نماذج في اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ

نماذج في اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ

ناصر بن سعيد السيف – @Nabukhallad

الصحابة 1

كل مسلم عاقل يعلم أن الصحابة الكرام-رضي الله عنهم أجمعين-هم أفضل الخلق بعد الرسل والأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، وأن قلوبهم أنقى وأتقى قلوباً بعد قلب النبي ﷺ وقلوب الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -، وهم أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، وأتقاهم لله -تعالى-، وأكثرهم خشية لله -تعالى-وأفضل منا عند الله -عز وجل-.

جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي بريدة عن أبيه –رضي الله عنه-قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء، قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: (ما زلتم ههنا؟) قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلى معك العشاء قال: (أحسنتم أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). ([1])

قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: (معنى الحديث أن النجوم مادامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت، وقول النبي ﷺ: (وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون) أي: من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحاً وقد وقع كل ذلك، وقول النبي ﷺ: (وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم عليهم وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك وهذه كلها من معجزاته ﷺ).([2])

واقتداء الصحابة الكرام بالنبي ﷺ سطرتها كتب علماء الإسلام بصحة الأسانيد والمتون وتناقلها الناس عبر القرون، ومن هذه النماذج الكريمة:

1. لما رأى الصحابة في يد رسول الله ﷺ خاتَمًا مِن ذهب، لبسوا خواتيم من ذهب، فلما خلَعه خلعوا خَواتيمَهم، فعن ابن عمر –رضي الله عنه-أن رسول الله ﷺ اصطَنع خاتَمًا مِن ذهب، وكان يَلبسه فيجعَل فصَّه في كفِّه، فصنَع الناس خواتيم، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: (إني كنتُ ألبس هذا الخاتم وأجعل فصَّه من داخل) فرمى به ثم قال: (والله لا ألبسه أبدًا) فنبَذ الناس خواتيمهم. ([3])

2. حينما خلَع النبي ﷺ نعلَيه في الصلاة خلع الصحابة نِعالهم؛ تأسيًا ومُتابعة له، فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-قال: بينما رسول الله ﷺ يُصلِّي بأصحابه إذ خلَع نعليه فوضَعهما على يَساره، فلما رأى ذلك القوم ألقَوا نِعالهم، فلما قضَى النبي ﷺ صلاته، قال: (ما حملكم على إلقاء نِعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيتَ نعلَيك فألقَينا نِعالنا، فقال ﷺ: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا)، أو قال: (أذى)، وقال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظرْ فإن رأى في نعلَيه قذرًا أو أذًى فليَمسحه وليُصلِّ فيهما).([4])

3. زجر الصحابة لمن لا يستجيب لقول الله ورسوله ﷺ، فعن عبدالله بن عمر –رضي الله عنهما-أن رسول الله ﷺ قال: (لا تَمنعوا إماء الله أن يُصلِّين في المسجد) فقال ابنٌ له: (إنا لنَمنعهن)، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: (أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتقول: إنا لنَمنعهنَّ؟!(. ([5])

4. عن أبي مسعود البدري –رضي الله عنه-قال: (كنتُ أَضرِب غلامًا لي بالسوط، فسمعتُ صوتًا مِن خلفي: (اعلم أبا مسعود)، فلم أفهم الصوت مِن الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول: (اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود) قال: فألقيتُ السَّوط من يدي، فقـال: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)، قال: فقلت: (لا أَضرِب مملوكًا بعده أبدًا). ([6])

5. عن أنس –رضي الله عنه-أن خياطًا دعا رسولَ الله ﷺ لطعام صنَعه، قال أنس: (فذهبتُ مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرَّب إلى رسول الله ﷺ خبزًا ومرقًا فيه دُبَّاء وقديد، فرأيت النبي ﷺ يتتبَّع الدباء مِن حوالي القَصعة، قال: (فلم أزل أُحبُّ الدبَّاء مِن يومئذ). ([7])

6. عن أنس –رضي الله عنه-أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أُحد فقال: (مَن يأخذ مني هذا؟) فبَسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: (فمَن يَأخُذه بحقِّه؟) فأحجَم القوم، فقال سِماك بن خرَشة أبو دُجانة: (أنا آخُذه بحقِّه)، قال: (فأخَذه ففلَق به هام المشركين). ([8])

7. عن أبي هريرة –رضي الله عنه-أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فبعَث إلى نسائه، فقُلنَ: ما معَنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: (مَن يضمُّ أو يُضيف هذا؟)، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلَق به إلى امرأته فقال: أَكرِمي ضَيفَ رسول الله ﷺ فقالتْ: ما عِندنا إلا قوت صِبياني، فقال: هيِّئي طعامك، وأَصبِحي سِراجَك، ونوِّمي صِبيانَكِ إذا أَرادوا عشاءً، فهيَّأت طعامَها، وأصبَحتْ سِراجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت كأنَّها تُصلِح سِراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويَين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: (ضَحِكَ الله أو عَجب مِن فعالكما)، فأنزل الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]. ([9])

8. عن أنس –رضي الله عنه-قال: (كنتُ أسقي أبا عُبيدة وأبا طَلحة وأُبيَّ بن كعب مِن فَضيخ زهر وتمْر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قـد حُرِّمتْ)، فقال أبو طلحة: (قـم يا أنس فأَهرِقها، فأهرَقتُها). ([10])

9. عن رافع بن خَديج –رضي الله عنه-قال: (نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعيةُ الله ورسوله أنفعُ لنا، نهانا أن نُحَاقِلَ بالأرض فنُكريها على الثُّلُث والرُّبع والطَّعام المسمى». ([11])

10. عن أنس بن مالك –رضي الله عنه-قال: لما فتَح رسول الله ﷺ خيبر، أَصبْنا حُمُرًا خارجًا مِن القرية فطبَخْنا منها، فنادَى مُنادي رسول الله ﷺ: (ألا إن الله ورسوله يَنهيانِكم عنها؛ فإنها رجْس مِن عمل الشيطان)، فأُكفِئت القُدور بما فيها، وإنها لتَفور بما فيها. ([12])

11. عن أبي هريرة –رضي الله عنه-أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأُعطينَّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يَفتح الله على يديه)، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: (ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ)، قال: فتساوَرتُ لها؛ رجاء أن أُدعَى لها، قال: فدعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب، فأعطاه إياها وقال: (امشِ ولا تَلتفِت حتى يَفتح الله عليك)، فسار عليٌّ شيئًا ثم وقَف ولم يَلتفِت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: (قاتِلهم حتى يَشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منَعوا منكَ دِماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحِسابُهم على الله). ([13])

12. عن جابر بن عبدالله –رضي الله عنه-قال: لما استَوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، قال: (اجلِسوا)، فسَمِع ذلك ابن مسعود فجلَس على باب المسجد، فرآه رسول الله ﷺ فقال: (تعالَ يا عبدالله بن مسعود). ([14])

وفي الختام يأتي التأكيد على إن الصحابة –رضي الله تعالى عنهم أجمعين – نجوم وزينة سماء هذه الأمة، والشرف كل الشرف في إتباعهم، وبذل كل غالٍ من أجل الذب عنهم وحفظ مكانتهم ونشر محبتهم، وقد وردت الأحاديث الكثيرة التي بلغت عنان السماء في فضلهم لأنهم في الحقيقة حلقة الوصل بين الأمة وبين نبيها – صلى الله عليه وسلم – فإذا قطعت هذه الحلقة بأي طريقة يعني قطع صلة الأمة بنبيها – صلى الله عليه وسلم – ، وبالتالي فلا يجوز أن يناقش في عدالة الصحابة بعد عدالة الله تعالى ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم – لهم، ومن فضله تعالى أن منَّ على الصحابة بالصحبة ، فلا يجوز لغيرهم أن يقيس نفسه بهم وأن يجعل من نفسه حكماً عليهم، نسأل الله العلي القدير أن يجمعنا برسولنا – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام ووالدينا ومن أحببناهم في الله وأحبونا فيه في الفردوس الأعلى.

أسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا جميعاً من المقبولين،
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى عفو ربه القدير – ناصر بن سعيد السيف – 27 صفر 1438 هـ


http://saaid.net/Doat/naseralsaif/66.htm

Advertisements

صور من حياة أمهات المؤمنين


 رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/116684/#ixzz4j0RiyL2v

أسماء بنت أبي بكر..

أسماء بنت أبي بكر..
ملكة تاجها السمو بالحق
ملوك بلا تيجان (6)

Asmaa Bnt AbiBakr-1

يا أيها الكتَّاب والمؤلِّفون، ما الشجاعة؟
ويا أيها العارفون والواصفون، كيف وجدتُم الشجعان؟
اجمَعوا خيرَ وصفٍ لها، وكذا أفضل مَن بها وُصِف، ثم اسمَعوا إلى هذا الموقف وأجمِعوا أمرَكم، أين تضعون صاحبتَه في تلك الدرجات؟
نعم صاحبته، وليس صاحبه، إنها امرأةٌ، لكنها ليست ككل النساء، إنها من نساءِ العقيدة الإسلامية، ونساءُ العقيدة الإسلامية شيءٌ آخر، إنهنَّ يتفوَّقن في مواقفهنَّ في الحق على كثيرٍ من الرجال، حتى يكنَّ أَولى نوعهن بقول المادح:
ولو كان النساءُ كمَن فقدْنا
لفُضِّلتِ النساءُ على الرجالِ
وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌ
ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ

ونساء العقيدة الأوائل من الصحابيات رضي الله عنهن خيرُ مَن يمثل الوصف المتقدِّم، فمَن أولى بذلك منهن، وقد رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمِعْنَه، وبايَعْنَه، وهنَّ القدوات والأُسوات لمن جاء بعدهن؟!

ومِن هؤلاء القدواتِ ذاتُ النطاقين أسماءُ بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنها وعن آل بيتها المؤمنين الأطهار، فقد ضربت أمثلةً للشجاعة في الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ستبقى أبدَ الدهر نموذجًا يُحتَذى[1].

ومِن ذلك موقفُها من الحجَّاج، ذلك الظَّلوم الغَشُوم، عدوِّ ابنها وعدوِّ المؤمنين، فقد روى الإمام مسلم[2] أنه لَمَّا بلغ الحجَّاجَ بن يوسف أن عبدَالله بن عمر رضي الله عنهما وقف عند جثمان عبدِالله بن الزبير رضي الله عنهما، وأثنى عليه – أرسل الحجاج إلى الجثمان فأُنزِل عن جذعه، وكان قد صلبه على الجذع، فأُلقِي في قبور اليهود، ثم أرسل الحجَّاجُ إلى أمِّه أسماءَ بنتِ أبي بكر رضي الله عنهما لتأتيَه، فأَبَتْ أن تأتيَه، فأعاد عليها الرسول يبلغها: لتأتيني أو لأبعثنَّ إليك من يسحبُك بقرونك، فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ من يسحبني بقروني، فقال: أروني سِبتيَّتَيَّ، فأخذ نعلَيْه وانطلق يسرع، ثم انطلق حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتِني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتُك أفسدتَ عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتَك، بلغني أنك تقول له: يا بنَ ذاتِ النطاقين، أنا والله ذات النطاقين؛ أما أحدهما، فكنتُ أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أمَا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابًا ومُبِيرًا؛ فأمَّا الكذاب، فرأيناه، وأما المبير، فلا إخالُك إلا إياه، قال: فقام عنها ولم يراجِعْها.

سبحان الله! أَوَ يَفْعَلُ المنصبُ والكرسيُّ بالمرء كلَّ هذا؟ يجعله يحارب أخاه، ويُضيِّق عليه حتى لا يجد الطعام، ثم يحصره في حرمِ الله، ويستحلُّ لأجل الظفر به كلَّ محرمة، حتى رمى الكعبة بالمدافع إلى أن تهدَّمت؛ وإذ ظفِر به لم يكتفِ بقتله حتى صلبه، وبعد صلبه يأتي أمَّه – المكلومةَ الثَّكلى – فيُعيِّرها غافلًا عن أولى آداب المروءة، وبدهيات صفات الرجولة!

أَوَ يفعَلُ المنصب كلَّ هذا بالإنسان، فيجرده من إنسانيته، وربما من دينه؟

اللهم رحماك!
أين غابَتِ العقول؛ إذ خَفَت الإيمانُ وضعُف وذبُل؟
وأين ذهبتِ الشهامةُ والنخوة؛ إذ ولَّت أخوَّة الإيمان، ورحمُ الإسلام؟
بلى والله، إن المنصب لا يدع عقلًا ولا عاقلًا!

Asmaa Bnt AbiBakr-2

روى الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه عن إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني، عن أبيه عن جده قال: كان عبدالملك بن مروان يجلس في حلقة أمِّ الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلَغني أنك شربت الطلا – الخمر – بعد العبادة والنُّسك، فقال: إي والله، والدِّما أيضًا قد شربتُها[3].

وقد كان حال الحجاج – أمير عبدالملك على الحجاز – كحال سيِّده، شرب من دماء خيارِ المسلمين حتى شبع، وما خبرُ قتلِه عبدَالله بن عمر[4] وعبدالله بن الزبير – وهما من الصحابة – وسعيد بن جُبير، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص – وهما من التابعين -: ببعيدٍ، وغير هؤلاء كثير، حتى قال هشام بن حسان: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا، فبلغ مائةً وعشرين ألف قتيل!

فيا ضيعة الدين وخواء الإسلام من قلبِ مثلِ هذا الإنسان، قبَّحه الله ولعنه، وقد ذهب إلى كفرِه جماعةٌ من الأئمة؛ منهم: سعيد بن جُبير، ومجاهد، والنخَعي، وعاصم، والشعبي[5].

أفرأيتم إلى ذلك الشخص، إن أسماء لا تتهيَّب أن تُلقي بالحق في وجهه صراحًا دون مواربة أو مواراة، وتلك الأعمالُ مِن قتل وصلب وما دونها وما فوقها – لا ترهبُها ولا تردُّها عن إتمام عملِها على ما يدفعها إليه دينُها، وما يحملها عليه شعورها بمسؤوليتها، فقالت كلمة الحق غير هيَّابة ولا متَّقِية.
فلله هي، ولله درها، ولله ما قالته!

وفي بعض الرواياتِ أنها لَمَّا قُتل ابنها عبدُالله، خرجت إليه حتى وقفَتْ عليه، وهي على دابةٍ، فأقبَل الحجَّاج في أصحابه فسأل عنها فأُخبِر بها، فأقبل حتى وقف عليها، فقال: كيف رأيتِ نصر الله الحقَّ وأظهره؟ قالت: ربما أديل الباطل على الحق، وإنك بين فرثها والجِيَّة، فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]، وقد أذاقه اللهُ ذلك العذاب الأليم، قالت: كذبتَ، كان أولَ مولودٍ وُلِد في الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحنَّكه بيده، وكبَّر المسلمون يومئذٍ حتى ارتجَّتِ المدينة فرحًا به، وقد فرحتَ أنت وأصحابك بمقتله، فمَن كان فرِح يومئذٍ خيرٌ منك ومِن أصحابك، وكان مع ذلك برًّا بالوالدين، صوَّامًا قوَّامًا بكتاب الله، معظِّمًا لحرم الله، يُبغِض أن يُعصَى اللهُ عز وجل[6].

لقد دافعت أسماءُ رضي الله عنها عن ابنها دفاعًا مجيدًا، كان من أثره أن انقطعت حُجة الحجاج وانكسر، ولَمَّا لم يجِدْ جوابًا، انصرف عنها وولَّى خائبًا.
ولقد بلغ ذلك الحوار عبدَالملك، فكتب إلى الحجاج يلومُه في مخاطبته أسماء بهذا الذي قاله، وهذا من واجب عبدالملك نحو ذلك الشاذِّ الذي لا يعرف أقدار الصحابة.

لكن عبدالملك إذ يفعلُ ذلك يقول له في بعض ما قال: ما لك ولابنة الرجل الصالح؟[7]
هكذا، باختيار أخفِّ الألفاظ في معاتبته ولومِه، وتهوينِ شأن أسماء وأبيها بأثقل ما يكون التهوين، حتى لقد غدتْ ذاتُ النطاقين هكذا “ابنة”، وغدا الصدِّيقُ – الرجلُ الذي ما وطِئت الأرضَ قدمٌ بعد النبيِّين والمرسلين خيرٌ مِن قدمِه – رجلًا صالحًا من جملة الصالحين فحسب!

ولا غرو؛ فإن المناصب تفعل أكثر من هذا!

ولا عجب كذلك أَنْ قيَّض الله لها أبطالًا – ولو من النساء أمثال أسماء – يُذلُّون أنوف أصحابها، ويرغمونها في التراب، فيكونون على ما بأيديهم من المناصب في الأذلِّين الصاغرين، ويكون أهل الحق على خلوِّهم من ذلك كله ملوكًا عالِينَ، ملوكًا وإن كانوا بلا تيجان، فالمُلكُ الحقُّ مُلكُ الحقِّ، لا ملكُ المنصبِ والجاه وحَوْزِ الدر والياقوت.

طيَّب الله ثرى أسماء وقدَّس رُوحها في عليين، ورضِي عنها وعن آل بيتها من المسلمين والمؤمنين، وجعلها قدوة على الطريق للسائرات والسائرين
============================
[1] اقرأ في: “أمهات مؤمنات غيَّرن وجه العالم”؛ للمؤلف – دور أسماء رضي الله عنها في تنشئة أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير عالِمًا وعاملًا وقائدًا، يصدر إن شاء الله عن دار المازري بتونس خلال أيام.
[2] الحديث أخرجه مسلم (2545)، وقد سقته هنا بمعناه.
[3] البداية والنهاية (9 /80).
[4] خبر قتل الحجاج لابن عمر رضي الله عنهما ثابتٌ في البخاري؛ انظر: كتاب العيدين، باب ما يُكره من حمل السلاح في العيد والحرم، وشرحه من الفتح.
[5] تهذيب التهذيب (1 /363).
[6] البداية والنهاية (11 /209).
[7] البداية والنهاية (11 /209).

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/116918/#ixzz4j0NYAiYg

قصة إسلام محمد علي كلاي رحمه الله

قصة إسلام محمد علي كلاي رحمه الله

Former World Heavyweight Champion Mohamed Ali part

مولد محمد علي كلاي ونشأته
ولد محمد علي كلاي في عام 1942م في مدينة لويزفيل بولاية كينتاكي الأمريكية، لأسرة فقيرة من الزنوج الأمريكان، وعانى مع أسرته من سياسة التفرقة العنصرية التي كانت سائدة في هذه الفترة.

وكانت بدايته في عالم الملاكمة عام 1954م، في تلك الأثناء لم يكن الصبي كاسيوس مارسيلس كلاي قد تجاوز الـ12 من عمره عندما سرق أحد الأشخاص دراجته الهوائية وهو يلعب مع أحد أصدقائه في إحدى صالات الألعاب بالمدينة، وثار الصبي ثورة عارمة عندما اكتشف سرقة دراجته، وتلفظ بألفاظ التهديد والوعيد قائلاً: إنه سيسحق السارق سحقًا أو يضربه ضربًا مبرحًا عندما يعثر عليه.

وتوجه بالكلام إلى رجل شرطة وجده أمامه، فما كان من رجل الشرطة إلا أن سخر من الصبي الطويل النحيف قائلاً له: “من الأفضل لك أن تتعلم الملاكمة أولاً قبل أن تحاول ضرب أحد”.

ولم يخطر ببال هذا الشرطي أنه – بهذه الجملة الساخرة – كان سببًا في تغيير مسار حياة هذا الصبي، وتوجيهه إلى تعلُّم الملاكمة ثم احترافها.

احتراف محمد علي كلاي الملاكمة
احترف محمد علي كلاي رياضة الملاكمة عام 1960م، وكان عمره 18 عامًا بعد أن أحرز للولايات المتحدة الميدالية الذهبية في دورة روما الأوليمبية. وفي عام 1964م صُدِمَ العالم عندما استطاع محمد علي إقصاء الملاكم سوني ليستون عن عرش الملاكمة، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز 22 عامًا.

وبدأ نجم محمد علي كلاي في الصعود بعد تلك المباراة، بل إنه أصبح بطلاً للشباب الأميركي وقتذاك.

وفي عام 1967م وفي قمة انتصاراته في عالم الملاكمة كانت الولايات المتحدة متورطة حتى أذنيها في حرب فيتنام، فتمَّ سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في جيش الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام؛ اعتراضًا منه على الحرب شأنه شأن الكثير في ذلك الوقت.

وأحيل محمد علي كلاي إلى السجن وتمَّ إلغاء رخصة الملاكمة التي كانت لديه، وتمَّ تجريده من بطولة العالم في الملاكمة، ولكن بعد أربع سنوات ألغت المحكمة العليا قرار إدانته، وقالت في حكم جديد: إن رفضه لأداء الخدمة العسكرية لم يكن بدافع جُرمي، وإنما يتماشى مع تعارض الحرب مع قناعة ضميره كونه يدين بالإسلام.

عاد محمد علي كلاي للملاكمة مرة أخرى عام 1970م في مباراة وُصِفَت بأنها (مباراة القرن) ضد فريزر، حيث لم تُسجَّل هزيمة لأي منهما في أي مباراة من قبل، وكانت مباراة من ثلاث مباريات متفرِّقة، فاز محمد علي باثنتين منها.

وفي عام 1974م هَزَم محمد علي كلاي الملاكم القوي فورمان، ليستعيد بذلك عرش الملاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم بأسره.

وقد حقَّق محمد علي في مسيرته الرياضية الاحترافية مع الملاكمة 56 انتصارًا، منها 37 بالضربة القاضية.

قصة إسلام محمد علي كلاي
أعلن كاسيوس كلاي إسلامه في عام 1975م، واختار لنفسه اسم محمد علي كلاي. وللملاكم محمد علي كلاي تسعة أبناء وبنات هم: مريم، ورشيدة، وجميلة، وهناء، وليلى، وخليلة، وميا، ومحمد جونيور، وأسعد.

يقول الباحث زاهد بخاري – وهو زميل في مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون -: “إنه إذا طُلب من المسلمين في جميع أنحاء العالم أن يذكروا أسماء أكثر خمس شخصيات إسلامية محبوبة في القرن الـ20، فإنني واثق من أن هناك شخصيتين ستكونان ضمن الخمس: وهما محمد علي، ومالكولم إكس”. ومن مفارقات الأقدار أن مالكولم إكس هو الذي أقنع محمد علي بالتعرف على جماعة أمة الإسلام، وحبَّبه في الدين الجديد.

ولم تستمر علاقة محمد علي كلاي بجماعة أمَّة الإسلام طويلاً؛ حيث كان يختلف مع الكثير من أفكارهم، ولكنه – رغم انفصاله عن جماعة أمَّة الإسلام – استمرَّ في أعماله الخيرية والدعوية محاولاً تصحيح الصورة الخاطئة التي رسخت في أذهان الغرب عن الإسلام والمسلمين.

ويعترف محمد علي كلاي أنه بدأ يشعر بشعور روحاني لأول مرة في حياته، عندما دخل المسجد في ميامي.

شخصية محمد علي كلاي وأفكاره
في أحد المؤتمرات الصحفية تحدث محمد علي كلاي عن نفسه قائلاً:
“إنني ولد وحيد، لم أرتكب خطأً في حياتي، ولم أدخل السجن، ولم أُقدَّم لمحكمة، ولم أنضم إلى جماعات متطرفة، ولا أُعِير النساء البيض اللاتي يحاولن إغوائي أيَّ اهتمام، ولا أفرض نفسي على الناس الذين لا يريدونني، وأحب الناس البيض وأحب ناسي أيضًا (أي الناس السود)، وأعتقد أنهم يمكن أن يعيشوا معًا دون أن يتحرّش بعضُهم ببعض”.

مرض محمد علي كلاي
أصيب محمد علي بمرض الشلل الرعاش من جرَّاء لعبه الملاكمة، إلا أنه لا يزال رمزًا رياضيًّا محبوبًا إلى الآن، وأثناء مرضه كان صابرًا لأقصى درجة؛ حيث إنه كان دائمًا يقول: إنَّ الله ابتلاه ليقول له: إنه ليس الأعظم، بل إن الله هو الأعظم.

إسهامات محمد علي كلاي
في عام 2005م أنشأ محمد علي كلاي مركزًا في مسقط رأسه لويزفيل باسم مركز محمد علي، حيث يعرض فيه حاليًا مقتنيات تذكارية، كما يعمل المركز كمنظمة غير ربحية على نشر أفكار السلام، والرخاء الاجتماعي، ومساعدة المحتاجين، والقيم النبيلة التي يؤمن بها محمد علي كلاي.

وقد حضر حفل الافتتاح عدد كبير من مشجعي محمد علي كلاي جاءوا من مختلف أرجاء العالم، وبينهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.

ويتضمن مركز محمد علي كلاي قسمًا خاصًّا بــالتعليم يهدف إلى تشجيع التفوّق. وقال محمد علي كلاي في بيان تأسيس المركز: “أريد مكانًا يحض الأشخاص على أن يعطوا أفضل ما عندهم في أيِّ مجالٍ يختارونه”.

وأضاف: “أراد أنصاري أن يبنوا مُتحفًا ليكرِّس إنجازاتي، ولكنني أردت أكثر من مجرد مبنى يضم ذكرياتي؛ فلطالما تحدّيت الحدود في حياتي. أنا رجل عادي عمل بجهد لتطوير الموهبة التي وهبني الله إياها”. وقد كُلِّف المركز 75 مليون دولار أمريكي، ورُفِعَت عليه أعلام 141 دولة أسهم أطفالها في أعمال المركز.

ومنذ أن بدأ محمد علي كلاي مسيرة العمل الخيري سافر إلى بلدان كثيرة لتقديم المساعدات الطبية للأطفال والفقراء، ومن بين البلدان التي زارها: المغرب، وساحل العاج، وإندونيسيا، والمكسيك، وغيرها.

ولا يقتصر نشاط مؤسسته الخيرية على الخارج، بل تكثِّف جهودها لمساعدة التجمعات الفقيرة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا بين الأميركيين الأفارقة الذين يحظى بحبهم واحترامهم.

وقد أعلنت زوجة محمد علي كلاي أن المركز الذي أقيم باسمه في مسقط رأسه يُشكِّل ذروة حـلم زوجها الطويل والكبير، وقالت: “شعرنا أن دائرة في حياتنا قد اكتملت”.

رحم الله محمد علي كلاي وأسكنه فسيح جناته. اللهم آمين.

ورحل بلبل المسجد النبوي الشيخ محمد أيوب

ورحل بلبل المسجد النبوي الشيخ محمد أيوب

منصور بن محمد فهد الشريده @Aboesam742Are

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمالشيخ-محمد-أيوب

_ ولد الشيخ القارئ الدكتور محمد أيوب بن محمد يوسف بن سليمان عمر (رحمه الله) في مكة المكرمة عام 1372 هـ الموافق 1952 م ، وبها نشأ وتلقى تعليمه الأوليّ . درس وحفظ القران الكريم على يد الشيخ زكي داغستاني ، وعلى يد الشيخ خليل بن عبد الرحمن القارئ ، عن عمر 12 سنة في مسجد بن لادن .

حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة تحفيظ القرآن التابعة لوزارة المعارف عام 1386هـ ، ثم انتقل إلى المدينة المنورة ودرس المرحلتين المتوسطة والثانوية في معهد المدينة العلمي، وتخرج فيه عام 1392هـ .

ثم التحق بالجامعة الإسلامية وتخرج في كلية الشريعة عام 1396هـ ، ثم تخصص في التفسير وعلوم القرآن ، فحصل على درجة الماجستير من كلية القرآن، وكان موضوع الرسالة ((سعيد بن جبير ومروياته في التفسير من أول القرآن إلى آخر سورة التوبة)). وحصل على درجة الدكتوراه من الكلية نفسها عام 1408هـ، وكان موضوع الرسالة: ((مرويات سعيد بن جبير في التفسير من أول سورة يونس إلى آخر القرآن)).

وإضافة إلى دراسته في المدارس الحكومية والجامعة فقد تتلمذ على العديد من المشايخ والعلماء في المدينة المنورة ودرس عليهم ألواناً من العلوم الشرعية ، ومنها التفسير وعلوم القرآن، والفقه على المذاهب الأربعة واصول الفقه، والحديث وعلومه ومصطلحه ، وغير ذلك. وكان من شيوخه: (الشيخ عبد العزيز محمد عثمان ـ الشيخ محمد سيد طنطاوي ـ الشيخ أكرم ضياء العمري ـ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ الشيخ عبد المحسن العباد ـ الشيخ عبد الله محمد الغنيمان ـ الشيخ أبو بكر الجزائري ـ وغيرهم).

ثم عمل بعد تخرجه في المرحلة الجامعية الأولى معيداً بكلية القرآن من 1397 ـ 1398هـ، وكلف بأمانة امتحانات الكلية لمدة عشر سنوات، وأصبح عضو هيئة التدريس في قسم التفسير منذ حصوله على الدكتوراه، واستمر – رحمه الله – عضوا في هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حتى عام 1435هـ.

عُيّن إماماً بالمسجد النبوي عام ١٤١٠هـ واستمر فيه حتى عام ١٤١٧هـ حيث اعتذر عن الامامة بسبب حالته الصحية، ثم انقطع عن إمامة المسجد النبوي ١٩ عاماً ليعود ويصلّي في المسجد النبوي مجددا بتكليف من الملك سلمان في رمضان ١٤٣٦هـ

إضافة إلى عمل الشيخ الجامعي فهو عضو في اللجنة العلمية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وقد اصدر الملك فهد بن عبدالعزيز قرارا ملكيا بتكليف الشيخ محمد ايوب تسجيل المصحف في مجمع الملك فهد بالمدينة بالقراءة الحجازية المكية لرغبة الملك فهد.

وقد رزقه الله صوتا جميلا خاشعا مخشعا لتلاوة كتاب الله عز وجل، وهو شيخ لبعض أئمة الحرم ، ولا تمل حقيقة من سماع تلاوته، واسمعوا -إن شئتم- تلاوته لسورة الإسراء، فقد أتى بالعجب ، ولا أظن ذلك يكمن إلا في إخلاص الرجل، نحسبه ولا نزكي على الله أحدا.

وافته المنية اليوم السبت 9 رجب 1437 عن عمر يناهز 68 عاما قضاها في طاعة الله .. رحمه الله رحمة واسعة ..
رحلتَ وفي القلوب غدت جراحٌ … من الحزن العميق لظىً صليَّا
فمن للمسجد المحزون يبكي … فراق الشيخ بعد البُعد نعيا

شهد دفن الشيخ ‏محمد أيوب في جنازة مهيبة مشهودة.. يبكيك محراب النبي صلى الله عليه وسلم ومحاريب مساجد المدينة التي صدحت فيها بالقرآن سنوات طويلة…
‏يا أيها الشيخ الموسّد في الثرى … مازال صوتك في المدينة يصدحُ

‏رحم الله الشيخ محمد الذي كانت قراءته تعليمية بامتياز لذلك اعتمدتها وزارة التعليم في المناهج الصوتية الرسمية
لا أظن أن هناك شرفاً بعد الإسلام أعظم من أن ترى عبداً أجمع الناس على حبه و الثناء عليه والدعاء له
﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾

‏ورحل النقي صوتًا وروحًا .. رحل ولم تدنسه شهوات الدنيا …

‏أيوبُ .. والمحراب يذكر عهدكم … وماذن النبوي تبكي والملا
لما طلبتَ وداع مسجد طيبة … ودعتهُ .. والحزنُ منه تمثلا
‏العلماء وجودهم خير عظيم …منارات يهتدى بها … وعلامات يستضاء بها … اصطفاهم الله تعالى لحمل رسالته .. وميراث أنبيائه… .. ‏يغيب أهل القران … ولا يغيب أثرهم … ولا ينقطع أجرهم

وأثرهم باقٍ ينهال عليهم بالأجور في قبورهم لمثل هذا فليعمل العاملون

هنيئا ً لمن افنى حياته مع كتاب الله
اللهم تقبله عندك مع الانبياء والصالحين…
‏انتقل إلى رحاب الله بعدما وقف في المحراب طويلا يتغنى بكتاب الله
ثم المنايا فإما أن يقال مضى
ذميمُ فعْلٍ وإما كوكب خمدا
اللهم اجعل له النصيب الأوفى من بشرى نبيك :الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البرره.
‏قد كنتَ تحملُنا بالآي في حَرَمٍ .. ونبرُ صوتِك يحوي خيرَ ترياقِ
واليومَ ترحلُ والآثارُ شاهدةٌ … تقولُ إنك في أرواحنا باقي

هنيئا للشيخ هذا القبول وتلك الدعوات

رحمه الله رحمة واسعة
لمثل هذا فأعدوا.
اللهم أحسن ختامنا.
‏يا أيها الشيخ الموسد في الثرى… مازال صوتك في المدينة يصدح
منذ قمت تتلو في البقاع مغرّدا … ما زلت ياعذب التلاوة تمدح

‏لنترك لنا أثر يأتينا بالأجر بعد رحلينا
‏دَخلَ الحياة… فكان صوت حِجازِها
فاستأنستْ بخشوعهِ النّبضاتُ
قضّى السنين على جناحَيْ مُصحفٍ
فمضى.. وعُمرُ حياتِه آياتُ

‏عن عمر رضي الله عنه قال : أما إن نبيكم ﷺ قد قال :
” إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين “. رواه مسلم

‏الأرض تحيى إذا ما عاش عالمها … متى يمت علمٌ فيها يمت طرفُ
كالأرض تحيى إذا مالغيث حل بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلفُ

‏سبحان من حقق أمنيته قبل وفاته .. وهي العودة لإمامة الحرم النبوي … العام الماضي .. رحمه الله
سيشهد المِحْراب والقرآن … وستظل تلاوته باقيه …

اللهم اخلفه دارا خيرا من داره واهلين خيرا منهم
هنيئاً له.. لا يذكر اسمه إلا والقران معه..!
خير سيرة له بالدنيا.. وخير شفيع له بالآخرة..!
و هنيئا للشيخ هذا القبول وتلك الدعوات
رحمه الله رحمة واسعة
لمثل هذا فأعدوا.
اللهم أحسن ختامنا.

ترجمة فضيلة الشيخ د. محمد أيوب (إمام المسجد النبوي)

ترجمة فضيلة الشيخ محمد أيوب (إمام المسجد النبوي)
د.عبد الله بن أحمد آل علاف الغامدي @DrAllaf

بسم الله الرحمن الرحيمالشيخ محمد أيوب
فضيلة الشيخ محمد أيوب بن محمد يوسف بن سليمان عمر – رحمه الله تعالى (1372 – 1437 هـ)

محمد أيوب بن محمد يوسف بن سليمان عمر. ولد في مكة المكرمة سنة 1372هـ. وبها نشأ وتلقى تعليمه الأولي، حيث حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ الجليل عبدالرحمن القارئ في مسجد ابن لادن التابع لجمعية تحفيظ القرآن الكريم سنة 1385هـ.
وحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة تحفيظ القرآن التابعة لوزارة المعارف سنة 1389هـ.

ثم انتقل إلى المدينة المنورة ودرس المرحلتين المتوسطة والثانوية في معهد المدينة العلمي، وتخرج فيه سنة 1392هـ.
التحق بالجامعة الإسلامية وتخرج في كلية الشريعة سنة 1396هـ، ثم تخصص في التفسير وعلوم القرآن، فحصل على درجة الماجستير من كلية القرآن، وكان موضوع الرسالة «سعيد بن جبير ومروياته في التفسير من أول القرآن إلى آخر سورة التوبة».
وحصل على درجة الدكتوراه من الكلية نفسها سنة 1408هـ، وكان موضوع الرسالة: «مرويات سعيد بن جبير في التفسير من أول سورة يونس إلى آخر القرآن».

عمل بعد تخرجه في المرحلة الجامعية الأولى معيداً بكلية القرآن من سنة 1397-1398هـ، وكلف أمانة امتحانات الكلية لمدة عشر سنوات، وأصبح عضو هيئة التدريس في قسم التفسير منذ حصوله على الدكتوراه، وما زال في هذه الوظيفة، وإضافة إلى عمله الجامعي فهو عضو في اللجنة العلمية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

كما تولى الإمامة والخطابة في عدد من مساجد المدينة، ومنها :
إمام متعاون في المسجد النبوي منذ سنة 1410هـ إلى 1416 هـ، ثم حقق الله أمنيته بالعودة للإمامة مرة أخرى بعد عقدين من الزمن بموافقة خادم الحرمين الملك سلمان حفظه الله ورعاه، وذلك في تراويح شهر رمضان 1436 هـ.

إمام في مسجد قباء لصلاتي التراويح والقيام.
إمام مسجد العنابية من سنة 1394 إلى سنة 1403هـ.
إمام مسجد عبدالله الحسيني من سنة 1403هـ
عمل خطيباً في مسجد أحمد بن حنبل بالحرة الشرقية.
ثم مسجد حسن الشاعر.

وإضافة إلى دراسته في المدارس الحكومية والجامعةفقد تتلمذ على العديد من المشايخ والعلماء في المدينة ودرس عليهم ألواناً من العلوم الشرعية، ومنها التفسير وعلومه، والفقه على المذاهب الأربعة، والحديث وعلومه ومصطلحه، والتفسير وأصول الفقه، وغير ذلك.

وكان من شيوخه:
الشيخ عبدالعزيز محمد عثمان.
الشيخ محمد سيد طنطاوي.
الشيخ أكرم ضياء العمري.
الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
الشيخ عبدالمحسن العباد.
الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان.
الشيخ أبو بكر الجزائري.
وغيرهم.

حصل على عدد من الإجازات في القراءات ومنها:
إجازة برواية حفص من شيخ قراء المدينة حسن بن إبراهيم الشاعر، ومن الشيخ أحمد عبدالعزيز الزيات، والشيخ خليل بن عبدالرحمن القارئ.
شارك في عدد من الندوات والمؤتمرات، ومنها :
ندوة الشباب في مدينة كامبيس في البرازيل مع وفد من الجامعة الإسلامية.
دورات لتعليم اللغة العربية في عدد من الدول الإسلامية: باكستان، تركيا، السنغال، ماليزيا.
إمامة صلاة التراويح في مسجد برمنجهام ببريطانيا بتكليف من الجامعة الإسلامية.
يعد الشيخ محمد أيوب من القراء المشهورين في المملكة والعالم الإسلامي، وله تسجيلات قرآنية في الإذاعة والتلفزيون.
وقد سجل له مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف القرآن كاملاً، حيث يُبَثّ من إذاعة القرآن الكريم.
وسجلت له أيضاً قراءات صلاة التراويح والقيام في المسجد النبوي الشريف، وهي تنشر كذلك تباعاً في الإذاعة.
له مقالة بعنوان: (أليس للعلماء حق كغيرهم) وهي عن حياة الشيخ الحافظ الجامع محمود سيبويه.

واليك أيها القاريء العزيز ما ورد في صحيفة عكاظ:

مـحـمـد أيـوب.. مـزمـار من مزامـير آل داوود

لا يختلف اثنان أن للشيخ محمد أيوب صوتاً جميلا يخترق قلب كل من سمعه وهو يتلو القران الكريم، فصوته الشجي أهله ليمضي نحو عشرين عاما بين محاريب المساجد في المدينة المنورة منها سبع سنوات في المسجد النبوي الشريف، كيف لا يكون ذلك فقد عاش القرآن في وجدان شيخنا منذ نعومة أظافره ففي مقتبل عمره درسه على يد مشايخه الحجازيين كشيخه خليل قارئ وأستاذه زكي داغستاني.. فيكفيه فخراً أنه صلى بالناس في أول مسجد أسس على التقوى ويكفيه اعتزازاً أنه أم المصلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم… فهو من الرعيل الأول الذى صلى التراويح لوحده طوال شهر رمضان دون أن يشاركه أحد في ذلك حيث كان ذلك في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما يدل على ثبات حفظه وروعة أدائه فما زالت تذكره ليالي رمضان بروحانيتها العطرة.

القراءة الحجازية
لقد حفظ القرآن وعمره 12 سنة ودرس القرآن على الشيخ زكي داغستاني في المدرسة الابتدائية عندما كان في مكة المكرمة وكذلك على الشيخ خليل قارئ وكلا الشيخين تميزا بالقراءة الحجازية إلا أنه أخذ عن الأخير التلاوات تلقينا فكان يرافق الشيخ أينما رحل فقد ذهب الشيخ خليل إلى الطائف ورحل معه الشيخ محمد أيوب إلى هناك.

وكان والد الشيخ محمد أيوب رحمه الله قد أوصى الشيخ خليل قارئ أن يهتم به كثيرا آملا أن يكون له شأن عظيم فكان كما أراد، من جانبه فقد اكتشف خليل قارئ بفراسته أن للشيخ محمد أيوب مستقبلا عظيما في تلاوة القرآن الكريم وحفظه.
ويروي لنا ابن الشيخ خليل قارئ، الشيخ محمد خليل إمام مسجد قباء أن والده كان حريصا على طلابه ولا يفرض عليهم الحفظ كاملا بل كل على حسب إمكانياته وقدراته بل الأهم عنده تثبيت الحفظ.

تثبيت القرآن
وكان للشيخ خليل قارئ طريقة غريبة في تثبيت الحفظ والمراجعة حيث يروي لنا الشيخ محمد أيوب أنه كان يصلي مع زملائه صلاة النافلة ويقرأ الورد اليومي حيث يتابع الزميل المرافق التلاوة وحينما يخطئ (يفتح عليه) أي يصوب تلاوته وكان الشيخ خليل قارئ يقف خلفهما فكانت هذه الطريقة هي من أفضل الطرق لتثبيت القرآن وتعليمنا الإمامة منذ الصغر.

وكنا نراجع 4 أجزاء يوميا قبل دخول رمضان بفترة ليست بالقصيرة لنتهيأ لصلاة التراويح والقيام وكان شيخي خليل قارئ يوصينا بتقوى الله في إمامة الناس لأنها أمانة وأن لا نسرف في الأكل كي لا نرهق أنفسنا في الصلاة وكان يصف لنا بعض التمارين لكي نطيل النفس في التلاوة.

العلوم الشرعية
لقد تتلمذ الشيخ محمد أيوب على يد العديد من المشايخ والعلماء في المدينة ودرس على أيديهم ألواناً من العلوم الشرعية، كالتفسير وعلومه، والفقه على المذاهب الأربعة، والحديث وعلومه ومصطلحه، وأصول الفقه، وغير ذلك.

إجازاته القرآنية
حصل الشيخ محمد أيوب على إجازات في القران الكريم برواية حفص عن عاصم من مشايخ القرآن الإعلام أمثال الشيخ أحمد الزيات والشيخ خليل قارئ والشيخ حسن الشاعر رحمه الله.

حياته العلمية
عمل الشيخ محمد أيوب بعد تخرجه في المرحلة الجامعية معيداً بكلية القرآن من 1397- 1398هـ.
وكلف بأمانة امتحانات الكلية لمدة عشر سنوات.
وأصبح عضو هيئة التدريس في قسم التفسير منذ حصوله على الدكتوراه.
إضافة إلى عمله الجامعي فهو عضو في اللجنة العلمية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
وشارك في عدد من الندوات و الدورات و الفعاليات منها:
ندوة الشباب في مدينة كامبيس في البرازيل مع وفد من الجامعة الإسلامية.
دورات لتعليم اللغة العربية في عدد من الدول الإسلامية: باكستان، تركيا، السنغال، ماليزيا.
إمامة صلاة التراويح في مسجد برمنجهام ببريطانيا بتكليف من الجامعة الإسلامية.
ويشير الشيخ محمد أيوب أنه مع حلاوة صوته الجميل وتعدد ألوانه أنه
لا يعرف في المقامات شيئا ولكنه كان يدرس على شيخه خليل قارئ التلاوات القرآنية تلقيناً فيما يؤكد لنا الشيخ محمد خليل أن والده كان يعلم طلابه طريقة التلاوة و لا يهتم بالصوت فكان يقول لهم إن لكل مقام مقال ولكل قراءة طريقة فقراءة التراويح تختلف عن قراءة الصلاة المفروضة وقراءة افتتاح المجالس تختلف عن قراءة التهجد وهكذا.

إمامته في المسجد النبوي
يروي لنا الشيخ محمد أيوب عن تعيينه في الحرم المدني قائلا: حينما كنت إماما في مسجد قباء سمع عني الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله بأن هناك شيخا يدعى محمد أيوب يتميز بصوت حسن وأداء مميز فطلب من ابنه أن يحضرني لمجلسه فحينما وصلت إليه طلب منى الشيخ ابن صالح منه أن أتلو بعض الآيات فما أن استمع إلى قراءتي حتى أعجب بها الشيخ والحاضرون فقال لي الشيخ ابن صالح هل تستطيع أن تصلي بالناس في الحرم المدني صلاة التراويح وكان ذلك في أواخر أيام شهر شعبان فوافقت على ذلك فصدر القرار الحكومي بتعييني إماما مكلفا في الحرم المدني. حيث كان ذلك العام 1410 هــ وصليت صلاة التراويح كاملة لوحدي في تلك السنة عدا ثلاثة أيام من رمضان. وقد كان شيخي الشيخ خليل قارئ في تلك السنة في خارج البلاد فكان يستمع إلى قراءتي عن طريق المذياع ويتصل بي يوميا ويدعو لي.
وأضاف: «تنتابي رهبة شديدة كلما وقفت في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أخشى ألا أقوم بها على الوجه المطلوب وسألت الله أن يثبتني وأن أقوم بالمسؤولية الملقاة على كاهلي».

تسجيل المصحف
وكان الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله قد أصدر قراراً ملكياً يقضي بتكليف الشيخ محمد أيوب بتسجيل مصحف كامل في مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة إضافة للشيخ علي الحذيفي والشيخ إبراهيم الأخضر.
حيث قام الشيخ محمد أيوب بتسجيل المصحف المدني بالقراءة الحجازية المكية تنفيذ الرغبة الملك فهد بن عبد العزيز.

أهل القرآن
بقي أن نقول أن للشيخ محمد أيوب عائلة مكونة من 13 شخصا وهو متزوج بزوجتين وله من الأولاد 5، كلهم من حفظة كتاب الله وبنتان أيضا من الحافظات لكتاب الله وهذا مما تتميز به عائلة الشيخ عن غيرها من العائلات.
فقد كرس جهده ووقته لتعليم أهله ولم يكتف بذلك بل كان لأولاده معلما خاصا للقرآن في المنزل.
فالأكبر خالد فهو مدرس للقرآن في مدارس تحفيظ القرآن في المدينة.
والزبير أستاذ في الجامعة الإسلامية في قسم اللغة العربية.
وسعد طالب في الهندسة ومصعب يدرس الطب في جامعة طيبة.
ويوسف طالب في المرحلة الثانوية ويشارك في برنامج (بالقرآن نحيا) والذي يبث يوميا عبر القناة الرياضية خلال هذا الشهر المبارك.

وصايا الشيخ محمد أيوب لأئمة المساجد
إن تفرغ كبار السن ضروري عند رغبتهم في حفظ كتاب الله تعالى.
إمامة الناس في التراويح تساعد في تثبيت القرآن في صدر القارئ.
الدعوة إلى الله ليست مسؤولية سهلة بل هي جسيمة وينبغي على من أكرمه الله بحفظ كتابه أن يبذل الجهد في تحمل المسؤولية.
على الداعية أن يختار الأسلوب الحسن ويبتعد عن الأمور التي تنفر الناس عن الدين فقد جعل الله هذا الدين يسرا وقد قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. يسروا ولا تعسروا.
إن القرآن الكريم هو أساس الدعوة الإسلامية وإذا أكرم الله عبده بحفظ كتابه فأول مسؤولية يتعين عليه القيام بها الدعوة إلى الله تعالى وأن هذه المسؤوليه لايمكن أن يشعر بلذتها إلا بعد أن يتدبر الكتاب العزيز ويبذل أقصى ما في وسعه من جهد في سبيل العمل بهذا الكتاب.

نفع الله به وبعلمه الإسلام والمسلمين.

وفاته
توفي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته فجر يوم السبت 9-7-1437هـ، وصُلي عليه بعد صلاة الظهر ودفن في بقيع الغرقد. وقد كانت جنازته عظيمة مشهودة رحمه الله تعالى ونفع بعلمه وتلاواته الإسلام والمسلمين. اللهم آمين.

المراجع
مكالمة شفهية معه رحمه الله .
* أئمة الحرمين ـ عبدالله بن أحمد آل علاف الغامدي .
* صحيفة عكاظ.
*منتديات قراء طيبة.
*منتديات الشيخ سعود الشريم.
*ملتقى أهل الحديث
*إمتاع الفضلاء بتراجم القراء، إلياس أحمد البرماوي، دار الندوة العالمية للطباعة، المدينة المنورة، الطبعة الأولى 1412هـ

المصدر : http://saaid.net/Doat/gamdi/38.htm

نساء لم ينسهن التاريخ

نساء لم ينسهن التاريخ
محمد بن عبدالعزيز الشمالي

المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فما أجملها من مواقف تجعلها المرأة الداعية نبراساً لها في سيرها في طريق دعوتها تلك المواقف الصادقة من تلك النساء التي نحتها التاريخ في جبين الدهر لتبقى شاهدة على صدق تلك النوايا.
ونحن في سيرنا في هذا الطريق كم نحتاج إلى قدوات نجعلهم نجوماً نهتدي بها في سماء دعوتنا ليُنيروا لنا الدرب ممن تربوا في مدرسة الدعوة وتعرفوا على جوانبها فعرفوها وساروا بخطىً واثقة فهذه جملة من سير هؤلاء النساء لنسير بسيرهن ونحتذي بحذوهن أحببت أن أجعلها بين يديك أُخيتي المباركة فأقرئي هذه الصفحات وخذي منها الصواب ودعي منها ما جانبه أسال الله لي ولكم التوفيق والسداد والهداية والرشاد وأساله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

محمد بن عبدالعزيز الشمالي

(*) تطمين الزوج وتثبيته في طريق دعوته
(1) خديجة بنت خويلد رضي الله عنها :
أُخيتي الداعية :

إن من أروع الأمثلة التي ضربت في مواقف النساء الداعيات هو موقف خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلمحينما وقفت مع أعظم الدعاة وإمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم في أول بداية الدعوة حين نزول الوحي ذاك الأمر الجديد على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولتتأملي كيف كان تطمينُها للنبيصلى الله عليه وسلم حين جاء فزعاً يرجف فؤاده وليكن هو موقفك مع زوجك في تطمينه في دعوته وتثبيته على طول هذا الطريق فالرجل يحتاج إلى من يكون عوناً له من أهل بيته وإليكِ هذا الخبر :

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :(.. فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فدخل فقال زملوني زملوني فزمل فلما سرى عنه قال: يا خديجة لقد أشفقت على نفسي بلاء , لقد أشفقت على نفسي بلاء قالت خديجة: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرئُ الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد وكان رجلا ًقد تنصر شيخاً أعمى يقرأ الإنجيل بالعربية فقالت له خديجة : أي عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي رأى من ذلك فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعاً يا ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به قط إلا عودي وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا )

عجباً لهذا الموقف من هذه المرأة كيف استطاعت تطمين زوجها وتهدئته والتخفيف عنه حينما ذّكرته بلطف الله عزوجل ثم ذّكرته بصفاته الحسنة ثم بذهابها به إلى من هو أعلم بمثل هذه الأمور وهو ورقة بن نوفل وهو من أحبار النصارى وابن عمٍ لخديجة رضي الله عنها .

(*)هكذا فليكن صبر الداعية مع زوجها من أهل الدعوة إذا ابتلي
(2) إليا بنت يعقوب زوجة نبي الله أيوب عليه السلام
أُخيتي الداعية :

وأنت تقرئين هذا المقطع تأملي ملياً كيف كان تحمل هذه المرأة وصبرها بعدما كانت من الغنى والنعيم وكيف صبرت على هذه الحال ليس يوماً ولا شهراً ولا سنة بل عدة سنوات تلك هي صفات من تربت في بيت نبوة وحقاً إنه صبر على حالة قد تأنف منها النفوس إلا النفوس الكبار فتأملي :
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( أن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه خمسة عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه قد كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم نعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه وما ذاك قال منذ ثمانية عشر سنة لم يرحمه الله فكشف عنه ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك فقال له أيوب لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى والله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض)
حقاً إنه من أروع أمثلة الصبر حيث صبرت على النبي المبتلى لأنها عاشت معه سنوات من أجمل سنوات العمر فلم تنسها لما كان في أحوج ما يكون إليها وهذا الجزء واضحاً لهما في نهاية الحديث لما شفاه الله وأبدله بقوله تعالى {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}

(*) حقاً إنه أغلى المهور
(3) أم سُليم الرميصاء بنت ملحان الأنصارية الخزرجية أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه.

أُخيتي الداعية :
لما يتذكر المسلم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وبركتهن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا) وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) يدرك حقاً أن عظمة المرأة في إيمانها وتقواها ودينها ولنتأمل موقف هذه الصحابية كيف جعلت من الإسلام مهراً لها :

عن أنس قال خطب أبو طلحة أم سليم فقالت :(إني قد آمنت فإن تابعتني تزوجتك) قال: فأنا على مثل ما أنت عليه فتزوجته أم سليم وكان صداقها الإسلام)

ما أروعه من موقف إن جعلنا مفاخرة النساء في طالبي الزواج منهن هو الدين لأن سعادة المرأة هو بزوجها الصالح المعين لها وكم تصدم كثير من الفتيات بمثل هذه الزخارف ثم ما تلبث أن تكون ممن يعض أصابع الندم ولات ساعة مندم فليكن من هذا الموقف لكي أُخيتي الداعية منطلقاً في ترغيب النساء باختيار الكفء من الرجال .

(*) تلك مشورة المرأة العاقلة
(4) أم سلمة رضي الله عنها .
أُخيتي الداعية :
كم يحتاج الرجل إلى زوجة عاقلة راجحة عقلٍ يسترشد بمشورتها ويستنير برأيها فما أجمل تلك الصفة حينما تكون في المرأة ولن تكون إلا لمن كان همها وهمتها عالية تناطح السحاب ولنعش مع هذا الموقف العصيب على النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان حاله بتلك المشورة وبذلك الرأي السديد والصائب من راجحة العقل زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها .

لما كان يوم الحديبية وقد أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة ثم رد بعدم تم الإتفاق في بنود المعاهدة على عدم أداء العمرة في هذه السنة ..فكان هذا الموقف ..:

فَقَامَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال يا أَيُّهَا الناس انْحَرُوا وَاحْلِقُوا قال فما قام أَحَدٌ قال ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فما قام رَجُلٌ حتى عَادَ بِمِثْلِهَا فما قام رَجُلٌ فَرَجَعَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فقال يا أُمَّ سَلَمَةَ ما شَأْنُ النَّاس قالت يا رَسُولَ اللَّهِ قد دَخَلَهُمْ ما قد رَأَيْتَ فَلاَ تُكَلِّمَنَّ منهم إِنْسَاناً وَاعْمِدْ إلى هَدْيِكَ حَيْثُ كان فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ فَلَوْ قد فَعَلْتَ ذلك فَعَلَ الناس ذلك فَخَرَجَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يُكَلِّمُ أحد حتى أتى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ فَقَامَ الناس يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ..)

نِعم المشورة من أم سلمة رضي الله عنها للقائد صلى الله عليه وسلم فقد أصابت مشورتها وعالج بها النبيصلى الله عليه وسلم هذا الموقف , وهذا يذكرنا بالمقولة التي تقول ( ما خاب من استشار ) والمستشار مؤتمن فلم يخب في مشورته وما استشارها صلى الله عليه وسلم إلا لمعرفته برجحان عقلها فالمرأة الداعية من أكثر من يستشار في واقع النساء لأنها عاقلة ومتعلمة فلتكن استشارتنا صائبة ومشوراتنا صادقة .

(*) يا لها من مراقبة لله
(5)المرأة الهلالية – جدة عمر بن العزيز

أُخيتي الداعية :
إن من الصعب جداً على النفس أن يطلب أحد الوالدين منك أمراً مخالفاً لشرع الله , ويالها من قوة إيمان أن تنطق بما يخالف المطلوب وبما يرضي الله متذكرة قول الله تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ولنتأمل موقف هذه المرأة الداعية التي نطقت بمعنى الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) …

يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت فقالت: الجارية كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق فقالت :قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين فقالت: إن كان عمر لا يعلم فإله عمر يعلم ما كنت لأفعله وقد نهى عنه فوقعت مقالتها من عمر فلما أصبح دعا عاصما ابنه فقال :يا بني اذهب إلى موضع كذا وكذا فاسأل عن الجارية ووصفها له فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال فقال له عمر اذهب يا بني فتزوجها فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم فأتت بعمر بن عبد العزيز)

حقاً لقد صدقت فراسة عمر بن الخطاب وأنجبت بنتاً كانت أماً لإمام الزهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز الذي ساد في زمانه العدل وكثر المال وقل الفقراء وسيرته من أعجب السير .
وما أجمل أن يختار الأب زوجة ابنه بعناية تامة فصلاح المرأة نعمت عليها وعلى زوجها

http://saaid.net/female/100.htm