هذا ديدنكم يا أعداء الله

هذا ديدنكم يا أعداء الله

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة – @OmaimaAlJalahma
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام

في الآونة الأخيرة أصبح الركع السجد في بيوت الله هم المستهدفين، وأصبح رجال أمننا حماتنا بعد الله هم المستهدفين، هؤلاء الخوارج يتطلعون إلى قتل شبابنا وسبي بناتنا ونهب مقدراتنا، وإشباع غرائزهم التي بالكاد تشبع.

يا من جعلتم قتلة الخلفاء وقتلة الصحابة والصالحين والمصلين مثلا لكم؛ فقد قتل قدوتُكم الخليفةَ عمر بن الخطاب وهو في المسجد يصلي، وقتل إمامُكم الخليفةَ على أبي طالب في المسجد قبيل صلاة الفجر رضي الله عنهما، يا من أصبحتم ألعوبة في أياد ملوثة بالجريمة. يا من حللتم الحرام وأهدرتم الدماء المعصومة. يا من توجهتم بالسمع والطاعة لمن لا سمع له ولا طاعة، ثقوا أنكم إن شاء الله إلى الجحيم سائرون. فهذا ديدنكم يا أعداء الله.

لن أفرغ غضبي في هذه العجالة فلسنا هنا في مجال تفريغ. علينا أن نجد الحلول، ومن أهمها كما أظن والله أعلم، وضع كل أسر وأصدقاء وأقارب هؤلاء الخوارج تحت الدراسة. ولا أعني هنا -معاذ الله- أن نعاملهم كمتهمين، فقد كان بعضهم أول الضحايا، كذاك الذي قتل خاله، خاله الذي تكفل بتربيته وضمه ووالدته بعد انفصالها عن والده، وذاك الذي صوب النار على والده فأرداه قتيلا.

على الجهات المعنية في وزارة الداخلية وغيرها أن توضح لأسرهم ولكل أسرة في وطننا أن كل فرد منا مستهدف إذا تم تحوير مسار ابن له، إذ لن يعود بعدها يرى ولا يسمع ولا يعقل إلا وفق ما يبرمج عليه، وسيتم التعامل معه من قبل تلك الجماعة الإرهابية عن بعد، وبواسطة “الريموت كنترول” وسيصورونه بطل الأبطال، وأنه من جند الله المخلصين، سيقال له إن بينه وبين الجنة ضغطة زر. ضغطة تنهي معاناته وعدم تقدير أسرته ومجتمعه لإمكاناته الفذة. تفجير نفسه هو الحل القصير للنعيم المقيم. ولا أستبعد مطلقا أن يزود بأدوية تجعله كمن يمشي أثناء نومه؛ لتتوقف مشاعره عن العمل، فلا يمكن له رؤية الحق حقا ولا الباطل باطلا، ليكون وجهه جامدا فارغا من أي تعبير، إذ سيكون كمن نوّم تنويما مغناطيسيا.

المساجد بيوت الله تستلزم منا حمايتها -من هؤلاء الذين لا يرون أية غضاضة في تفجيرها- خاصة عندما تكون ممتلئة بالمصلين. ليكن على كل مدخل رئيس للمسجد جهاز يكشف المتفجرات بحيث يغلق عند الإشارة إلى وجود مواد متفجرة، أما باب الطوارئ فيفتح بشكل أوتوماتيكي عند الطوارئ؛ ليكون مؤمنا من دخول أمثاله.

ومن ناحية أخرى، علينا وضع بعض الإعلانات التوعوية لتوضح خطورة هذه الجماعة، ولو كان وضعها على الطرقات متعذرا فليتنا نضعها داخل المؤسسات التعليمية، وبشكل توعوي لا استفزاز فيه، ومن خلال الإعلانات التي تظهر على قنوات التواصل الاجتماعي كـ”تويتر، واليوتيوب”، على أن يكون ظهورها لجميع المتصفحين دون استثناء.

ومن ناحية البرامج التلفزيونية والإذاعية التوعوية التي أعتقد أنها لن تكون فاعلة ببيان حرمة قتل النفس المؤمنة والمستأمنة فحسب، بل لا بد من بيان الأعراض المتوقع ظهورها على أبنائنا في بداية انخراطهم في الفكر الخارجي، وكيفية تعامل الجهات الرسمية لوزارة الداخلية مع أية معلومات تصل من أولياء الأمور أو الأصدقاء والأقارب عن التغيرات المريبة التي تطرأ على أبنائهم، وتدل على ميولهم أو انضمامهم للجماعات الإرهابية.. وعلى هذه البرامج بيان أن الهدف من تلقي تلك المعلومات سيكون حماية أبنائهم لا إنزال العقوبة عليهم ما داموا لم يشاركوا في تنفيذ أي عمل إرهابي، على تلك البرامج بيان أن شبابنا المنضمين للفكر الخارجي لن يكون علاجهم من هذا الفكر الإرهابي بمعزل عن الجهات الرسمية، فهم كمدمن المخدرات الذي تعجز أسرته في الغالب عن علاجه من الإدمان.

ومن الطبيعي أن تكون هذه البرامج مكلفة وبالتالي لا بد من دعم وزارة الداخلية لها، ومن المناسب جدا مساهمة الشركات الكبرى في دعم تلك البرامج من باب مسؤوليتها الاجتماعية، ولا أعتقد أن هناك بأسا من الاستعانة بمتخصصين نفسيين واجتماعيين غير مواطنين، فالحكمة ضالة المؤمن.

أما وزارة التعليم فمن المعلوم أنها في المراحل النظامية (ابتدائي ومتوسط وثانوي) تعتمد وجود مشرفي توجيه وإرشاد في مدارسها، هؤلاء لا يكفي تكليفهم بمهمة التوجيه التربوي بشكل عشوائي أو حتى بناء على تخصصهم النفسي، إذ لا بد من دورات مكثفة ودورية قبيل العام الدراسي، يخصص فيها العديد من ورش العمل لكيفية الوقوف على الأعراض الأولية لضلال أبنائنا وبناتنا. ويقوم عليها متخصصون من الناحية الشرعية والنفسية وبطبيعة الحال أمناء.

كما أتطلع إلى جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بقسميها “بنين وبنات” أن تفتح كلية بعدة أقسام تُعنى بشكل مباشر بدراسة نفسية هذه الفئة الضالة قبيل انخراطها في الفكر الإرهابي وبعده، وكيفية مقاومتها وقلعها من جذورها، والأدوار الواجب أداؤها من الأفراد والمجتمع لمكافحة الفكر الضال.

أستطيع أن أقول إن من خطط ودعم هذه الجماعة في عملياتها الإرهابية يستحق منا أشد العقوبة؛ فحياته في مقابل حياة الأبرياء.

في الآونة الأخيرة أصبح الركع السجد في بيوت الله هم المستهدفين، وأصبح رجال أمننا حماتنا بعد الله هم المستهدفين، هؤلاء الخوارج يتطلعون إلى قتل شبابنا وسبي بناتنا ونهب مقدراتنا وإشباع غرائزهم التي بالكاد تشبع وبشكل همجي حيواني. واعذروني ها هنا فأنا أترفع عن وصفها.

ولو ثبت لنا أن لـ”تاعس” أو غيرهم يد في “تفجير مسجد قوة طوارئ عسير” وجب علينا تشديد الحرب عليهم، فأن نموت بشرف أفضل من أن نعيش ونتركهم هم وغيرهم يعيثون في الأرض فسادا.

http://saaid.net/daeyat/omima/632.htm

إيران: أحزابها وشخصياتها!

إيران: أحزابها وشخصياتها!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf
7767
من فوائد قصة صلح الحديبية، أن النبي صلى الله عليه وسلم، استشرف نتيجة المفاوضات مع قريش بناء على شخصية المفاوض؛ التي كانت تتغير من رجل لآخر، مع أنهم جميعاً يمثلون قريشاً، ويعبرون عن رؤيتها وأهدافها. ومع ذلك فلتباين الشخصيات أثر مهم، وإن معرفة رموز الطرف الآخر، وخلفياتهم، وقيمهم، وتطلعاتهم، مفيد جداً في كيفية التعامل الحذر والمثمر معهم، ولذا كان من حكمة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، دقة معرفته بشخصيات فريق التفاوض، والقيم العليا لديهم.

ومن المهم لنا في الشرق الإسلامي، وفي المحيط العربي على وجه الخصوص، أن نتعرف إلى القوى المحيطة بنا، ونفهم ثقافاتها، وطرائق تفكيرها، ومصالحها العليا، فضلاً عن معرفة سير الشخصيات المؤثرة؛ إن في الحكومة أو في المعارضة، زيادة على التبصر في شؤون مجتمعاتها؛ بما يجعل في أيدينا قوة ناعمة مؤثرة، خاصة إن سبقونا في القوة الخشنة، والثقيلة، بل وحتى في النووية! ومن الأهمية بمكان ألا تقف حدود معرفتنا على الكتب المترجمة؛ فقد يقصِّر المترجم، أو يخفي الكتاب المؤَّلف لنا الحقيقة الكاملة.عراق الطائفية

وبين يدي كتاب يعرِّف بأحزاب إيران وشخصياتها، عنوانه: إيران: الأحزاب والشخصيات السياسية (1890-2013م)، تأليف شاكر كسرائي، صدرت طبعته الأولى عن دار رياض الريس للكتب والنشر عام (2014م)، ويقع في (351) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من قسمين؛ الأول خاص بالأحزاب، والثاني عن الشخصيات، ولكل قسم مقدمة، ويحتوي القسم الأول على ثلاثة فصول، وفي آخر الكتاب نبذة قصيرة عن المؤلف، وفهرسان للأعلام والأماكن. وعلى غلاف الكتاب صور الشاه، والخميني، وخامنئي، ورفسنجاني، وخاتمي، ونجاد، وروحاني.

والمؤلف إيراني، ولد عام (1950م)، وله نشاط إعلامي في الكتابة والترجمة، وحصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الإسلامية في لبنان-وهي جامعة شيعية-، ويعدُّ حالياً أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه. وله عدد من المؤلفات باللغة العربية؛ أحدها عن اليهود في إيران، كما أن له مؤلفات بلغته الفارسية؛ أحدها عن الحركات الإسلامية والتنظيمات السلفية.

ذكر المؤلف في المقدمة أن العمل الحزبي في إيران ارتبط بالأحوال السياسية، وبالتالي فلم يترسخ العمل الحزبي فيها كما هو الحال في أوروبا مثلاً، وأدى هذا إلى غياب الحرية المرتبطة غالباً بالعمل الحزبي الأصيل. وينقل الباحث عن آخرين، إرجاع هذه النتيجة إلى طبيعة المجتمع الإيراني القبلية، وثقافته الفردية، ومحدودية الطبقة المتوسطة، وقمع النخب من قبل السلطات، وبالتالي فلا يوجد في إيران أحزاب سياسة عريقة أو معمرة.

وتُرمى بعض الأحزاب بالعمالة للخارج؛ لأنها ترتبط بدول خارج الحدود، وتتلقى منها دعماً مادياً ومعنوياً، ولبعضها مشاركة في تنفيذ اغتيالات، وقتل مسؤولين وشخصيات نافذة. واتخذت الأحزاب أسماء مختلفة كالحزب، والجمعية، والرابطة، والهيئة، واللجنة، والحركة، والمنظمة، وغيرها. وبعد قيام الثورة ونجاحها ضعفت الأحزاب؛ نتيجة للاضطراب الذي يترافق عادة مع الثورات وبعدها، ثم بسبب الحرب مع العراق، وتعامل الملالي القمعي مع الأحزاب، وخوف التيار الديني من أثر الأحزاب المنفتحة على منظومة القيم والأخلاق.Shiaa - 0003

يبدأ القسم الأول بفصل عنوانه: كيف نشأت الأحزاب السياسية في إيران؟ ففي بداية القرن التاسع عشر، كان المجتمع الإيراني يضم أربع طبقات؛ أولها الأشراف المكونة من الأمراء وأكابر موظفي البلاط، ثم طبقة التجار، ويليها طبقة الأجراء من عمال المصانع والورش، وأخيراً طبقة المزارعين وأبناء القبائل.

وبعد التواصل مع أوروبا عن طريق البعثات الدراسية، والسفارات، والحروب، انبثقت طبقة جديدة هي طبقة المثقفين، وتتكون من خليط من الطبقات الأربعة السابقة، والقاسم المشترك بين أفرادها هو الدعوة إلى التغيير في السياسة والاقتصاد والاجتماع، والمطالبة بملكية دستورية وطنية علمانية، بحيث تقضي الدستورية على الملكية الرجعية، وتقصي العلمانية المحافظين، وتمنع الوطنية النفوذ الإمبريالي. وتميزت طبقة المثقفين بالقدرة الفائقة على تغيير أساليبها تبعاً للأحوال؛ فربما تحالفت مع الشاه، ثم ناصبته العداء بالاشتراك مع علماء الدين!

وأسهب المؤلف قليلاً في الحديث عن أثر جمال الدين الأفغاني على الفكر، وعلى العلماء والمثقفين، ونقل ندمه قبيل وفاته، على جهوده التي صرفها لإقناع البلاطات الملكية بالإصلاح؛ حيث اكتشف أنها مصابة بالصمم أو ثقل السمع، وكان الأجدى حسب رأيه التوجه مباشرة نحو الشعوب، فهي التربة الخصبة لتقبل الفكر الإصلاحي.Shiaa - 0002

وأسس إيراني أرمني اسمه ميرزا ملكم خان-وهو مؤسس الحركة الماسونية في إيران حسب الويكيبيديا-أول صحيفة باسم (قانون)-أو الدستور حسب الويكيبيديا-عام(1890م) تحت شعار الوحدة والعدالة والتقدم، ونشر في أول كل عدد دعاء باللغة العربية، ثم حاربتها الحكومة، وعاقبت من وجدتها في حوزته.

وقد جعلت هذه الحادثة -مع أخوات لها-المثقفين يوقنون بأن همَّ السلاطين وهمتهم، منصرفة تجاه المحافظة على ملكهم، وليس على خدمة المجتمع الإيراني! وأن البلاط ورجالاته نهبوا ثروات البلد؛ لصرفها على ملذاتهم، وسفراتهم إلى الخارج، دون رعاية لمصالح البلد وأهله.

وعلى إثر أزمة منح امتياز التنباك لمستثمر إنجليزي عام(1891م)، وبدعم من روسيا، وعلماء الدين، وتجار شيراز، وجمال الدين الأفغاني، خرجت مظاهرات غاضبة في إيران، ورافقها أول إضراب عام؛ يمثل مقدمة للتغييرات السياسية، وبداية الثورة الدستورية، فاضطرت الحكومة للتنفيس قليلاً، والسماح بصدور بعض الصحف.

وتكونت خمس مجموعات شبه سرية، وكان لها يد طولى في الثورة الدستورية، وهي منظمات دينية، واشتراكية، ووطنية، وعمالية، وثورية، حيث تعاونت فيما بينها لإسقاط طغيان الحكم المطلق، وشجعت المواطنين على الثورة، وهو ما حدث عام (1905م) مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت بإيران، وأدت لاحتجاجات شعبية.

الشيعة

الشيعة

وتتابعت الثورات، حتى وافق مظفر الدين شاه عام (1906م) على تكوين مجلس شورى وطني، وكانت هذه الخطوة بداية للتوسع في تكوين الأحزاب، وإصدار الصحف، وإنشاء المجالس المحلية. وتألفت في طهران وحدها أكثر من ثلاثين جمعية تناصر الثورة الدستورية، وفيها جمعيات يهودية، وزرادشتية، وأذرية، وأرمنية، وحرفية، وطلابية. وزاد عدد الصحف بوثبة عالية؛ من ست صحف إلى مئة صحيفة، ومثلت منبراً للمثقفين والحزبيين للتعبير عن آرائهم.3bd3al_mosawi_basra

وأُنشأ أول مجلس وطني للشورى في أكتوبر عام (1906م)، وضم طبقة التجار، والحرفيين، وعلماء الدين، كما شمل أغلب التوجهات والتيارات. وقد كتب هذا المجلس نص الدستور، ثم عُرض على الشاه، الذي أقره وهو مسجى على فراش الموت يحتضر! بينما نشط الشاه الجديد في إحياء الخلافات بين فرقاء المشهد الإيراني، من أجل إضعاف جميع معارضيه، وإشعال النزاع فيما بينهم؛ ليظل هو المفزع والمأرز.

وختم الفصل الأول، بالحديث عن دعم حزب تجدد الإصلاحي، للعسكري رضا خان، الذي أصبح الشاه البهلوي فيما بعد، وكان الحزب أحد أربعة أحزاب فاعلة على الساحة الإيرانية عام (1925م)، وشمل برنامجه إصلاحات مقترحة في عدة مجالات، ومنها ما يخص المرأة، وتعميم اللغة الفارسية، بيد أن البهلوي خيَّب ظنون مناصريه، وسام شعبه ذلاً وعسفاً؛ ونهب ثروات البلاد، وخنق الحريات العامة، حتى أن شاعراً حُكم عليه بالموت بعد خياطة فمه!

الفصل الثاني عنوانه: الأحزاب السياسية بعد سقوط رضا خان وقبل الثورة الإسلامية، وسرد المؤلف خمسة عشر حزباً، منها العلماني، والاشتراكي، والوطني، والقومي، والديني، والتابع للبلاط. ولبعض هذه الأحزاب علاقات وثيقة مع بريطانيا، أو فرنسا، أو روسيا، أو أمريكا؛ لدرجة تنسيق المواقف أحياناً. وتختلف برامجها حسب اهتمامها، وتتميز أحزاب البلاط بتمجيد الشاه، الذي منحها فرصاً خاصة؛ وأجبر موظفي الحكومة على التسجيل في عضويتها.

وتهتم بعض الأحزاب المرتبطة بالشاه بالمسائل الاجتماعية، كنزع الحجاب، ورفع سن الزواج للجنسين، بينما تركز أحزاب أخرى على موضوعات الاقتصاد، والعمل، والإنتاج، والحريات العامة، ولأحد الأحزاب اهتمام خاص بمقاومة البهائية؛ والعجيب أنه حظر بعد الثورة الخمينية “الإسلامية”!

ولكل حزب صحيفة أو أكثر، ويلاحظ كثرة انقسام الأحزاب، وكأن الفرس مثلنا معشر العرب، يحبون القسمة أكثر من الجمع! وللمهندسين بروز في قيادة الأحزاب، حتى أن المهندس مهدي بازركان أحد مؤسسي حزب إيران، تولى رئاسة أول وزارة بعد الثورة، وقرأت قديماً مقالة لكاتب عربي علماني، يتعجب فيها من كثرة المهندسين في الجماعات الإسلامية، وكم في المهندسين من عقول وآمال.Shothooth

وتميز حزب الشعب الإيراني بعدائه لأي مكون غريب عن المجتمع الإيراني، وطالب باستعادة أراضي البحرين، وأفغانستان، والقوقاز، وبناء إيران جديدة، وقوية. وحرصت الأحزاب الشيوعية على إخفاء انتسابها للفكر الشيوعي، وستر ارتباطها بروسيا، حتى لا ينصرف عنها الشعب المتدين؛ بحجة كونها ملحدة شيوعية.

ولبعض الأحزاب جناح عسكري، وحظيت بعضها بعدد كبير من الأعضاء، واستثمرت أحزاب أخرى الاتحادات لتجميع المناصرين. وأول حزب ذي مرجعية دينية تأسس عام (1945م)، وكان مؤسسه طالباً في النجف، واتخذ حزبه من العمل المسلح منهاجاً لاغتيال العلمانيين، وكان مصير هذا الحزب الفناء بعد إعدام قادته. ولبعض الأسماء الإيرانية الحاضرة على الساحة هذه الأيام، انتماء لبعض أحزاب تلك الفترة، مثل انتساب جواد لاريجاني، وعبد اللهيان لجمعية المؤتلفة الإسلامية التي أُسست عام (1963م).

الأحزاب السياسية بعد الثورة هو عنوان الفصل الثالث، وفرَّق المؤلف بين أربعة أنواع من الأحزاب هي: الأحزاب المحافظة، والإصلاحية، والمعارضة، وأحزاب الوسط، وأسهب كثيراً في الحديث عن الأولى، وقد يكون السبب ميلاً فكريا لها، أو لتوافر مادتها أكثر من غيرها، وإن كانت عاطفة المؤلف الدينية ظاهرة جداً بين سطوره، وفي تبجيله للإمام الخميني وغيره.

وقال بأن الحزب الجمهوري الإسلامي تأسس بعد الثورة مباشرة، ومن مؤسسيه بهشتي، وخامنئي، ورفسنجاني، وأردبيلي. وقد وقع انفجار بمقر الحزب في يونيو عام (1981م)، أودى بحياة أربعة وسبعين قيادياً من الحزب، وعلى رأسهم الأمين العام بهشتي، وفي آخر أغسطس من نفس السنة وقع انفجار آخر، قتل على إثره رئيس الجمهورية، ورئيس وزرائه، وخلفهما خامنئي رئيساً للجمهورية، ومير حسين موسوي رئيساً للوزراء.

ومن ضمن المجموعات المحافظة، الأصوليون المبدئيون، وإليهم ينتسب أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق، وأكثر أعضاء برلمان (2004م) ينتمون له، ويدعم هذا الحزب توجه الحكومة الإيرانية للسيطرة، ويناصر ولاية الفقيه، ويؤمن بحقوق الشعب، وبما أسماه المؤلف الديمقراطية الدينية، ويؤيد تطوير العلاقات مع حزب الله، مع ضرورة التمهيد لإقامة حكومة العدل الإلهي، ويلتزم بتنفيذ تعاليم قائد الثورة الإسلامية، ويماثل هذا الحزب، توجهات الجبهة المتحدة للأصوليين؛ التي ينتمي إليها وزيرا خارجية سابقين هما متكي و ولايتي، فليت شعري إلام ينتمي وزراء خارجية العرب؟!

ومن أهم الأحزاب الإصلاحية جبهة المشاركة، وشهد برنامجها انفتاحاً فكرياً، وساهم هذا الانفتاح، مع القدرات التنظيمية المميزة لطاقاته، في جذب رجال الدين والعلمانيين على حد سواء؛ ففاز بغالب مقاعد مجلس الشورى، ونشط كثيراً خلال فترة الرئيس الأسبق خاتمي الذي تزعم أخوه هذا الحزب، وأضحى رمزاً عند شباب إيران.

وحاول الحزب تقليص نفوذ الملالي من خلال مجلس الشورى، ولان موقفه فيما يخص المفاوضات مع أمريكا، وعانى من تشدد المحافظين الذين يرفضون علانية العلاقات مع الشيطان الأكبر، بينما تذوب غلظتهم تجاه الولايات المتحدة في الأحاديث الخاصة، ويبدون مرونة عالية تجاهها؛ فما أسرع توبة شيطانهم الأكبر!

ولقيت توجهات الحزب التي عبرت عنها حكومة خاتمي ترحيباً أمريكياً حذراً، وتبعه كذلك ترحيب غربي، واطمئنان عربي، مع أن الأمريكيين في ارتياحهم الحذر، أشاروا لدور مرتقب لإيران في الشرق الإسلامي، إذا استمرت في نهجها المعتدل كما يرونه. وبعد الاضطرابات التي تلت الانتخابات الرئاسية عام (2009م)، جمّد نشاط الحزب بعد اعتقال زعمائه. وتقع بعض الأحزاب الإصلاحية في خانة المعارضة، خاصة في فترة أحمدي نجاد.

ومن الأحزاب المعارضة حركة تحرير إيران، التي تأسست عام (1961م)، على يد ثلاثة رموز يحملون رؤى مشتركة، أولهم آية الله طالقاني الذي أمَّ المصلين في أول جمعة بعد الثورة، ثم المهندس بازركان الذي ترأس أول مجلس وزراء بعد انتصار الثورة، وأخيراً الدكتور سحابي، والأخيران لا يحملان لقب آية الله أو حجة الإسلام؛ خلافاً لباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وأطال الكاتب النفس في شرح سياسات هذه الحركة وأهدافها، التي ترمي إلى الجمع بين الرؤية الوطنية والإسلامية، وأشار إلى رواجها بين الشباب، ونشاطها في الخارج قبل الثورة. وتعد هذه الحركة جزءاً من تشكيلات الجبهة الوطنية التي أسسها الدكتور محمد مصدق-رئيس وزراء سابق وفترته مثيرة للجدل-، ولاتزال الحركة ناشطة على الساحة الإيرانية دون أن يكون لها حضور رسمي، وتغض الحكومة الطرف عنها؛ مع أنها تعمل بلا ترخيص. ويغلب على الحركة حالياً التوجه الليبرالي، وقد أُعتقل أمينها د. إبراهيم يزدي بعد احتجاجات (2009م). وتدعو الحركة هذه الأيام بصراحة لإطلاق الحريات، وتطبيع العلاقات مع أمريكا والغرب.

وأشهر أحزاب المعارضة منظمة مجاهدي خلق، حيث تأسست عام (1965م)، على يد ثلاثة مهندسين تخرجوا في جامعة طهران، وهم أعضاء سابقون في حركة تحرير إيران، وينتمون إلى الجناح الديني فيها. وبدأت عملياتها المسلحة ضد الشاه عام(1971م)، ولم يتوان البهلوي في سجن أعضائها وإعدام قيادتها، ومع ذلك رحل هو عن المشهد، وبقيت هي، والأمر لله.

ومع أنها إسلامية التوجه، إلا أنها تقبس من النصوص الماركسية، وتفيد من تجارب الشيوعيين العلمية، والاجتماعية، لتعزيز مسيرتها في الكفاح، وقد عللت الناطقة باسم مجاهدي خلق هذا الدمج؛ بأنهم يؤمنون بالفكر الاجتماعي الماركسي، ولا يوافقون على فلسفته الإلحادية، ولأن لكل بداية نهاية، أعلنت المنظمة عام (1975م) تغيير توجهها إلى الماركسية!

وأدى ذلك إلى انشطار المنظمة، وحمل القسم الماركسي منها اسم منظمة بيكار، واحتفظ أصحاب التوجه الديني بالاسم الأصلي، وشملت نشاطات المنظمة أيام الشاه اغتيال العسكريين، والوزراء، والمستشارين الأمريكان، وخطف الطائرات، وزرع القنابل، واستهداف المراكز الغربية، واليهودية.

وتمكنت منظمة مجاهدي خلق قبيل نجاح الثورة، من سحب أسلحة بعض الثكنات العسكرية، واحتلت بنايات في العاصمة، وجعلتها مراكز لتسجيل المتطوعين، وجندت الطلاب بعد تدريبهم عسكرياً. وتوجس بعض قيادات الثورة خيفة من المنظمة، ومن دأبها في جمع السلاح، وحشد المناصرين، حيث أن حركة التاريخ تسير في الأغلب، باتجاه تصادم القوى المتجاورة مع أقرب خلاف.

وحين خسر مرشح المنظمة مسعود رجوي في الانتخابات الرئاسية عام (1981م)، دبَّ الخلاف بين الحكومة والمنظمة، وحملت الأخيرة السلاح ضد الجمهورية الإسلامية، وقُتل المئات من جراء هذا النزاع، واعتقلت الحكومة كثيراً من عناصر المنظمة، مما أجبر الباقين على الفرار إلى العراق، وتكوين المجلس الوطني للمقاومة، وجيش التحرير الوطني.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح وضع المنظمة حرجاً؛ خاصة مع الحكومات الموالية لإيران، فاضطر بعض العناصر إلى الرجوع لإيران، حيث قضوا فترة في السجون ثم خرجوا منها، فيما فضل آخرون اللجوء إلى بعض الدول الأوروبية، ولايزال بعضهم في مواقع من العراق، وتدَّعي طهران بأن أمريكا تستخدمهم كورقة ضغط. ومن الطريف أن مريم رجوي زوجة مسعود رجوي، نُّصبت رئيسة لإيران في منفاها بباريس، وتنتقل في بلدان أوروبا؛ داعية إلى إسقاط الحكومة الإسلامية.

ومن الملحوظات في هذا القسم، أن المؤلف لم يذكر أي أحزاب في الأحواز، الإقليم العربي المحتل، كما لم يذكر أي حزب سني أو ينتمي لأي عرقية من الأعراق الكثيرة في إيران. وتباين حديثه عن الأحزاب ما بين إطناب واقتضاب، وقد يعود ذلك لمستوى قدرته على جمع المعلومات، وإتاحة الحزب للمعلومات، أو لميل فكري، وأورد المراجع في هوامش الفصول باللغة الفارسية، وهو مفيد لمن يجيدها، لكنه قد لا يخدم القارئ العربي كثيراً.

عنوان القسم الثاني: رجال الثورة والدولة والمعارضة، ويحتل أكثر من مئتي صفحة، وسرد المؤلف فيه سيرة (117) شخصية منهم أربع نساء، ورتبهم حسب الحروف الهجائية لاسم العائلة، ووضع صورة لكل شخصية، وتحدث عن مولد الشخصية، وتعليمها، ونشاطها، وانتمائها، ومناصبها، ومواقفها من الحكومات المختلفة، وهل لازالت على قيد الحياة.

ويلاحظ في سيرهم عوامل مشتركة، مثل كون غالبهم من الطبقة المتوسطة، ومن أسر متدينة، ولبعضهم مشاركة في احتلال الطلاب للسفارة الأمريكية، ومارسوا الكتابة أو العمل الصحفي والإعلامي، ويجيدون عدة لغات ومنها العربية والإنجليزية، وتخصصات كثير منهم هندسية؛ أو في علوم الفيزياء والرياضيات، مع شهادة شرعية أحياناً، ولبعض العوائل حضور كثيف مثل لاريجاني، ورفسنجاني، وخاتمي، ونوري، ويزدي.

ولأكثرهم مشاركات في الثورة، حتى أن الرئيس نجاد كان يوزع منشوراتها في التجمعات، وتبرز في سير عدد منهم المشاركة في الحرب ضد العراق، والفاعلية في العمل الطلابي الجامعي، والخبرة المتراكمة في العمل التنظيمي والحزبي ثم الحكومي، والمشاركة في الحرس الجمهوري، وضمن فريق التفاوض النووي.

ولجمع منهم عناية بحقوق الإنسان، حتى أن المهندس مهدي بازركان ساهم بدور كبير في تأسيس اللجنة الإيرانية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي يرأسها الآن الصحفي الإصلاحي عماد الدين باقي. وللمهندسين حضور مهيب ضمن الشخصيات الإيرانية، وحضور كبير أيضاً للرابطة الإسلامية للمهندسين، ولأمنائها.

ومما يلاحظ، أن إيران تفيد من شخصياتها في المناصب الحكومية، أو في مراكز البحث، أو في اللجان والمجالس المؤقتة أو الدائمة، بل حتى المعارضة الإيرانية في الخارج ألقت خلافاتها جانباً، وساندت حكومة بلادها في جهودها لإبرام الاتفاق النووي الأخير؛ وهي حالة من الوفاق عزيزة، وعالية، والله يجمع شملنا، ويعيذنا من بأس بعضنا.

وفي سير بعض الشخصيات علاقة خاصة مع الخميني، سواء في إيران قبل الثورة، أو في منفاه في العراق أو باريس. ونبه المؤلف إلى أن بعضهم رافق الخميني في الطائرة التي نقلته لإيران، وبعضهم عمل مترجماً له، أو كان ناطقاً باسمه، أو مستشاراً له، ومنهم الحارس الشخصي أو قائد سيارته، ومع وجود هذه العلاقات الوثيقة، فقد نشب الخلاف بين الخميني وآخرين، والسعيد منهم استطاع الفرار كأبي الحسن بني صدر.

ويلفت النظر، دراسة بعض الشخصيات في جامعة الإمام الصادق، وهي الجامعة التي تربي النخبة في إيران، أو تخرج جيلاً ثورياً كما عبر المؤلف في موضع آخر، وأسسها آية الله مهدوي كني. ولو طلب أهل السنة أن تدرس نخبهم فصلاً واحداً في جامعة دينية؛ لانتفخت أوداج، وأحمرت أحداق، بينما القوم يتسابقون كي يدرسوا في جامعة دينية سنوات متعاقبة، ومن فاتته الدراسة الأولية، سجل للدراسات العليا الشرعية، أو الاجتماعية، ولو كان تخصصه في علوم الذرة أو النفط! ووجدت في النت تكرار اسم جامعة الإمام الصادق في إيران، وفي العراق المحتل!

وأما الرئيس الحالي حسن روحاني فقد ولد عام (1948م)، ودرس الحقوق والقانون، وبعد الثورة أصبح ممثلاً للخميني في وزارة الدفاع وأركان الجيش، وترأس لجنة الدفاع في البرلمان طيلة سنوات الحرب مع العراق، وكان عضواً في مجلس الدفاع الأعلى، ومساعداً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. وتولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي مدة ستة عشر عاماً، وترأس فريق المفاوضات النووية في عهد خاتمي، وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وأدار مراكز للبحث الاستراتيجي، وعمل مستشاراً للمرشد لشؤون الأمن القومي، وخلفه في هذا المنصب اللواء بحري علي شمخاني، الذي يتحدث العربية بطلاقة.

ويوجد علاقات مصاهرة لبعض الشخصيات مع المرشد، أو رئيس الجمهورية، أو رموز الثورة الكبار، ولبعضهم استثمارات ضخمة كأبناء رفسنجاني، ومنهم من ارتقى لمرتبة حجة الإسلام بيد أنه لم يلبس الزي الديني، وبعضهم مطلوب القبض عليه دولياً، أو متهم بتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير، ومنهم من يغمز بأنه عميل مزدوج للمخابرات والمعارضة.

ولبعض الشخصيات دور كبير في صنع حركة أمل، وحزب الله، وبعض الوزارات تحمل أسماء فريدة مثل وزارة الجهاد، وزارة الرفاه، وبعض الصحف طريفة الاسم مثل صحيفة كار وكاركر التي تعني العمل والعامل، ومن اللطائف أن المرشح الرئاسي مير حسين موسوي مهندس معماري، ورسام حاذق، يقيم المعارض الفنية.

والنساء المذكورات في الكتاب هنَّ: معصومة ابتكار نائبة الرئيس خاتمي لشؤون البيئة، وكانت المتحدثة باسم الطلاب الذين احتلوا السفارة الأمريكية، ومرضية أفخم الناطقة باسم الخارجية الإيرانية عام (2013م)، بعد خبرة دبلوماسية لمدة ثلاثين عاماً، وهما الوحيدتان في الحكومة الحالية. وترأس فايزة رفسنجاني المجالس الرياضية النسوية، ولها حضور نافذ في المؤسسات النسوية غير الحكومية، وهي أصغر بنات الرئيس رفسنجاني، والمرأة الرابعة هي شيرين عبادي، الناشطة في مجال إصلاح قانون الأسرة، وهي أول امرأة ترأس محكمة في عهد الشاه، وحصلت عام(2003م) على جائزة نوبل للسلام، نظير جهودها في مجال حقوق اللاجئين، والمرأة والأطفال.

وكم هو ضروري أن توجد في بلاد الخليج مراكز بحثية، وإدارات في الخارجية والاستخبارات والإعلام، ورسائل جامعية، وقنوات فضائية، تعنى بالشأن الإيراني، فلو كانت إيران جاراً لطيفاً لكان من الحكمة أن نعرف أمرها؛ فكيف وهي جار قوي، ويزداد قوة، وله حضور متعاظم، وبين ظهرانينا من يراها جمهوريته المحببة؟!

وثمَّ أسئلة مهمة من هذا الباب: فكم من مسؤول لدينا يجيد الفارسية؟ وهل عندنا صحفيون أو محللون مختصون بإيران وفارس؟ وهل نعرف من هي الشخصيات المرشحة لخلافة المرشد خامنئي، الرجل المريض الذي يناهز الثمانين؟ وهل لدينا صلات بالمعارضة خاصة من العرب، وأهل السنة؟ أم أن معرفتنا بإيران قاصرة على السجاد التبريزي، والمطبخ الفارسي، والقطط الشيرازية!

= = = = = = = = = = = =
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف – الرِّياض – @ahmalassaf
الأحد 24 من شهر شوال عام 1436 – 09 من أغسطس 2015م
http://saaid.net/Doat/assaf/226.htm

ربِّ اغفر لي ولوَالدَيّ

 ربِّ اغفر لي ولوَالدَيّ
محمد بن سعيد آل قاسم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]. وقال تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء 23].

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: أنّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَجَعَلَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ، كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فَقَالَ تعالى {وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً} [الإسراء 23]، وَقَالَ تعالى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ:” الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا” قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:” ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ” قَالَ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:” الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ. وَعَلَى هَذَا إِذَا أَمَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَدَهُمَا بِأَمْرٍ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا فِيهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَعْصِيَةً، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فِي أَصْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ.ا.هـ(1).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»(2).

قال الإمام عليٌّ رضي الله تعالى عنه:
عَليك بِبرِّ الوالدَينِ كِلَيهما ***وبرِّ ذَوي القُربى وبرِّ الأباعدِ

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
أطِعِ الإلهَ كَما أمَرْ *** وامْلأ فُؤادَك بِالحذَرْ
وأطِعْ أباك فإنَّه *** رَبَّاكَ مِن عَهدِ الصِّغَرْ

كهذا الموضوع – البر بالوالدين – لا يحتاج إلى مقدمه لعظمه ومكانته ، ولكن نذكر هنا بعض المواقف من بر الصحابة والسلف .. وبعض من عُرفو بالبر ..
وليت المقام يسمح هنا لأذكر لكم من وجوه البر العظيمة لوالدَي بوالديهما .. و التي كم نتمنى أن نكون لهما بارين كما كانا لوالديهم .

• من عرف ببر الوالدين :
1. عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: عَن عَبد اللهِ بن دِينَارٍ، عن عبد اللهِ بن عُمَر، أَنَّ رَجُلًا من الأَعرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ عبدُ اللهِ، وَحَمَلَهُ على حِمَارٍ كان يَركَبُهُ. وَأَعطَاهُ عِمَامَةً، كَانَت على رَأْسِهِ فَقَالَ ابنُ دِينَارٍ: فَقُلنَا لَهُ: أَصلَحَكَ اللهُ إِنَّهُمُ الأَعرَابُ وَإِنَّهُم يَرضَونَ بِاليَسِيرِ، فَقَالَ عَبدُ اللهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهلَ وُدِّ أَبِيهِ».([3]).

2. الصحابي الجليل حارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد الخزرجي النجاري، أبا عبد الله رضي الله عنه: قال الإمام الذهبي رحمه الله شهد بدراً والمشاهد، ولا نعلم له رواية، وكان ديناً، خيراً، براً بأمه. عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ كَذَاكُمْ الْبِرُّ كَذَاكُمْ الْبِرُّ.[4].
قال الذهبي: وكان براً بأمه رضي الله عنه[5].

3. أسامة بن زيد أبو مُحَمَّد الحبُ ابن الحب رضي الله عنه: أمه أم أيمن واسمها بركة، حاضنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حباً شديداً وقبض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسامة ابن عشرين سنة.
قال مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : بَلَغَتِ النَّخْلَةُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَعَمَدَ أُسَامَةُ إِلَى نَخْلَةٍ فَنَقَرَهَا وَأَخْرَجَ جُمَّارَهَا فَأَطْعَمَهَا أُمَّهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا وَأَنْتَ تَرَى النَّخْلَةَ قَدْ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي سَأَلَتْنِيهِ وَلا تَسْأَلُنِي شَيْئًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلا أَعْطَيْتُهَا[6].

4. أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، المعروف بزين العابدين: قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه. وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها[7].

5. أويس القرني أبو عمرو بن عامر بن جزء بن مالك المرادي: القدوة، الزاهد، سيد التابعين في زمانه. قال أبو نعيم: “إِنَّمَا مَنَعَ أُوَيْساً أَنْ يَقْدُمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرُّهُ بِأُمِّهِ”[8].
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ»[9].

6. كهمس بن الحسن التميمي الحنفي البصري: العابد، أبو الحسن، من كبار الثقات. قال الإمام الذهبي رحمه الله كان براً بأمه، فلما ماتت حج، وأقام بمكة حتى مات، وكان يعمل في الجص، وكان يؤذن.
وقيل: إنه أراد قتل عقرب، فدخلت في جحر، فأدخل أصابعه خلفها، فضربته.
فقيل له، قال: خفت أن تخرج، فتجيء إلى أمي تلدغها.
توفي: كهمس في سنة تسع وأربعين ومائة[10].

7. بندار محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان: الإمام، الحافظ، راوية الإسلام، أبو بكر العبدي، البصري بندار، لقب بذلك، لأنه كان بندار الحديث في عصره ببلده. والبندار: الحافظ.
ولد: سنة سبع وستين ومائة.
كان بُنْدار عارفاً مُتْقِناً بصيراً بحديث البصْرة، لم يرحل براً بأمه، واقتنع بحديث بلده.
قال البخاري، وجماعة: مات في رجب، سنة ثنتين وخمسين ومائتين[11].

8. مؤرّق بن مشمرج العجليّ ويكنى أبا المعتمر: قال ابن قتيبة رحمه الله كان من العبّاد، وكان يَفْلِي رأس أمه، توفى «مؤرق» في ولاية «عمر بن هبيرة» على «العراق»[12].

9. طلق بن حبيب العنزي البَصْرِيّ: قال الإمام الذهبي رحمه الله زاهد كبير، من العلماءالعاملين. قال طاووس: ما رأيت أحدا أحسن صوتا منه، وكان ممن يخشى الله تعالى. ال المزي رحمه الله قَال ابن وهب، عن مالك: بلغني أن طلق بن حبيب كان من العباد، وكان براً بأمه، وأنه دخل عليها يوماً، فإذا هي تبكي من امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت له: يا بني أنا أظلم منها، وأنا بدأتها وظلمتها، فقال لها: صدقت، ولكن لا تطيب نفسي أن أحتبس امرأة بكيت منها[13].

10. عبد الله بن عون بن أرطبان المزني: قال الذهبي : الإمام، القدوة، عالم البصرة، أبو عون المزني مولاهم، البصري، الحافظ.
وكان من أئمة العلم والعمل.
قال ابن المبارك: ما رأيت مصليا مثل ابن عون.
وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد من ابن عون.
وعن ابن عون: أن أمه نادته، فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين[14].

11. عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمْداني المرهبي: لما مات عمر بن ذر قيل لأبيه كيف كان معك؟ فقال: ما مشيت معه بليل قط إلا كان أمامي، ولا بنهار قط إلا كان خلفي، وما علا سطحاً قط وأنا تحته[15].

12. عبد الكَرِيم الملقب جاني بك بن ميلب الْمَكِّيّ الصَّانِع بجدة: قال السخاوي رحمه الله وَكَانَ باراً بِوَالِديهِ وإخوته[16].

13. عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا، وَلاَ مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ»[17].

14. أَبَرُّ مِنَ العَمَلَّس: ذكر الميداني في مجمع الأمثال هذا المثل فقال : وهو رجل كان بَرَّا بأمه، وكان يحملها على عاتقه[18].

15. أَبَرُّ مِنَ فَلْحَسٍ: قيل هو رجل من بني شيبان، زعموا أنه حمل أباه – وكان خَرِفاً كبيرَ السن – على عاتقه إلى بيت الله الحرام حتى أحَجَّه[19].

16. قَالَ أبوبكر الجصاص رحمه الله قال أَصْحَابُنَا فِي الْمُسْلِمِ يَمُوتُ أَبَوَاهُ وَهُمَا كَافِرَانِ إنَّهُ يُغَسِّلُهُمَا وَيَتْبَعُهُمَا وَيَدْفِنُهُمَا لِأَنَّ ذَلِكَ من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها[20].

منقول من / موقع طريق الإسلام
عبدالعال سعد الرشيدي

و لقد علم سلف الأمة فضل الوالدين، فعاملوهم بالبر والإحسان، وبالغوا في إكرامهم وطاعتهم، اعترافاً منهم بالجميل، وحذراً من غضب الربِّ الجليل، ومما يروى عنهم في ذلك رحمهم الله:
ضعي قدمك على خدي | كان محمد بن المنكر يضع خذّه على الأرض ثم يقول لأمه: “قومي ضعي قدمك على خدّي”
ليس من البر | قال عروة بن الزبير: “ما برّ والده من شد الطرف إليه”
برّ عمر بن ذر بأبيه | لما مات عمر بن ذر قالوا لأبيه ذر: “كيف كانت عشرته معك؟
قال: ما مشى معي قطّ في ليلٍ إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار قط إلا كان ورائي، ولا ارتقى سطحاً قطُّ كنت تحته”
يخشى أن يأكل مع أمه | روى عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه كان يخشى أن يأكل مع أمه على مائدة، فقيل له في ذلك فقال: “أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتُها”
يُطعم أمه بيده | عن محمد بن سيرين: بلغت النخلة في عهد عثمان بن عفان ألف درهم، فعمد أسامة إلى نخلة فعقرها فأخرج جمارها-فأطعمه أمه، فقالوا له: “ما يحملك على هذا، وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟
قال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتها”
أبرّ هذه الأمة | قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرّ من كانا في هذه الأمة بأمهما: عثمان بن عفان، وحارثة بن النعمان رضي الله عنهما، فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل أمي منذ أسلمت.
وأما حارثة، فإنه كان يفلي رأس أمه، ويطعمها بيده، ولم يستفهمها كلاماً قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج، ما أرادت أمي؟!”
أيهما أفضل؟ | قال محمد بن المنكر: “بات أخي يصلي، وبتُّ أغمز قدم أمي، وما أحبُّ أن ليلتي بليلته!!”
بر كهمس | كان كهمس يعمل في الجصّ كل يوم بدانقَيْن، فإذا أمسى اشترى به فاكهة، فأتى بها إلى أمه.
إمام يطعم الدجاج | كان حيوة بن شريح- وهو أحد أئمة المسلمين- يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: “قم يا حيوة، فألق الشعير للدجاج، فيقوم ويترك المجلس ويفعل ما أمرته أمه!!”
إمام لا يرفع طرفه إلى أمه | عن بكر بن عباس قال: “ربما كنت مع منصور في مجلسه جالساً، فتصيح به أمه- وكانت فظة غليظة- فتقول: يا منصور! يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى؟ وهو واضع لحيته على صدره، ما يرفع طرفه إليها”
اعتق رقبتين | عن عون بن عبدالله أنه نادته أمه فأجابها، فعلا صوته، فأعتق رقبتين!!
تلدغني ولا تلدغها | أراد كهمس قتل عقرب، فدخلت في جحرٍ، فأدخل يده خلفها فضربته، فقيل له: “كيف تُدخل يدك في الجحر؟ قال: خفتُ أن تخرج فتجيء إلى أمي فتلدغها”
يظل واقفاً حتى تستيقظ أمه | استسقت أم مسعر ماءً منه بعض الليل، فذهب فجاء بقربة ماء، فوجدها قد غلبها النوم، فثبت في مكانه والشربة في يده حتى أصبح.
لطيفة | قال بعض العلماء: “من وقّر أباه طال عمره، ومن وقّر أمه رأى ما يسرّه، ومن أحدَّ النظر إلى والديه عقهما”
أدب أبي هريرة مع أمه | عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه
فقـال: السلام عليك يا أمـاه ورحمة الله وبركاته
فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته
فيقول: رحمكِ الله كما ربيتني صغيرا
فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرة َ
وإذا أراد أن يدخل صنع مثـل ذلك.
وكان يلي حمل أمه إلى المرفق- بيت الخلاء- وينزلها عنه، وكانت مكفوفة.

ومضات
– عن فرقد السبخي قال : قرأت في بعض الكتب أنه لا ينبغي للولد أن يتكلم إذا شهد والديه إلا بإذنهما ، ولا يمشي بين أيديهما ، ولا عن يمينهما ، ولا عن شمالهما ، إلا أن يدعواه فيجيبهما ، ولكن يمشي خلفهما ، كما يمشي العبد خلف مولاه .
– قال الفقيه : فإن سأل سائل : إن الوالدين إذا ماتا ساخطين على الولد ، هل يمكنه أن يرضيهما بعد وفاتهما ؟ قيل لہ : نعم ، يرضيهما بثلاثة أشياء :
أولها : أن يكون الولد صالحاً في نفسه
والثاني : أن يصل قرابتهما وأصدقاءهما
والثالث : أن يستغفر لهما ، ويدعو لهما ، ويتصدق عنهما
– يقول أحد الصالحين : لم أرى شخصاً ناجحاً في حياته إلا وكان له من بر الوالدين نصيب
– من فقه بر الوالدين : دفع الضر مقدم على جلب المنفعة، قال تعالى : | فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَاوَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا |
– قال حكيم : كلما زادت الصدقة زاد الرزق ، وكلما زاد الخشوع في الصلاة زادت السعادة ، و كلما زاد بر الوالدين زاد التوفيق في الحياة .
– قال الحسن البصري -رحمه الله- : لرجل: تعشَّ العشاء مع أمك تقرُّ به عينُها أحبُّ إليّ من حجة تطوُّعاً.
– قال لقمان لابنه:
يا بني : إن الوالدين بابٌ من أبواب الجنة إن رضيا عنك مضيت إلى الجنة، وإن سخطا حُجبت..
– قال عمر بن عبدالعزيز لأبن مهران : لاتصاحب عاقاً، فإنه لن يقبلك وقد عق والديه. ( لأن حقهما أوجب حقاً منه عليه )

فاللهمَّ ارزقنا البرَّ بوالدينا أحياءً وأمواتًا، وبارك لنا فيهم واحفظهم من كل سوء، وعافِهم من كل بلاء، وألبِسْنا وإياهم ثوبَ العافية في الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .

________________________________________
[1] تفسير القرطبي (10/155).
[2] رواه مسلم (2551).
[3] رواه مسلم (2552).
[4] رواه الإمام أحمد (39/82 رقم 23677) وقال الألباني (صحيح) السلسلة الصحيحة. (2/ 616 رقم 913).
[5] السير (2/ 378 رقم 81).
[6] المنتظم (5/ 307رقم394).
[7] وفيات الأعيان. لـ ابن خلكان (3/ 235 رقم 422).
[8] حلية الأولياء (2/87) السير (4/19).
[9] رواه مسلم (2542).
[10] السير (6/ 316رقم 134).
[11] السير (12/ 144رقم 52) تاريخ الإسلام. للذهبي (19/179 رقم 406).
[12] المعارف. لـ ابن قتيبة (266).
[13] السير (4/601 رقم 239) تهذيب الكمال. للمزي (13/453 رقم 2988).
[14] السير (6/366 رقم 156).
[15] التعازي والمراثي والمواعظ والوصايا. لـ ابن المبرد (97).
[16] الضوء اللامع (4/321 رقم 878).
[17] رواه البخاري (2272).
[18] مجمع الأمثال. لـ للميداني (1/114 رقم 573).
[19] مجمع الأمثال. لـ للميداني (1/114 رقم 572).
[20] أحكام القرآن. لـ الجصاص (3/156 باب بر الوالدين).