمع لمكافحة الفكر الضال.

أستطيع أن أقول إن من خطط ودعم هذه الجماعة في عملياتها الإرهابية يستحق منا أشد العقوبة؛ فحياته في مقابل حياة الأبرياء.

في الآونة الأخيرة أصبح الركع السجد في بيوت الله هم المستهدفين، وأصبح رجال أمننا حماتنا بعد الله هم المستهدفين، هؤلاء الخوارج يتطلعون إلى قتل شبابنا وسبي بناتنا ونهب مقدراتنا وإشباع غرائزهم التي بالكاد تشبع وبشكل همجي حيواني. واعذروني ها هنا فأنا أترفع عن وصفها.

ولو ثبت لنا أن لـ”تاعس” أو غيرهم يد في “تفجير مسجد قوة طوارئ عسير” وجب علينا تشديد الحرب عليهم، فأن نموت بشرف أفضل من أن نعيش ونتركهم هم وغيرهم يعيثون في الأرض فسادا.

http://saaid.net/daeyat/omima/632.htm

إيران: أحزابها وشخصياتها!

إيران: أحزابها وشخصياتها!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf
7767
من فوائد قصة صلح الحديبية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، استشرف نتيجة المفاوضات مع قريش بناء على شخصية المفاوض؛ التي كانت تتغير من رجل لآخر، مع أنهم جميعاً يمثلون قريشاً، ويعبرون عن رؤيتها وأهدافها. ومع ذلك فلتباين الشخصيات أثر مهم، وإن معرفة رموز الطرف الآخر، وخلفياتهم، وقيمهم، وتطلعاتهم، مفيد جداً في كيفية التعامل الحذر والمثمر معهم، ولذا كان من حكمة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، دقة معرفته بشخصيات فريق التفاوض، والقيم العليا لديهم.

ومن المهم لنا في الشرق الإسلامي، وفي المحيط العربي على وجه الخصوص، أن نتعرف إلى القوى المحيطة بنا، ونفهم ثقافاتها، وطرائق تفكيرها، ومصالحها العليا، فضلاً عن معرفة سير الشخصيات المؤثرة؛ إن في الحكومة أو في المعارضة، زيادة على التبصر في شؤون مجتمعاتها؛ بما يجعل في أيدينا قوة ناعمة مؤثرة، خاصة إن سبقونا في القوة الخشنة، والثقيلة، بل وحتى في النووية! ومن الأهمية بمكان ألا تقف حدود معرفتنا على الكتب المترجمة؛ فقد يقصِّر المترجم، أو يخفي الكتاب المؤَّلف لنا الحقيقة الكاملة.عراق الطائفية

وبين يدي كتاب يعرِّف بأحزاب إيران وشخصياتها، عنوانه: إيران: الأحزاب والشخصيات السياسية (1890-2013م)، تأليف شاكر كسرائي، صدرت طبعته الأولى عن دار رياض الريس للكتب والنشر عام (2014م)، ويقع في (351) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من قسمين؛ الأول خاص بالأحزاب، والثاني عن الشخصيات، ولكل قسم مقدمة، ويحتوي القسم الأول على ثلاثة فصول، وفي آخر الكتاب نبذة قصيرة عن المؤلف، وفهرسان للأعلام والأماكن. وعلى غلاف الكتاب صور الشاه، والخميني، وخامنئي، ورفسنجاني، وخاتمي، ونجاد، وروحاني.

والمؤلف إيراني، ولد عام (1950م)، وله نشاط إعلامي في الكتابة والترجمة، وحصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الإسلامية في لبنان-وهي جامعة شيعية-، ويعدُّ حالياً أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه. وله عدد من المؤلفات باللغة العربية؛ أحدها عن اليهود في إيران، كما أن له مؤلفات بلغته الفارسية؛ أحدها عن الحركات الإسلامية والتنظيمات السلفية.

ذكر المؤلف في المقدمة أن العمل الحزبي في إيران ارتبط بالأحوال السياسية، وبالتالي فلم يترسخ العمل الحزبي فيها كما هو الحال في أوروبا مثلاً، وأدى هذا إلى غياب الحرية المرتبطة غالباً بالعمل الحزبي الأصيل. وينقل الباحث عن آخرين، إرجاع هذه النتيجة إلى طبيعة المجتمع الإيراني القبلية، وثقافته الفردية، ومحدودية الطبقة المتوسطة، وقمع النخب من قبل السلطات، وبالتالي فلا يوجد في إيران أحزاب سياسة عريقة أو معمرة.

وتُرمى بعض الأحزاب بالعمالة للخارج؛ لأنها ترتبط بدول خارج الحدود، وتتلقى منها دعماً مادياً ومعنوياً، ولبعضها مشاركة في تنفيذ اغتيالات، وقتل مسؤولين وشخصيات نافذة. واتخذت الأحزاب أسماء مختلفة كالحزب، والجمعية، والرابطة، والهيئة، واللجنة، والحركة، والمنظمة، وغيرها. وبعد قيام الثورة ونجاحها ضعفت الأحزاب؛ نتيجة للاضطراب الذي يترافق عادة مع الثورات وبعدها، ثم بسبب الحرب مع العراق، وتعامل الملالي القمعي مع الأحزاب، وخوف التيار الديني من أثر الأحزاب المنفتحة على منظومة القيم والأخلاق.Shiaa - 0003

يبدأ القسم الأول بفصل عنوانه: كيف نشأت الأحزاب السياسية في إيران؟ ففي بداية القرن التاسع عشر، كان المجتمع الإيراني يضم أربع طبقات؛ أولها الأشراف المكونة من الأمراء وأكابر موظفي البلاط، ثم طبقة التجار، ويليها طبقة الأجراء من عمال المصانع والورش، وأخيراً طبقة المزارعين وأبناء القبائل.

وبعد التواصل مع أوروبا عن طريق البعثات الدراسية، والسفارات، والحروب، انبثقت طبقة جديدة هي طبقة المثقفين، وتتكون من خليط من الطبقات الأربعة السابقة، والقاسم المشترك بين أفرادها هو الدعوة إلى التغيير في السياسة والاقتصاد والاجتماع، والمطالبة بملكية دستورية وطنية علمانية، بحيث تقضي الدستورية على الملكية الرجعية، وتقصي العلمانية المحافظين، وتمنع الوطنية النفوذ الإمبريالي. وتميزت طبقة المثقفين بالقدرة الفائقة على تغيير أساليبها تبعاً للأحوال؛ فربما تحالفت مع الشاه، ثم ناصبته العداء بالاشتراك مع علماء الدين!

وأسهب المؤلف قليلاً في الحديث عن أثر جمال الدين الأفغاني على الفكر، وعلى العلماء والمثقفين، ونقل ندمه قبيل وفاته، على جهوده التي صرفها لإقناع البلاطات الملكية بالإصلاح؛ حيث اكتشف أنها مصابة بالصمم أو ثقل السمع، وكان الأجدى حسب رأيه التوجه مباشرة نحو الشعوب، فهي التربة الخصبة لتقبل الفكر الإصلاحي.Shiaa - 0002

وأسس إيراني أرمني اسمه ميرزا ملكم خان-وهو مؤسس الحركة الماسونية في إيران حسب الويكيبيديا-أول صحيفة باسم (قانون)-أو الدستور حسب الويكيبيديا-عام(1890م) تحت شعار الوحدة والعدالة والتقدم، ونشر في أول كل عدد دعاء باللغة العربية، ثم حاربتها الحكومة، وعاقبت من وجدتها في حوزته.

وقد جعلت هذه الحادثة -مع أخوات لها-المثقفين يوقنون بأن همَّ السلاطين وهمتهم، منصرفة تجاه المحافظة على ملكهم، وليس على خدمة المجتمع الإيراني! وأن البلاط ورجالاته نهبوا ثروات البلد؛ لصرفها على ملذاتهم، وسفراتهم إلى الخارج، دون رعاية لمصالح البلد وأهله.

وعلى إثر أزمة منح امتياز التنباك لمستثمر إنجليزي عام(1891م)، وبدعم من روسيا، وعلماء الدين، وتجار شيراز، وجمال الدين الأفغاني، خرجت مظاهرات غاضبة في إيران، ورافقها أول إضراب عام؛ يمثل مقدمة للتغييرات السياسية، وبداية الثورة الدستورية، فاضطرت الحكومة للتنفيس قليلاً، والسماح بصدور بعض الصحف.

وتكونت خمس مجموعات شبه سرية، وكان لها يد طولى في الثورة الدستورية، وهي منظمات دينية، واشتراكية، ووطنية، وعمالية، وثورية، حيث تعاونت فيما بينها لإسقاط طغيان الحكم المطلق، وشجعت المواطنين على الثورة، وهو ما حدث عام (1905م) مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت بإيران، وأدت لاحتجاجات شعبية.

الشيعة

الشيعة

وتتابعت الثورات، حتى وافق مظفر الدين شاه عام (1906م) على تكوين مجلس شورى وطني، وكانت هذه الخطوة بداية للتوسع في تكوين الأحزاب، وإصدار الصحف، وإنشاء المجالس المحلية. وتألفت في طهران وحدها أكثر من ثلاثين جمعية تناصر الثورة الدستورية، وفيها جمعيات يهودية، وزرادشتية، وأذرية، وأرمنية، وحرفية، وطلابية. وزاد عدد الصحف بوثبة عالية؛ من ست صحف إلى مئة صحيفة، ومثلت منبراً للمثقفين والحزبيين للتعبير عن آرائهم.3bd3al_mosawi_basra

وأُنشأ أول مجلس وطني للشورى في أكتوبر عام (1906م)، وضم طبقة التجار، والحرفيين، وعلماء الدين، كما شمل أغلب التوجهات والتيارات. وقد كتب هذا المجلس نص الدستور، ثم عُرض على الشاه، الذي أقره وهو مسجى على فراش الموت يحتضر! بينما نشط الشاه الجديد في إحياء الخلافات بين فرقاء المشهد الإيراني، من أجل إضعاف جميع معارضيه، وإشعال النزاع فيما بينهم؛ ليظل هو المفزع والمأرز.

وختم الفصل الأول، بالحديث عن دعم حزب تجدد الإصلاحي، للعسكري رضا خان، الذي أصبح الشاه البهلوي فيما بعد، وكان الحزب أحد أربعة أحزاب فاعلة على الساحة الإيرانية عام (1925م)، وشمل برنامجه إصلاحات مقترحة في عدة مجالات، ومنها ما يخص المرأة، وتعميم اللغة الفارسية، بيد أن البهلوي خيَّب ظنون مناصريه، وسام شعبه ذلاً وعسفاً؛ ونهب ثروات البلاد، وخنق الحريات العامة، حتى أن شاعراً حُكم عليه بالموت بعد خياطة فمه!

الفصل الثاني عنوانه: الأحزاب السياسية بعد سقوط رضا خان وقبل الثورة الإسلامية، وسرد المؤلف خمسة عشر حزباً، منها العلماني، والاشتراكي، والوطني، والقومي، والديني، والتابع للبلاط. ولبعض هذه الأحزاب علاقات وثيقة مع بريطانيا، أو فرنسا، أو روسيا، أو أمريكا؛ لدرجة تنسيق المواقف أحياناً. وتختلف برامجها حسب اهتمامها، وتتميز أحزاب البلاط بتمجيد الشاه، الذي منحها فرصاً خاصة؛ وأجبر موظفي الحكومة على التسجيل في عضويتها.

وتهتم بعض الأحزاب المرتبطة بالشاه بالمسائل الاجتماعية، كنزع الحجاب، ورفع سن الزواج للجنسين، بينما تركز أحزاب أخرى على موضوعات الاقتصاد، والعمل، والإنتاج، والحريات العامة، ولأحد الأحزاب اهتمام خاص بمقاومة البهائية؛ والعجيب أنه حظر بعد الثورة الخمينية “الإسلامية”!

ولكل حزب صحيفة أو أكثر، ويلاحظ كثرة انقسام الأحزاب، وكأن الفرس مثلنا معشر العرب، يحبون القسمة أكثر من الجمع! وللمهندسين بروز في قيادة الأحزاب، حتى أن المهندس مهدي بازركان أحد مؤسسي حزب إيران، تولى رئاسة أول وزارة بعد الثورة، وقرأت قديماً مقالة لكاتب عربي علماني، يتعجب فيها من كثرة المهندسين في الجماعات الإسلامية، وكم في المهندسين من عقول وآمال.Shothooth

وتميز حزب الشعب الإيراني بعدائه لأي مكون غريب عن المجتمع الإيراني، وطالب باستعادة أراضي البحرين، وأفغانستان، والقوقاز، وبناء إيران جديدة، وقوية. وحرصت الأحزاب الشيوعية على إخفاء انتسابها للفكر الشيوعي، وستر ارتباطها بروسيا، حتى لا ينصرف عنها الشعب المتدين؛ بحجة كونها ملحدة شيوعية.

ولبعض الأحزاب جناح عسكري، وحظيت بعضها بعدد كبير من الأعضاء، واستثمرت أحزاب أخرى الاتحادات لتجميع المناصرين. وأول حزب ذي مرجعية دينية تأسس عام (1945م)، وكان مؤسسه طالباً في النجف، واتخذ حزبه من العمل المسلح منهاجاً لاغتيال العلمانيين، وكان مصير هذا الحزب الفناء بعد إعدام قادته. ولبعض الأسماء الإيرانية الحاضرة على الساحة هذه الأيام، انتماء لبعض أحزاب تلك الفترة، مثل انتساب جواد لاريجاني، وعبد اللهيان لجمعية المؤتلفة الإسلامية التي أُسست عام (1963م).

الأحزاب السياسية بعد الثورة هو عنوان الفصل الثالث، وفرَّق المؤلف بين أربعة أنواع من الأحزاب هي: الأحزاب المحافظة، والإصلاحية، والمعارضة، وأحزاب الوسط، وأسهب كثيراً في الحديث عن الأولى، وقد يكون السبب ميلاً فكريا لها، أو لتوافر مادتها أكثر من غيرها، وإن كانت عاطفة المؤلف الدينية ظاهرة جداً بين سطوره، وفي تبجيله للإمام الخميني وغيره.

وقال بأن الحزب الجمهوري الإسلامي تأسس بعد الثورة مباشرة، ومن مؤسسيه بهشتي، وخامنئي، ورفسنجاني، وأردبيلي. وقد وقع انفجار بمقر الحزب في يونيو عام (1981م)، أودى بحياة أربعة وسبعين قيادياً من الحزب، وعلى رأسهم الأمين العام بهشتي، وفي آخر أغسطس من نفس السنة وقع انفجار آخر، قتل على إثره رئيس الجمهورية، ورئيس وزرائه، وخلفهما خامنئي رئيساً للجمهورية، ومير حسين موسوي رئيساً للوزراء.

ومن ضمن المجموعات المحافظة، الأصوليون المبدئيون، وإليهم ينتسب أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق، وأكثر أعضاء برلمان (2004م) ينتمون له، ويدعم هذا الحزب توجه الحكومة الإيرانية للسيطرة، ويناصر ولاية الفقيه، ويؤمن بحقوق الشعب، وبما أسماه المؤلف الديمقراطية الدينية، ويؤيد تطوير العلاقات مع حزب الله، مع ضرورة التمهيد لإقامة حكومة العدل الإلهي، ويلتزم بتنفيذ تعاليم قائد الثورة الإسلامية، ويماثل هذا الحزب، توجهات الجبهة المتحدة للأصوليين؛ التي ينتمي إليها وزيرا خارجية سابقين هما متكي و ولايتي، فليت شعري إلام ينتمي وزراء خارجية العرب؟!

ومن أهم الأحزاب الإصلاحية جبهة المشاركة، وشهد برنامجها انفتاحاً فكرياً، وساهم هذا الانفتاح، مع القدرات التنظيمية المميزة لطاقاته، في جذب رجال الدين والعلمانيين على حد سواء؛ ففاز بغالب مقاعد مجلس الشورى، ونشط كثيراً خلال فترة الرئيس الأسبق خاتمي الذي تزعم أخوه هذا الحزب، وأضحى رمزاً عند شباب إيران.

وحاول الحزب تقليص نفوذ الملالي من خلال مجلس الشورى، ولان موقفه فيما يخص المفاوضات مع أمريكا، وعانى من تشدد المحافظين الذين يرفضون علانية العلاقات مع الشيطان الأكبر، بينما تذوب غلظتهم تجاه الولايات المتحدة في الأحاديث الخاصة، ويبدون مرونة عالية تجاهها؛ فما أسرع توبة شيطانهم الأكبر!

ولقيت توجهات الحزب التي عبرت عنها حكومة خاتمي ترحيباً أمريكياً حذراً، وتبعه كذلك ترحيب غربي، واطمئنان عربي، مع أن الأمريكيين في ارتياحهم الحذر، أشاروا لدور مرتقب لإيران في الشرق الإسلامي، إذا استمرت في نهجها المعتدل كما يرونه. وبعد الاضطرابات التي تلت الانتخابات الرئاسية عام (2009م)، جمّد نشاط الحزب بعد اعتقال زعمائه. وتقع بعض الأحزاب الإصلاحية في خانة المعارضة، خاصة في فترة أحمدي نجاد.

ومن الأحزاب المعارضة حركة تحرير إيران، التي تأسست عام (1961م)، على يد ثلاثة رموز يحملون رؤى مشتركة، أولهم آية الله طالقاني الذي أمَّ المصلين في أول جمعة بعد الثورة، ثم المهندس بازركان الذي ترأس أول مجلس وزراء بعد انتصار الثورة، وأخيراً الدكتور سحابي، والأخيران لا يحملان لقب آية الله أو حجة الإسلام؛ خلافاً لباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وأطال الكاتب النفس في شرح سياسات هذه الحركة وأهدافها، التي ترمي إلى الجمع بين الرؤية الوطنية والإسلامية، وأشار إلى رواجها بين الشباب، ونشاطها في الخارج قبل الثورة. وتعد هذه الحركة جزءاً من تشكيلات الجبهة الوطنية التي أسسها الدكتور محمد مصدق-رئيس وزراء سابق وفترته مثيرة للجدل-، ولاتزال الحركة ناشطة على الساحة الإيرانية دون أن يكون لها حضور رسمي، وتغض الحكومة الطرف عنها؛ مع أنها تعمل بلا ترخيص. ويغلب على الحركة حالياً التوجه الليبرالي، وقد أُعتقل أمينها د. إبراهيم يزدي بعد احتجاجات (2009م). وتدعو الحركة هذه الأيام بصراحة لإطلاق الحريات، وتطبيع العلاقات مع أمريكا والغرب.

وأشهر أحزاب المعارضة منظمة مجاهدي خلق، حيث تأسست عام (1965م)، على يد ثلاثة مهندسين تخرجوا في جامعة طهران، وهم أعضاء سابقون في حركة تحرير إيران، وينتمون إلى الجناح الديني فيها. وبدأت عملياتها المسلحة ضد الشاه عام(1971م)، ولم يتوان البهلوي في سجن أعضائها وإعدام قيادتها، ومع ذلك رحل هو عن المشهد، وبقيت هي، والأمر لله.

ومع أنها إسلامية التوجه، إلا أنها تقبس من النصوص الماركسية، وتفيد من تجارب الشيوعيين العلمية، والاجتماعية، لتعزيز مسيرتها في الكفاح، وقد عللت الناطقة باسم مجاهدي خلق هذا الدمج؛ بأنهم يؤمنون بالفكر الاجتماعي الماركسي، ولا يوافقون على فلسفته الإلحادية، ولأن لكل بداية نهاية، أعلنت المنظمة عام (1975م) تغيير توجهها إلى الماركسية!

وأدى ذلك إلى انشطار المنظمة، وحمل القسم الماركسي منها اسم منظمة بيكار، واحتفظ أصحاب التوجه الديني بالاسم الأصلي، وشملت نشاطات المنظمة أيام الشاه اغتيال العسكريين، والوزراء، والمستشارين الأمريكان، وخطف الطائرات، وزرع القنابل، واستهداف المراكز الغربية، واليهودية.

وتمكنت منظمة مجاهدي خلق قبيل نجاح الثورة، من سحب أسلحة بعض الثكنات العسكرية، واحتلت بنايات في العاصمة، وجعلتها مراكز لتسجيل المتطوعين، وجندت الطلاب بعد تدريبهم عسكرياً. وتوجس بعض قيادات الثورة خيفة من المنظمة، ومن دأبها في جمع السلاح، وحشد المناصرين، حيث أن حركة التاريخ تسير في الأغلب، باتجاه تصادم القوى المتجاورة مع أقرب خلاف.

وحين خسر مرشح المنظمة مسعود رجوي في الانتخابات الرئاسية عام (1981م)، دبَّ الخلاف بين الحكومة والمنظمة، وحملت الأخيرة السلاح ضد الجمهورية الإسلامية، وقُتل المئات من جراء هذا النزاع، واعتقلت الحكومة كثيراً من عناصر المنظمة، مما أجبر الباقين على الفرار إلى العراق، وتكوين المجلس الوطني للمقاومة، وجيش التحرير الوطني.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح وضع المنظمة حرجاً؛ خاصة مع الحكومات الموالية لإيران، فاضطر بعض العناصر إلى الرجوع لإيران، حيث قضوا فترة في السجون ثم خرجوا منها، فيما فضل آخرون اللجوء إلى بعض الدول الأوروبية، ولايزال بعضهم في مواقع من العراق، وتدَّعي طهران بأن أمريكا تستخدمهم كورقة ضغط. ومن الطريف أن مريم رجوي زوجة مسعود رجوي، نُّصبت رئيسة لإيران في منفاها بباريس، وتنتقل في بلدان أوروبا؛ داعية إلى إسقاط الحكومة الإسلامية.

ومن الملحوظات في هذا القسم، أن المؤلف لم يذكر أي أحزاب في الأحواز، الإقليم العربي المحتل، كما لم يذكر أي حزب سني أو ينتمي لأي عرقية من الأعراق الكثيرة في إيران. وتباين حديثه عن الأحزاب ما بين إطناب واقتضاب، وقد يعود ذلك لمستوى قدرته على جمع المعلومات، وإتاحة الحزب للمعلومات، أو لميل فكري، وأورد المراجع في هوامش الفصول باللغة الفارسية، وهو مفيد لمن يجيدها، لكنه قد لا يخدم القارئ العربي كثيراً.

عنوان القسم الثاني: رجال الثورة والدولة والمعارضة، ويحتل أكثر من مئتي صفحة، وسرد المؤلف فيه سيرة (117) شخصية منهم أربع نساء، ورتبهم حسب الحروف الهجائية لاسم العائلة، ووضع صورة لكل شخصية، وتحدث عن مولد الشخصية، وتعليمها، ونشاطها، وانتمائها، ومناصبها، ومواقفها من الحكومات المختلفة، وهل لازالت على قيد الحياة.

ويلاحظ في سيرهم عوامل مشتركة، مثل كون غالبهم من الطبقة المتوسطة، ومن أسر متدينة، ولبعضهم مشاركة في احتلال الطلاب للسفارة الأمريكية، ومارسوا الكتابة أو العمل الصحفي والإعلامي، ويجيدون عدة لغات ومنها العربية والإنجليزية، وتخصصات كثير منهم هندسية؛ أو في علوم الفيزياء والرياضيات، مع شهادة شرعية أحياناً، ولبعض العوائل حضور كثيف مثل لاريجاني، ورفسنجاني، وخاتمي، ونوري، ويزدي.

ولأكثرهم مشاركات في الثورة، حتى أن الرئيس نجاد كان يوزع منشوراتها في التجمعات، وتبرز في سير عدد منهم المشاركة في الحرب ضد العراق، والفاعلية في العمل الطلابي الجامعي، والخبرة المتراكمة في العمل التنظيمي والحزبي ثم الحكومي، والمشاركة في الحرس الجمهوري، وضمن فريق التفاوض النووي.

ولجمع منهم عناية بحقوق الإنسان، حتى أن المهندس مهدي بازركان ساهم بدور كبير في تأسيس اللجنة الإيرانية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي يرأسها الآن الصحفي الإصلاحي عماد الدين باقي. وللمهندسين حضور مهيب ضمن الشخصيات الإيرانية، وحضور كبير أيضاً للرابطة الإسلامية للمهندسين، ولأمنائها.

ومما يلاحظ، أن إيران تفيد من شخصياتها في المناصب الحكومية، أو في مراكز البحث، أو في اللجان والمجالس المؤقتة أو الدائمة، بل حتى المعارضة الإيرانية في الخارج ألقت خلافاتها جانباً، وساندت حكومة بلادها في جهودها لإبرام الاتفاق النووي الأخير؛ وهي حالة من الوفاق عزيزة، وعالية، والله يجمع شملنا، ويعيذنا من بأس بعضنا.

وفي سير بعض الشخصيات علاقة خاصة مع الخميني، سواء في إيران قبل الثورة، أو في منفاه في العراق أو باريس. ونبه المؤلف إلى أن بعضهم رافق الخميني في الطائرة التي نقلته لإيران، وبعضهم عمل مترجماً له، أو كان ناطقاً باسمه، أو مستشاراً له، ومنهم الحارس الشخصي أو قائد سيارته، ومع وجود هذه العلاقات الوثيقة، فقد نشب الخلاف بين الخميني وآخرين، والسعيد منهم استطاع الفرار كأبي الحسن بني صدر.

ويلفت النظر، دراسة بعض الشخصيات في جامعة الإمام الصادق، وهي الجامعة التي تربي النخبة في إيران، أو تخرج جيلاً ثورياً كما عبر المؤلف في موضع آخر، وأسسها آية الله مهدوي كني. ولو طلب أهل السنة أن تدرس نخبهم فصلاً واحداً في جامعة دينية؛ لانتفخت أوداج، وأحمرت أحداق، بينما القوم يتسابقون كي يدرسوا في جامعة دينية سنوات متعاقبة، ومن فاتته الدراسة الأولية، سجل للدراسات العليا الشرعية، أو الاجتماعية، ولو كان تخصصه في علوم الذرة أو النفط! ووجدت في النت تكرار اسم جامعة الإمام الصادق في إيران، وفي العراق المحتل!

وأما الرئيس الحالي حسن روحاني فقد ولد عام (1948م)، ودرس الحقوق والقانون، وبعد الثورة أصبح ممثلاً للخميني في وزارة الدفاع وأركان الجيش، وترأس لجنة الدفاع في البرلمان طيلة سنوات الحرب مع العراق، وكان عضواً في مجلس الدفاع الأعلى، ومساعداً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. وتولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي مدة ستة عشر عاماً، وترأس فريق المفاوضات النووية في عهد خاتمي، وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وأدار مراكز للبحث الاستراتيجي، وعمل مستشاراً للمرشد لشؤون الأمن القومي، وخلفه في هذا المنصب اللواء بحري علي شمخاني، الذي يتحدث العربية بطلاقة.

ويوجد علاقات مصاهرة لبعض الشخصيات مع المرشد، أو رئيس الجمهورية، أو رموز الثورة الكبار، ولبعضهم استثمارات ضخمة كأبناء رفسنجاني، ومنهم من ارتقى لمرتبة حجة الإسلام بيد أنه لم يلبس الزي الديني، وبعضهم مطلوب القبض عليه دولياً، أو متهم بتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير، ومنهم من يغمز بأنه عميل مزدوج للمخابرات والمعارضة.

ولبعض الشخصيات دور كبير في صنع حركة أمل، وحزب الله، وبعض الوزارات تحمل أسماء فريدة مثل وزارة الجهاد، وزارة الرفاه، وبعض الصحف طريفة الاسم مثل صحيفة كار وكاركر التي تعني العمل والعامل، ومن اللطائف أن المرشح الرئاسي مير حسين موسوي مهندس معماري، ورسام حاذق، يقيم المعارض الفنية.

والنساء المذكورات في الكتاب هنَّ: معصومة ابتكار نائبة الرئيس خاتمي لشؤون البيئة، وكانت المتحدثة باسم الطلاب الذين احتلوا السفارة الأمريكية، ومرضية أفخم الناطقة باسم الخارجية الإيرانية عام (2013م)، بعد خبرة دبلوماسية لمدة ثلاثين عاماً، وهما الوحيدتان في الحكومة الحالية. وترأس فايزة رفسنجاني المجالس الرياضية النسوية، ولها حضور نافذ في المؤسسات النسوية غير الحكومية، وهي أصغر بنات الرئيس رفسنجاني، والمرأة الرابعة هي شيرين عبادي، الناشطة في مجال إصلاح قانون الأسرة، وهي أول امرأة ترأس محكمة في عهد الشاه، وحصلت عام(2003م) على جائزة نوبل للسلام، نظير جهودها في مجال حقوق اللاجئين، والمرأة والأطفال.

وكم هو ضروري أن توجد في بلاد الخليج مراكز بحثية، وإدارات في الخارجية والاستخبارات والإعلام، ورسائل جامعية، وقنوات فضائية، تعنى بالشأن الإيراني، فلو كانت إيران جاراً لطيفاً لكان من الحكمة أن نعرف أمرها؛ فكيف وهي جار قوي، ويزداد قوة، وله حضور متعاظم، وبين ظهرانينا من يراها جمهوريته المحببة؟!

وثمَّ أسئلة مهمة من هذا الباب: فكم من مسؤول لدينا يجيد الفارسية؟ وهل عندنا صحفيون أو محللون مختصون بإيران وفارس؟ وهل نعرف من هي الشخصيات المرشحة لخلافة المرشد خامنئي، الرجل المريض الذي يناهز الثمانين؟ وهل لدينا صلات بالمعارضة خاصة من العرب، وأهل السنة؟ أم أن معرفتنا بإيران قاصرة على السجاد التبريزي، والمطبخ الفارسي، والقطط الشيرازية!

= = = = = = = = = = = =
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف – الرِّياض – @ahmalassaf
الأحد 24 من شهر شوال عام 1436 – 09 من أغسطس 2015م
http://saaid.net/Doat/assaf/226.htm

نصر الله والاستخفاف بالعقول

نصر الله والاستخفاف بالعقول

د.عدنان محمد أمامة

في الذكرى الرابعة لاغتيال ثلاثة من قادة حزب الله قال حسن نصر الله:“ما أقدم عليه حتى الآن الرئيس بشار الأسد والقيادة السورية من إصلاحات، وما اتخذ من قرارات، وأجرى من تعديلات، هل أقدم عليه أو يمكن أن يقدم عليه ملك أو أمير أو شيخ أو رئيس في أي نظام عربي حالي؟”.

وأضاف “فلنفترض النظام في سوريا مثل إسرائيل، أنتم تقبلون حلا سياسيا مع إسرائيل، تقبلون الحوار مع اسرائيل، تقبلون تسوية مع اسرائيل، لماذا مع نظام عربي له الكثير من الإيجابيات ولديه سلبيات مرفوض الحل السياسي” …دلوني على المنطق”.

ولنا مع هذا الكلام وقفات:

الوقفة الأولى: أن العاقل لا يمكن أن يترك الطريق السهل الميسر، ويلجأ إلى الطريق الوعر الشاق إلا إذا كان لديه مقاصد خفية ومآرب خاصة، فليفسر لنا الأمين العام لحزب الله إذن: ما دام زميله ورفيق دربه الرئيس السوري بشار الأسد يحمل كل هذه النوايا الطيبة تجاه شعبه، ولديه كل هذه الرغبة في الإصلاح، لماذا لم يقف أمام شعبه فور بدء الاحتجاجات والمظاهرات ويعلن عن تلبية مطالبه المحقة في الحرية والكرامة والتعددية والعدالة؟ ولماذا تأخر كل هذا الوقت في الإعلان عن هذه الإصلاحات حتى سالت كل تلك الدماء سواء من معارضيه أو مؤيديه؟ ولماذا اختار أن يعرض نفسه وحكومته إلى كل تلك العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية العربية والدولية، ويتسبب بكل تلك الانتقادات التي اتهمته بالوحشية والإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟ لماذا لم يقطع الطريق على كل “العصابات المسلحة التي استغلت المظاهرات للاعتداء على مؤسسات الدولة والمواطنين على حد سواء”؟ ولماذا ترك الذرائع مشرعة أمام أولئك “المتآمرين على سوريا ودورها العروبي الممانع” والذين وجدوا في اعتماده على الحل الأمني مع المحتجين ضالتهم المنشودة للتدخل في شؤون سوريا والتآمر عليها كما يزعم النظام، لو كان زاهداً في الكرسي كما يزعم ويدعي هو وأنصاره لقبل على الفور الانصياع لإرادة شعبه ولما أراق وما يزال كل هذه الدماء.

ولنفترض أن ضميره قد استيقظ مؤخراً فلماذا لم يقف أمام العالم بجرأة ويصدر أوامره بوقف المجازر التي يرتكبها جيشه وشبيحته بحق الأطفال والنساء والشيوخ منذ أحد عشر شهراً فوراً ويخرج عشرات ألوف المعتقلين من سجونه، ويعلن اصطلاحه مع شعبه واستجابته لمطالبهم المحقة والعادلة، وإذا كان نصر الله يتساءل: دلوني على المنطق في عدم قبول الحل السلمي مع النظام السوري بينما تقبلونه مع إسرائيل، فنحن نعكس السؤال ونقول: ولماذا لا يقبل حليفك بشار إلا اعتماد القتل وارتكاب المجازر بحق الناس ما دام يريد لهم كل ذلك الخير الموعود، وكيف سيصدق الناس مزاعم الإصلاح الموعود وهم يواجهون الموت صباح مساء على أيدي من يعدهم بالإصلاح؟ دلنا على المنطق.

الوقفة الثانية: نسأل حسن نصر الله ما الجديد في الإصلاحات والدستور الجديد الذي سيجري التصويت عليه يا ترى؟ وما عيب الدستور الذي القديم الذي وضعه والده؟ أولم تسوق ثورة والده حافظ نفسها على أنها حركة تصحيحية، أو لم يصنف حافظ الأسد على أنه أعظم رئيس جاد به الزمان على سوريا منذ فجر التاريخ حتى قال بشأنه أحد المعجبين : “لو كان بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبيا لكان حافظ الاسد” وتمت بيعته إلى الابد، ومع ذلك:هل جرت مجازر حماة وجسر الشاغور وتل الزعتر وسجن صيدنايا وغيرها وغيرها الكثير الكثير إلا في بحبوحة الحركة التصحيحية ومبادئها العظيمة؟ وفي ظل حكم الرئيس القائد وعهده الميمون؟ وهل جرت كل المجازر الحالية والاعتقالات والتهجير واقتحام المنازل وانتهاك الأعراض منذ أحد عشر شهرا إلا بعد أن الغى بشار الأسد قانون الطوارئ؟ ما فائدة أن يكتب قانون دولة فاضلة لا يجد الناس له أي أثر على الأرض؟ أولا تنص مواد الدستور القديم على أن الحرية حق مقدس؟ وأن الدولة تكفل للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم؟ وعلى أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وعلى أن كلاً منهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم، وعلى أنه لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقا للقانون، وعلى أنه لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. وعلى أن المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون” إلى آخر ما هنالك من مبادىء عادلة ونظم مثالية؟ لكن أين ومتى طبق شيئ من هذه المواد وتلك القوانين؟ أو لم ير العالم كله إجبار المعتقلين على السجود لصور بشار والقول بأنه ربهم؟ أو لم تقتحم البيوت وتنتهك حرماتها، أو لم تهن كرامات الناس وتوطأ رقابهم؟ أو لم تقصف المساجد ويمنع الناس من أداء الصلاة؟ أو لم تقصف المستشفيات ويخطف الجرحى …إلخ كل ذلك حدث في ظل القانون الذي يحرم ويجرم تلك الأفعال، إذن العيب ليس في القوانين ولا في الدستور بل بالسلطة التي لم تطبق ولا تريد أن تطبق القانون، وهذا ما يدفع الشعب السوري بأغلبيته الساحقة على الإصرار على المطلب الأهم وهو إسقاط النظام، ولو دفعوا في سبيل ذلك أرواحهم وأموالهم وحياتهم، لأن البلية كلها تكمن في السلطة الحاكمة التي تستطيع في أي وقت أن تدوس على القانون وتفعل ما تشاء دون رقيب أو حسيب، وليست المشكلة في الدستور ولا مواده،ولم يعد أحد من أبناء الشعب يصدق أياً من وعود الإصلاح المزعوم.

الوقفة الثالثة:
إذا كان النظام واثقاً من أن أغلبية الشعب معه تؤيد نهجه وإصلاحاته وتسير في مسيراته المليونية في كل المدن والقرى السورية تعبيرا عن الولاء المطلق للرمز والقائد، فلماذا يخاف بشار من الاحتكام إلى صناديق الاقتراع؟ لماذا لا يدعو إلى انتخابات حرة ونزيه وبإشراف دولي محايد ليثبت للقاصي والداني ولكل المشككين أن الشعب بأغلبيته الساحقة مع النظام ويتمسك برئيسه ولا يقبل عنه بديلاً.

الوقفة الرابعة: نعم يمكن أن نفهم كلام الامين العام لحزب الله في حالة واحدة هي: إذا سلمنا له أنه وحده ومن يقف في صفه ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على الأمة من يحق لهم تولي السلطة والحكم، ومن يمتلك حق حمل السلاح والقوة لأنهم وحدهم المؤتمنون على الأمة وحماتها وحراس هويتها أما الآخرون فهم متآمرون وعملاء وخونة ولا زالوا مراهقين لا يسلمون سلطة ولا سلاحاً، بل يجب أن يبقى محجورا عليهم أبد الآبد ودهر الداهرين، لكن هذا ولسوء حظ الأمين العام والرئيس السوري بشار ما لم يقبل به أحد ممن أيقن بحقه بالتحرر وبقول عمر بن الخطاب”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”

سيرة عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما

سيرة عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما

ما أحبك يا أم المؤمنين وأقربك إلى قلوبنا فوالله إنك أحب إلينا من أنفسنا

 بقلم فضيلة الشيخ علي بن يحيى الحدادي حفظه الله

 بلغ قمة الكمال والسمو من الرجال عدد كثير لكن لم يبلغها من النساء إلا قلة ومنهن عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما .هذه المرأة العجيبة التي فاقت علماً وحلماً وخلقاً وأدباً وفصاحة وشجاعة كثيراً من الرجال فضلاً عن بنات جنسها.لن يوفيها الكلام مهما ارتقى به البيان، ولن توفيها الصفحات مهما بلغت من الأعداد، لكن سنعرض نماذج من حياتها هي كفيلة في الدلالة على ما وراءها من الجلال والعظمة.

 أما أبوها فهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير البشرية بعد النبيين والمرسلين، صاحب رسول الله ورفيقه في الغار لا ثالث لهما إلا الله، الذي واسى رسول الله بنفسه وأهله وماله، الرجل الذي لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من الخلق خليلاً لا تخذه خليلاً. هذا أبوها فما ظنك بفتاة نجيبة عبقرية تنشأ في بيت أبي بكر رضي الله عنه بيت العلم والفصاحة والتقوى والعفة وكل خصلة طيبة حميدة.

 قصة زواجها

جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ثلاث ليال وفي يده خرقة من حرير وفي كل مرة يكشفها النبي صلى الله عليه وسلم فيجد فيها صورة عائشة ويقول له الملك : هذه امرأتك.  فيقول النبي صلى الله عليه وسلم إن يك هذا من عند الله يمضه أي سيكون. و لما توفيت خديجة ولم يكن عنده غيرها عرضت عليه امرأتان ثيب وبكر أما الثيب فسودة بنت زمعة إحدى السابقات إلى الإيمان وأما البكر فعائشة وكانت صبية بنت ست سنين فقط ، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على العرض أما سودة فتزوج بها ودخل بها وأما عائشة فعقد عليها ولم يدخل بها لصغر سنها.

ولما هاجر إلى المدينة وبلغت من العمر تسع سنين دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة بدر غالباً منتصراً، وكانت عائشة تلعب على أرجوحة لها فجاءها النساء فزينها وأصلحنها له ثم أهدينها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فعاش معها النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين حيث توفاه الله إليه ولها من العمر ثمان عشرة سنة فقط.

حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة

أحب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حباً عظيماً ما أحب واحدة من نسائه كما أحبها إلا أن تكون خديجة رضي الله عنها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن عن حبه لها ولا يسره ويظهره ولا يكتمه حتى شاع أمره بين ضراتها وبين أهل المدينة رجالها ونسائها ، فهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه يسال النبي صلى الله عليه وسلم فيقول من أحب الناس إليك؟ فيقول: عائشة قال من الرجال؟ قال: أبوها.

وكان الناس يهدون النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا ولكنهم كانوا يختارون يوم عائشة الذي يكون فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عندها لعلمهم بحب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة فكان ذلك يغيظ بقية نسائه،  ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بتغيير عادتهم تلك.

وكان يقبّل عائشة وهو صائم وحين سئلت أم سلمة عن ذلك قالت : لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا.

ولما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرض الموت وكان يدور على نسائه مع شدة المرض فكان يقول أين أنا غداً أين أنا غداً؟ يستعجل يوم عائشة فأذن له أن يمرض عندها لما علمن من حبه لها رضوان الله عليهن أجمعين.

وكان من أسباب شدة حبه لها ما كانت عليه من الخير والصلاح والكمال وقد أشار إلى شيء من ذلك حين قال لبعض نسائه ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها.

وأقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سلام جبريل عليها، وقد ظهر شيء كثير من فضلها بعد موته صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إلا نشرها للعلم نشراً لا يشاركها فيه غيرها من النساء لكفى به فضلاً.

 لطف النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة

عاشت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم عيشة هنيئة ملؤها العطف والحنان والرحمة ولا عجب فمحمد صلى الله عليه وسلم خير الناس خلقاً مع أعدائه فما ظنك بخلقه مع أوليائه فما ظنك بخلقه مع أهله فما ظنك بخلقه مع أحب أزواجه إليه.

فمن تلطفه صلى الله عليه وسلم معها أنه كان يعطيها العظم تتعرقه ثم يأخذه منها فيديره حتى يضع فاه على موضع فمها.

 وكانت معه في سفر فتأخر عن الجيش وأخذ يسابقها فسبقته، ثم بعد مدة كانت معه فسابقها فسبقها فقال هذه بتلك.

وفي يوم عيد أخذ الحبشة يلعبون بالحراب في المسجد فسترها بردائه، وبقي واقفاً من أجلها حتى سئمت هي.

وكان لها لعب تلعب بها فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فرأى لعبها فيسألها: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي.ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت فرس قال وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان ، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟! قالت: فضحك حتى بدت نواجذه.

 وحبس النبي صلى الله عليه وسلم الجيش مرة من أجلها ولا ماء معهم وذلك أنها أضاعت عقداً لها ولما حضرت الصلاة ولا ماء مع القوم أنزل الله آية التيمم ببركتها فجعل الله بسببها للمسلمين خيراً كثيراً.

 عائشة وحادثة الإفك

امتحنت عائشة محنة عظيمة طال أمدها ولكن جاءت العاقبة حميدة والحمد لله فقد اتهمت هذه العفيفة الطاهرة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضها وشاعت التهمة وصارت الألسن تلوكها.

 وملخص القصة أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وفي مرجعهم وقد قربوا من المدينة ذهبت للخلاء بعيداً عن الجيش فلما أتت رحلها وإذا بها قد فقدت عقداً لها فرجعت مرة أخرى تلتمسه وتأخرت فلم ترجع إلا وقد رحل الجيش ولم يبق أحد.

 فجلست في مكانها حتى غلبها النوم ولم تقم إلا على صوت رجل يقول ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فاستيقظت وخمرت وجهها وعرفها لأنه كان رآها قبل نزول الحجاب فأناخ راحلته فركبت وقاد الراحلة وما كلمها ولا كلمته حتى وصلا المدينة.

 فلما رأى بعض المنافقين هذا المنظر وجدوها فرصة للطعن فيها من أجل أن يطعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وكانت مريضة فلم يخبرها أهلها بالشائعة، ولم يكلمها النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لكنها شعرت بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلاطفها كسابق عهده ، وبعد شهر بلغها الخبر فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تذهب إلى أهلها فأذن لها فسألت أمها فأكدت لها الخبر فبكت تلك الليلة وما نامت ثم أصبحت وظلت يومها باكية ودخل عليها الليل وهي تبكي حتى كاد كبدها أن ينفلق وجاءتها امرأة من الأنصار تبكي معها وأبوها وأمها جالسان عندها.

فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم جلس عندها وما جلس عندها منذ تكلم الناس وقال لها فيما قال ( إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ) فجف دمعها وقالت: “لئن قلت لكم إني بريئة ، والله يعلم أني بريئة ،  لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) ”

 ثم اضطجعت على فراشها، عند ذلك جاء الله بالفرج ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفصل عنه الوحي ضحك صلى الله عليه وسلم وكان أول ما قال : ( يا عائشة أما والله لقد برأك الله ) فقالت أمي : قومي إليه فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله وأنزل الله فيها الآيات من سورة النور ( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ) آيات تتلى ببراءتها إلى قيام الساعة رضي الله عنها وأرضاها وجزاها على ما أوذيت فصبرت خير الجزاء.

 عائشة المرأة الصالحة

لم تبلغ عائشة ما بلغته بعد فضل الله عليها وتوفيقه لها إلا بخصال حميدة قل من تتهيأ له فقد رزقها الله علماً واسعاً فكانت أعلم نساء هذه الأمة دون منازع، حتى كانت مرجعاً لكبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عمن دونهم، والعلم لا ينال براحة الجسد غنما ينال بالنصب والتعب وبذل الجهد، فنشرت علماً جماً لا يزال يروى ويستفاد منه إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.

وكانت من أتقى الناس لله وأخوفهم له كانت تذكر بعض أمورها فتبكي حتى تبل دموعها خمارها خوفاً من الله وخشية منه وما هي تلك الأمور؟ أهي كذنوبنا وسيئاتنا؟ لا والله ولكن تبكي لأشياء لا نعدها اليوم ذنباً فقد نذرت مرة ألا تكلم ابن أختها حتى يفرق بينهم الموت بسبب إساءة نالتها منه ثم قبلت شفاعة بعض الناس فكلمته وأعتقت لعدم وفائها بنذرها أربعين رقبة وبقيت إذا ذكرت ذلك بكت بكاء يرحمها له من عندها.وخرجت تصلح بين المسلمين في الفتنة التي حصلت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فحصلت وقعة الجمل بغير إذنها ولا مشورتها وما أرادت بخروجها إلا الخير ومشورة بعض خيار الصحابة فكانت إذا ذكرت خروجها وما حصل بسببه من الدماء بكت رضي الله عنها بكت بكاء شديداً.

وكانت امرأة محسنة تحب البذل والصدقة ومد يد العون للفقراء والمساكين جاءتها مرة مائة ألف وكانت صائمة ففرقتها من يومها وليس في بيتها شيء يذكر تأكله فأفطرت على خبز وزيت فقالت لها الجارية لو أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تأكلينه ونأكل فقالت لو ذكرتني لفعلت. فهل سمعت بمن يذكر الفقراء والمساكين والمحتاجين وينسى نفسه؟ إنها عائشة.

وكانت تأتيها الأموال العظيمة فتفرقها وإنها لترقع ثوبها رضي الله عنها.

وكانت إذا شبعت من طعام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكرت ما كانوا عليه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد فتبكي رضي الله عنها. وأكثرت من الصوم جداً في سفرها وحضرها حتى أثر ذلك فيها أثراً بينا.وتجلى عظم خوف من ربها يوم حضرتها المنية فقد قالت هذه المرأة الصالحة التي عمرت حياتها بفعل الخيرات ( ليتني كنت نسياً منسيا ) تتمنى أنها لم تكن شيئاً خوفاً من البعث والجزاء والحساب وهكذا الإيمان إذا كمل أورث الخشية من الله تعالى.

النهاية

بعد حياة حافلة بالتقوى والصلاح ونشر العلم وبذله معمورة بالعبادة والقدوة الصالحة مرضت مرض الموت في المدينة النبوية وعمرها ثلاث وستون سنة وأشهر، قبضها الله إليه راضية مرضية وذلك في السابع عشر من شهر رمضان سنة 57هـ ودفنت بمقبرة البقيع في الليل.

وبذلك طويت صفحة من صفحات المجد والمثل العليا التي قل أن تتكرر في تاريخ البشرية، ماتت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وزوجته في الجنة ولكن علمها لم يمت وسيرتها لم تدفن.

لا تزال سيرتها نموذجاً يحتذى ، ولا زال علمها ميراثاً يروى، فأين فتيات الإسلام عن أمهن عائشة؟

يا فتيات الإسلام

  • ·         اقتدين بعائشة في إيمانها الراسخ رسوخ الجبال الراسيات بالله رباً و بالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً.

  • ·         اقتدين بعائشة يا فتيات الإسلام في الحرص على طلب العلم النافع الذي يستقى من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكل علم نافع تحتاجه الأمة من لغة وأدب وطب وغيرها مع الحياء والحشمة والمحافظة التامة على الحجاب والقرار في البيوت والبعد عن مخالطة الرجال كما أمر الله تعالى بذلك كل مسلمة مؤمنة.

  • ·         اقتدين بعائشة في الاجتهاد في الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة فنعم الزاد هي للسفر إلى دار الآخرة.

  • ·         اقتدين بها في حسن التبعل للزوج والقيام بحقوقه وشؤونه على أكمل الوجوه وأحسنها.

  • ·         اقتدين بها في التواضع والبعد عن غرور الدنيا وبهرجها وزخرفها الزائل الفاني.

  • ·         اقتدين بها في الصبر عند المحن والابتلاء فكم هي الفتن التي تمر بها المسلمة اليوم فما لم تعتصم بربها وتستمسك بدينها جرفتها تلك الفتن وهوت بها في مكان سحيق.

 أختي الكريمة

إن أم المؤمنين عائشة وبقية أخواتها من أمهات المؤمنين و غيرهن من الصالحات كمريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم زوج فرعون وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهن لا سيما من نساء الصحابة هن القدوة الحقيقية للمرأة المسلمة التي تتمثل فيهن الصفات التي أراد الله أن تتحلى بها المرأة لتنال رضاه، وتفوز بجنته فالحذر الحذر أن يزهدك الشيطان في الإقتداء بهن ويزين لك الإقتداء بغيرهن ممن لا يقمن للدين ولا للحياء والعفة وزنا ولا يرفعن بها رأساً فتهلكين وفي الحديث (المرء مع من أحب).

اللهم ارض عن أمنا عائشة بنت أبي بكر واجزها خير ما جزيت به عبادك الصالحين اللهم إنا نشهدك على حبنا لها في جلالك وعلى بغض من يبغضها، والبراءة ممن يطعن فيها، اللهم وفق نساء المسلمين للإقتداء بها في فعل الصالحات، وترك المنكرات والحرص على ما ينفع، اللهم جنبهن سبل الفساد وأسباب الشر، اللهم احفظهن بحفظك واكلأهن برعايتك، و تجاوز عن سيئاتهن برحمتك أنت أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين

علي بن يحيى الحدادي

ayh111@maktoob.com

نشرت تحت عنوان هدية إلى كل فتاة للشيخ علي الحدادي حفظه الله