العشر الأواخر ( تعريفها – فضلها – مايشرع فيها )

العشر الأواخر (تعريفها – فضلها – مايشرع فيها)

عيسى سالم سدحان

بسم الله الرحمن الرحيم

* تعريف العشر الأواخر: هي آخر عشرة أيام من شهر رمضان ‏

* فضل العشر الأوخر:

أولاً أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر أي أكثر من 83 سنة قال الله تعالى {*إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } قال السعدي رحمه الله : قوله تعالى { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلًا، نيفًا وثمانين سنة. وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، في سَابِعَةٍ تَبْقَى، في خَامِسَةٍ تَبْقَى ) قوله ( إلتمسوها ) أي إطلبوها وتحروها

ليلة القدر لولو

ثانياً أن القرآن العظيم نزل في العشر الأواخر في ليلة القدر قال عز وجل (*حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *)قال ابن كثير رحمه :الله قوله تعالى ( فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) أنزله في ليلة مباركة ، وهي ليلة القدر ، كما قال تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وكان ذلك في شهر رمضان ، كما قال : تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )

* مايشرع في العشر الأواخر

أولاً الإجتهاد فيها بصلاة وقرأة القرآن والذكر وغير ذلك من طاعة الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها مالا يجتهد في غيرها ▪.لما روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ. )

أيام معدودات

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت :(كانَ النب

يُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ. ) وقولها (وشد مئزره )كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد ، ومعناه التشمير في العبادات .وقيل هو كناية عن اعتزال النساء وترك الجماع .ومعنى (أحيا الليل )أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها وقولها : (وأيقظ أهله )أي : أيقظ أزواجه للقيام.

ثانياً الإعتكاف فيها والإعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوخر من رمضان حتى توفاه ربه تعالى ▪. لما وروى البخاري في صحيحه عن إم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ) والإعتكاف هو لزوم المسجد والمكث فيه لطاعة الله

تعالى وقته قال ابن باز رحمه الله يدخل معتكفه فجر واحد وعشرين، وإذا بات تلك الليلة معتكفًا لا بأس.

اللهم بلغنا رمضان

▪ فعلى المسلم الجِدّ والاجتهاد في عبادة الله تعالى وطاعته، وأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يضيّع ساعات هذه الأيام والليالي الفاضله ، في السهر واللهو وفي مالافائدة منه فإن المرء لا يدري لعله لا يدركها مرة أخرى .

الرابط الأصلي

صدقتك سنابل خير في رمضان

صدقتك سنابل خير في رمضان

فاطمة الأمير

بسم الله الرحمن الرحيم

يا معشر التجار وزراع الخير، ها هو الشهر أقبل عليكم، وبفيض الله ونفحاته حلَّت البركة علينا وعليكم، فالخير سيكون لنا إذا اغتنمنا من كل العبادات، وطرقنا أبواب ربِّ الرحمات نبتغي القبول والجزاء من حسن ما وفَّقنا الله لأداء العبادات.

فشهر رمضان شهر الجود والإنفاق، شهر النفوس السخية، والأكُف الندية؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان”؛ (رواه البخاري).

فإذا كنت زارعًا لسنابل الخير في رمضان؛ فهنيئًا لك بما سُجل لك من الحسنات؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

هل علمت ما هي العبادة التي يتضاعف أجرها وثوابها؟ إنها الصدقة، فإذا كان الدعاء والصيام متلازمين، فإن رمضان والصدقة لا يفترقان؛ فهي عبادة مضاعفة إلى ما شاء الله، والصدقة أداؤها عظيم في سائر الشهور والأيام، فكيف بها إذا أُخرجت في رمضان، وتحلَّت بشرف الزمان، ومضاعفة الثواب بها، فإذا كانت الأعمال تتباهى بصاحبها، فالصدقة من أعظم العبادات، فتتباهى بصاحبها وتفخر على غيرها من الأعمال والعبادات؛ يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم”.

ولنعلم أخي الصائم أن في إخراج الصدقة ترقيقًا للقلوب، وسعادة للنفس، فإن أخرجنا الصدقة، فلتكن ابتغاءً لوجه الله تعالى، ولا تجعلها مفاخرة بين الناس؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].

فلنحرص على إخفاء الصدقة؛ لكيلا يكون في إخراجها رياء أو مفاخرة، أو أن يكون في إخراجها أذى قد يقع في نفس المتصدق عليه، بل جمِّل صدقتك بابتسامة رقيقة عذبة مع تغليفها بأجمل العبارات التي تقع في نفس آخذها، فتكون قد جمعت بين عبادة الصدقة، وعبادة صلة الرحم، والتودد إلى القلوب، ولننظر إلى عِظَم أجر الصدقة وكيف أن عطاءها فيه الخير لكل معطى لها، ومن الأحاديث الدالة على عِظَم أجر الصدقة قوله صلى الله عليه وسلم: “ما تصدق أحدٌ بصدقة من طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمينه – وإن كان تمرة – فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل؛ كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله”.

فلا يجوز للمسلم أن يتصدق إلا من طيب ما كسب، فهذه تمرة نتصدق بها، فإذا بها تكون في كف الرحمن أعظم من الجبل، والصدقة تزيل الخطايا وتدفع عنا البلاء والوباء والمرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “والصدقة تطفئ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا”؛ (صحيح ابن حبان وحسنه الألباني).

إن الله جعل الصدقة بابًا يمحو به الخطايا والذنوب، وسدًّا وحصنًا منيعًا ضد هفوات النفس ومداخل الشيطان، حتى وإن كان صاحبها ظالِمًا، فإنها تدفع عنه ما تكاتل عليه من الهموم والبلاء والأمراض، وفي منعها مضرة للعبد، وتكاثر للمحن، والشدائد عليه؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (الصدقة تفدي العبدَ مِن عذاب الله، فإنَّ ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب، وتفكُّه منه)؛ الوابل الصيب (٧٣).

فادفع أخي الصائم عن نفسك وأهل بيتك بالصدقة، وحارب الابتلاء إذا اشتد عليك بالصدقة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأنفق من مال الله بسخاء، تكثُر عليك نفحات الله، واعلم أننا أحوج إلى إخراج الصدقة من آخذها، ولا تنسَ أن تتصدَّق بأجمل ما لديك؛ ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، فكلما أنفقت أُنفِقَ عليك من خزائن رحمته، وواسع كرمه وجودة، فإنه الكريم الذي إذا أعطى، أعطى بسخاء، وهذا في قوله عز وجل في الحديث القدسي: “يا بن آدم، أَنفقْ أُنفقْ عليك”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة، إلا زاده الله بها كثرةً”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما مِن يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا”؛ ( متفق عليه).

وأعمال الصدقة كثيرة في رمضان؛ منها: إطعام الطعام؛ قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 8 – 12]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم”؛ (صحَّحه الألباني).

أتريد الجنة؟ أتريد أن يطعمك الله من ثمارها؟ هيَّا إخوتي في الله، فلنتصدق من مال الله، هيا لنكفل أسرة، فهناك الكثير من المسلمين والمحتاجين والفقراء، جوعى وعطشى، فكن يد الخير والأمل التي تمتد إليهم، وتزيل عن أطفالهم آهات الجوع، كن لهم سنبلة خيرٍ، فيتضاعف لك الأجر والثواب مما أنفقت.

وأما تفطير الصائمين فقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: “مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء”؛ (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).

ولا تحقرن من المعروف شيئًا: تعين الرجل على دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وهذه أوجه كثيرة من سنابل الخير وإخراج الصدقة، وشربة ماء تضعها لطائر أو حيوان في رمد الحر تبتغي بها وجه الله تكون في ميزانك صدقة.

المهم أن تُخرج صدقتك مما تحب، فهذا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يتصدق على من يقابله بالسكر، فكان يحمل قطعة سكر في جيبه ويتصدق بها، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: قال الله عز وجل: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، وأنا أحب السكر.

ومن فوائد الصدقة وإكثارك من إخراج سنابل الخير في شهر رمضان:

• أنها وقاية من عذاب النار؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر النساء، تصدقنَ ولو مِن حُليكنَّ؛ فإني رأيتكنَّ أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة منهن سفعاء الخدين، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنكن تُكثرنَ الشكاة، وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهنَّ الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط”، ففي هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمات بالصدقة، والمرء في ظل صدقته يوم القيامة تدفع عنه بها حرَّ النار، سواء كان ذكرًا أو أنثى.

• أنها تدفع عنا البلاء والوباء والمرض بإذن الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “داووا مرضاكم بالصدقة”؛ (حسنه الألباني في صحيح الجامع).

وأيضًا لها أثر طيب في قبول الدعوات، وقد أكد ابن القيم أن للصدقة أثرًا عجيبًا في قبول الدعاء، وفي فعل المعروف أيًّا كان، (فصنائع المعروف تقي مصارع السوء).

• زيادة في الرزق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “ما نقص مالٌ من صدقة، بل تزده، بل تزده، بل تزده”، فإذا أردت زيادةً ومضاعفة لسنابلك في رمضان، فلتُكثر من إخراج الصدقات.

• الصدقة سبب لدخول الجنة: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن قال: لا إله إلا الله، خُتِم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاءَ وجه الله خُتِم له به دخلَ الجنة، ومَن تصدَّق بصدقةٍ ابتغاءَ وجه الله، خُتِم له بها دخل الجنة “؛ (صححه الألباني).

• واحتساب النفقة على أهل بيتك صدقة؛ عن عقبة بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أنفق الرجلُ على أهلِه نفقةً وهو يحتَسِبُها، كانت له صدقةً”؛ (صححه الألباني).

• ويوم يضم عليك القبر لا يوسعه عليك إلا الصدقة، يوم تدنو الشمس من الرؤوس، ويبلغ الكرب النفوس، فتكون يوم القيامة في ظل صدقتك تُزيل بها عنك أهوال هذا اليوم.

• ويقول النبي أيضًا في فضل الصدقة: “الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة الرحم”؛ فلنجمع إخوتي في الله بين العبادتين، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)؛ أي: الذي يُضمر لك الكره والعداوة، فلنُكثِر من الصدقة إخوتي في الله، فالجنة سلعة غالية، وما أعده الله للصائم فيها يجعلنا ننفق بسخاء؛ روِي عن النبي أنه قال: (إن في الجنة غرفًا يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى والناس نيامٌ).

هيَّا لنكن من أصحاب الهِمم العالية والغايات السامية، لنكن يد العون التي تمتد إلى كل نفس تعففت في طلب السؤال، وكتمتْ آهات الذل والفقر والجوع، ابحثوا عمن لا يسألون الناس إلحافًا، قدموا الخير لأنفسكم، ورققوا القلوب، وخفِّفوا من معالم البؤس والحزن في النفوس؛ ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: 272].

الرابط الأصلي

أحكام مختصرة في خروج الدم من الصائم 

أحكام مختصرة في خروج الدم من الصائم

21 مسألة مختصرة في خروج الدم

عبدالله محسن الصاهود – feqheyat@

بسم الله الرحمن الرحيم

خروج الدم من البدن وضابطه

1- ما هو ضابط الدم الخارج من الجسد المفسد للصوم؟
قال ابن عثيمين:

أ- الدم المفسد للصوم هو 
الدم الذي يخرج بالحجامة، ويقاس على الحجامة ما كان بمعناها مما يفعله الإنسان باختياره، فيخرج منه دم كثير
ب-  أما 
ما خرج من الإنسان بغير قصد كالرعاف، وكالجرح للبدنو ما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يفسد الصوم ولو خرج منه دم كثير.
ت-  كذلك لو خرج دم يسير لا يؤثر كتأثير الحجامة 
كالدم الذي يؤخذ للتحليل فلا يفسد الصوم أيضاً.  مجموع الفتاوى(19/ 239)

2- هل  يفطر الصائم إذا جرح ونزف دمه ؟
قال ابن عثيمين:

أ- 
إذا جرح الصائم وخرج دم كثير فإنه لا يؤثر شيئاً، لأن هذا الجرح بغير اختياره ومن شروط كون المفطر مفطراً أن يكون باختيار الفاعل
ب- أما إذا كان هذا الجرح 
باختياره بأن فصد أو حجم فإن ذلك مفطر على القول الراجح. مجموع الفتاوى (19/ 248)

3- هل خروج الدم يفسد الصوم ؟
قال ابن باز:

ج : 
لا يضر الصائم خروج الدم إلا الحجامة ، فإذا احتجم فالصحيح أنه يفطر بالحجامة ، وفيها خلاف بين العلماء لكن الصحيح أنه يفطر. 
مجموع الفتاوى
 (15/ 271)

4- ما هي الحالات التي يبطل فيها خروج الدم الصيام ؟
قال ابن باز:

الصيام لا يبطل 
إلا بالحجامة على الصحيح. مجموع الفتاوى (15/ 272)

5- حكم ما خرج من البدن كالرعاف والجرح ؟
قال ابن باز:

ما خرج من الإنسان بغير قصد 
كالرعاف وكالجرح للبدن أو وطئه على زجاجة ، أو ما أشبه ذلك ، فإن ذلك لا يفسد الصوم ولو خرج منه دم كثير. مجموع الفتاوى (15/272- 273)

6- حكم خروج الدم اليسير من البدن هل ينقض الصيام؟
قال ابن باز:

لو خرج دم يسير 
لا يؤثر كتأثير الحجامة لا يفسد الصوم. 
مجموع الفتاوى
 (15/272- 273)

خروج الدم من الأنف والفم أثناء الصيام

7- ما الحكم إذا خرج من الصائم دم كالرعاف ونحوه؟ 
قال ابن باز:

خروج الدم من الصائم 
كالرعاف والاستحاضة ونحوهما لا يفسد الصوم. مجموع الفتاوى (15/ 273).

8- رجل أصيب بمرض الجيوب الأنفية، وأصبح بعض الدم ينزل إلى الجوف، والآخر يخرجه من فمه، فهل صومه صحيح إذا صام؟
قال ابن عثيمين:
إذا كان في الإنسان نزيف من أنفه وبعض الدم ينزل إلى جوفه، وبعض الدم يخرج 
فإنه لا يفطر بذلك، لأن الذي ينزل إلى جوفه ينزل بغير اختياره، والذي يخرج لا يضره. مجموع الفتاوى (19/ 356)

9- ما حكم خروج الدم من الصائم من أنفه أو فمه أو بقية جسمه بغير اختياره؟
قال ابن عثيمين:

ج :لا يضره خروج ذلك؛ لأنه بغير قصد
. مجموع الفتاوى (19/ 254).

10- ما  حكم  صيام من يصاب بالرعاف مدة شهر رمضان، ويقع له نزول الدم إلى الحلق ثم يدفعه جامدا؟
ج: إذا كان الأمر كما ذكر فصيامه صحيح؛ لأن إصابته بالرعاف ناشئة بغير اختياره فلا يترتب على وجودها الحكم عليه بالفطر.
اللجنة الدائمة (10/ 264)

11- رجل فوجئ بنزول دم من أنفه وفمه، وهو صائم رغم ذلك لم يفطر فما الحكم في ذلك؟
لا تأثير لما خرج من فمه وأنفه من الدم فجأة 
ما دام أمسك عن المفطرات إلى غروب الشمس، سواء قل ذلك أم كثر، فصومه صحيح وليس عليك قضاء.
اللجنة الدائمة 
(10/ 267)

خروج الدم من الأسنان أثناء الصيام

12- هل الدم الذي يخرج من بين الأسنان يفطر أم لا؟
الدم الذي يخرج من بين الأسنان لا يفطر
، سواء خرج بنفسه أو بضربة إنسان له. اللجنة الدائمة (10/ 267)

أحكام خروج الدم من الحلق في الصيام

13- أصيب والدي في  شهر رمضان بمرض في الحلق و حصل لديه نزيف من الحلق فهل يصح صيامه في الأيام التي خرج فيها النزيف؟
ج: إذا كان الأمر كما ذكر فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه.
 
اللجنة الدائمة 
(10/ 266)

خروج الدم من اللثة أثناء الصيام

14- حكم صيام من يخرج من لثته  دم عند مسحها و عند السواك؟
ج :صيامه صحيح وهذا الدم الذي يخرج من لثة الإنسان عند مسحها أو عند السواك لا يضر صومه. 
اللجنة الدائمة (10/ 265)

سحب الدم أثناء الصيام

15- ما حكم تحليل الدم للصائم؟
قال ابن عثيمين:

تحليل الصائم يعني 
أخذ عينة من دمه لأجل الكشف عنها والاختبار لها جائز ولا بأس به. مجموع الفتاوى (19/ 251)

قال ابن باز:
من الأمور التي لا تفسد الصوم  تحليل الدم 
لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط. مجموع الفتاوى (15/ 17)

16- ما حكم التبرع بالدم للصائم؟
قال ابن عثيمين:

الذي يظهر أن التبرع بالدم يكون كثيراً فيعطى حكم الحجامة 
ويقال للصائم صوماً واجباً لا تتبرع بدمك إلا إذا دعت الضرورة لذلك. مجموع الفتاوى (19/ 251)

17- هل يجوز للصائم أن يسحب دمه في المستشفى؟
قال ابن عثيمين:

أ- 
إذا كان الدم المسحوب قليلاً مثل الذي يُسحب للاختبار للتحليل فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.
ب-  
أما إذا كان كثيراً يؤثر كما تؤثر الحجامة فالصحيح أنه لا يحل له ذلك إذا كان صومه واجباً لأن هذا يفطر، وإن كان تطوعاً فلا حرج في هذا، لأن التطوع يجوز للإنسان أن يقطعه. مجموع الفتاوى (19/ 251).

خروج الدم من المرأة

18- ما حكم صيام امرأة حامل نزل منها دم في نهار رمضان ؟
قال ابن عثيمين:

أ- 
ما تراه الحامل من الدم يعتبر دم فساد، إلا إذا كانت حيضتها منتظمة على ما هي عليه قبل الحمل فإنه يكون حيضاً.
ب-  
وأما إذا توقف الدم ثم طرأ فإن المرأة تصوم وتصلي وصومها صحيح وصلاتها كذلك ولا شيء عليها، لأن هذا الدم ليس بحيض.
مجموع الفتاوى (19/ 256)

19- امرأة نزل منها الدم قبل أن تضع جنينها، ثم وضعت الجنين بعد أربعة عشر يوماً من شهر رمضان، فهل تقضي الأيام التي نزل معها الدم أم لا؟
قال ابن عثيمين:

ليس عليها قضاء في الأيام التي صامتها قبل أن تضع الجنين
، لأن هذا الدم ليس دم نفاس، وليس دم حيض، ويسمى هذا الدم وأمثاله عند العلماء دم فساد.
مجموع الفتاوى
 (19/ 259)

20- امرأة يخرج منها دم مصحوب بصفرة في غير عادتها الشهرية، وقد استغرق الشهر كله وصامت فهل يكفي صومها أم تقضي؟
قال ابن عثيمين:

إذا تطهرت المرأة من الحيض ونزل منها صفرة أو كدرة
، فإن هذالا يؤثر على صيامها ولا يمنعها من صلاتها، فتصلي وتصوم ويجامعها زوجها، وهي في حكم الطاهرات. مجموع الفتاوى (19/ 263)

21- امرأة أتتها الصفرة ومع الصفرة دماً يسيراً قبل نزول الدم الطبيعي بيومين فصامت اليومان فما حكم صيام اليومين ؟
قال ابن عثيمين:

الحيض 
هو الدم الذي ينزل من المرأة وهو دم طبيعي، كتبه الله على بنات آدم، ينزل في أوقات معلومة، وبصفات معلومة، وبأعراض معلومة، فإذا تمت هذه الأعراض وهذه الأوصاف فهو دم الحيض الطبيعي الذي تترتب عليه أحكامه، أما إذا لم يكن كذلك فليس حيضاً. مجموع الفتاوى (19/ 264)

المــراجــــــع:
مجموع فتاوى 
العلامة ابن باز
مجموع فتاوى اللجنة الدائمة
مجموع فتاوى 
العلامة ابن عثيمين

تويتر وانستقرام وسناب: feqheyat@
نُشر في تاريخ:

30 
شعبان 1436 هجري
الموافق: 18-
6-2015 مـــيلادي.

الرابط الأصلي

طُوبى لهؤلاء الصُوَّام

طُوبى لهؤلاء الصُوَّام
فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين…أما بعد: فقد وعد الله عز وجل الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالطوبى، قال سبحانه وتعالى: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طُوبى لهم وحُسن مئاب } [الرعد:29]

رمضان--10

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرح وقرة عين، وقال عكرمة رحمه الله: نعم مالهم، وقال الضحاك رحمه الله: غبطة لهم، وقال إبراهيم النخغي رحمه الله: خير لهم، وقال قتادة رحمه الله: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي أصبت خيراً.

فطوبى لصائم عرف فضل وقدر رمضان: شهر الخير والإحسان، والتجارة الرابحة مع الكريم الرحمن، فحرص أن تكون جميع أعماله قربةًً لله، فإن صام بالنهار أو قام في الليل فعل ذلك طاعةً للرحمن، لا محاكاة وتقليداً للأهل والخلان،

قال رسول الله علية الصلاة والسلام: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه ) [متفق عليه] وإن أكل أو شرب أو نام نوى بذلك تقوية بدنه على الصيام والقيام يرجو بذلك الثواب من الله.

وطوبي لصائم صام الصيام الصحيح فصامت جوارحه الظاهرة عما حرم الله، فامتنع لسانه من الكلام الفاحش من كذبٍ وغيبةٍ ولغو، وغضَّ بصره عن النظر إلى الحرام، وصمَّ أذنيه عن سماع ما لا يحل، فصامت الأذن والعين واللسان قبل البطن والفرج، لأنه يعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك الشهوات المباحة في غير الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرمه الله في كل حال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [أخرجه البخاري] وقال علية الصلاة والسلام: ( ربَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطشُ، وربَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر) [أخرجه أحمد]Ramadhan-000012

وطوبى أكثر وأكثر لمن أدرك أن الحكمة من الصيام هي تقوى الرحمن قال سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } [ البقرة:183] فوطن نفسه أن يكون صيام الجوارح طبيعة له وسجية بعد رمضان، لا يخرم ذلك إلا سهو ونسيان.

وطوبى لصائم اجتهد في الصيام والقيام وصالح الأعمال منذ بداية الشهر، فلما دخلت العشر، زاد اجتهاده ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، قالت: كانت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، شدَّ مئزرهُ وأحيا ليلهُ وأيقظ أهلهُ، وفي رواية لمسلم عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.

فهو يجتهد في العشر، لعلمه أنَّ آخر الشهر أفضل من أوله، ففي العشر ليلة القدر، من أحياها نال عظيم الأجر، قال الله عز وجل: { إنا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر } [القدر:1-3]

فالعمل الذي يقع فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها، وقال علية الصلاة والسلام: ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) [متفق عليه] ويكثر في ليالي هذا العشر من الدعاء بالعفو، قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال: ( قولي: اللَّهُمَّ إنك عفو تُحبُّ العفو فاعفُ عني ) [أخرجه الترمذي]

وطوبى له أكثر إن جاهد نفسه فجعل اجتهاده في العشر بالاعتكاف، فأحيا باعتكافه سنة هجرها كثير من الناس، ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاهُ الله.

وطوبى لصائم أكثر في هذا الشهر من تلاوة القرآن، مجاهداً نفسه في تدبر وفهم ما يقرأ، عازماً أن لا يكون أخر العهد بتلاوة القرآن ختام الشهر، بل يوطن نفسه أن يبدأ بعد رمضان في تلاوته متدرجاً حتى يختم في الشهر ما استطاع من ختمات على أن لا يختم في أقل من ثلاثة أيام، فتلاوة القرآن تشفع لصاحبها عند الرحمن، قال رسول الله علية الصلاة والسلام: ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ) [أخرجه مسلم] قال العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: القرآن…يشفع لمن أحل حلاله وحرامه واستقام على تعاليمه.

وطوبى لصائم صام رمضان وعزم أن يكون صيام التطوع، عادةً له بعد رمضان، فيبدأ بصيام ست من شوال، قال علية الصلاة والسلام: ( من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوالٍ، كان كصيام الدهر ) [أخرجه مسلم] ثم يستمر في صيام التطوع متدرجاً في الصيام من يوم إلى أيام منتهياً إن أعانه الله إلى أفضل الصيام: صوم يوم وإفطار يوم، فالصيام أجره عظيم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كلُّ عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) قال الإمام القرطبي رحمه الله: الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها وتضعيفها إلا الصوم، فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة بابً يُقال له الريان، يدخل منهُ الصائمون، لا يدخل منه غيرهم) وفي رواية( فإذا دخلوا أُغلق) وفي رواية( من دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: من ترك لله في الدنيا طعاماً وشراباً وشهوةً مدة يسيرةً عوَّضه الله عنده طعاماً وشراباً لا ينفذُ وأزواجاً لا يمتن أبداً.ليلة القدر لولو

وقد قال أبو أمامة رضي الله عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصيني قال: ( عليك بالصوم فإنه لا عدل له ) [أخرجه أحمد] فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رئي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم ضيف.

وطوبى لصائم قام رمضان، وعزم أن يجاهد نفسه بعد رمضان على قيام الليل ولو بشيءٍ يسير إلى أن تعتاد النفس ذلك، يدفعه لذلك طلب رضا الرحمن، وتكفير السيئات، قال عليه الصلاة والسلام: (قيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة) ثم تلا: { تتجافي جنوبهم عن المضاجع } [السجدة:16] [أخرجه الإمام أحمد وغيره] قال بعض السلف: قيام الليل يهون طول القيام يوم القيامة، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: كم من قائم لله تعالى في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله عز وجل للعابدين غداً!

وطوبي لصائم، جاد بما أعطاه الله في رمضان ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.) وقال عليه الصلاة والسلام: ( من فطر صائماً فله مثلُ أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء) [ أخرجه أحمد والترمذي] وطوبى أكثر إذا عزم أن يستمر في جوده وعطائه بعد رمضان، فيجود بما وهبه الله من: علم، ومال، وجاه، لنفع إخوانه المسلمين.

وطوبى لصائم أدرك أن شهر رمضان لا يعني تسمين الأبدان، وإنما هو موسم لتقليل الطعام والشراب، فمن أسرف في ذلك ثقلت عليه الطاعات، وتكدر عليه نومه، وأصابه الكسل في نهاره، ومن أخذ حاجته انتفع بطعامه وشرابه، وسلم من تبعاته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما ملا آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم أُكُلات يُقمن صُلبه، فإن كان لا محالة، فثُلث لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنفسه) [أخرجه أحمد والترمذي] قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: روى أنَّ ابن ماسويه – الطبيب- لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة، قال:” لو استعمل الناس هذه الكلمات، سلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت..دكاكين الصيادلة” وإنما قال هذا، لأن أصل كل داءٍ التُّخم…فهذا بعض منافع تقليل الغذاء..بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته، وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه: فإن قلة الغذاء توجب رقَّة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء توجبُ ضدَّ ذلك، كتب سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويقلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل.

وطوبى أكثر وأكثر لصائم غافل استيقظ من غفلته، وقام من رقدته، فهو يرى أقرانه وأحبابه يؤخذون، وفي القبور يوضعون، فلا يدرى متى يكون معهم، فقد يصبح ويكون في المساء رفيقاً لهم، وقد يمسى ويكون في الصباح جاراً لهم، فتخيلهم والكرب يغشاهم، { وجاءت سكرةُ الموت بالحقِ ذلك ما كنتَ منهُ تحيدُ } [ق:19] فيا لها من ساعة لا تشبهها ساعة، يندم فيها أهل التقى فكيف بأهل الإضاعة، ساعة يجتمع فيها شدة الموت إلى حسرة الفوت، عند ذاك تنبه هذا الصائم المفرط، فقال لنفسه: إن كان هؤلاء لا يستطيعون أن يقدموا لأنفسهم شيئاً، فإن الرحيم قد أبقاك، فلتتدارك ما فاتك، فكل يوم يمر يقربك من أجلك، وذنوبك في ازدياد، ومعاصيك أكثر من رمل كثيب، قد امتلأ بها كتابك، والنار للعصاة خُلقت، فلتخشي العواقب، ولتعلِم أنك مسئول عن أفعالك، محاسب على أعمالك، ولا نجاة من النيران مع الإقامة على الذنوب والعصيان، فعزم عند ذاك على التوبة والإنابة، فقرن ذنبه بالاعتذار، وتلاه باستغفار آناء الليل وأطراف النهار، وبكى على الذنوب الماضية، وندم على الخطايا السابقة، وخرج من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، فكان هذا الشهر بداية حياةً جديدةً له، فطوبى له، ونسأل الله الثبات.

وطوبى لصائم إذا اقترب فراق الشهر، تألم قلبه، وحزنت نفسه، على فراق شهره، فهو لا يدري أكان فيه من المقبولين أم من المحرومين ؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثمَّ يهتمُّون بعد ذلك بقبوله ويخافون من ردِّه، وهؤلاء الذين { يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة } [المؤمنون:60] رُوي عن علي، قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: { إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة:27]

وطوبى لصائم إذا هلَّ شهر شوال، أكثر من الاستغفار، فبالاستغفار تختم الأعمال، قال لقمان لابنه يا بنيَّ عوِّد لسانك الاستغفار، فإن لله ساعاتٍ لا يردُّ فيهن سائلاً. ومع الاستغفار يسأل الله أن يعينه على لزوم الطاعة بعد رمضان، فما أجمل الطاعة بعد الطاعة، ومن علامات قبول الطاعة الاستمرار والثبات عليها، جعلنا الله وإياكم وجميع إخواننا ذلك الصائم.

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
الرابط الأصلي

شرح كتاب عمدة الأحكام – كتاب الصيام PDF

 

تزكية النفوس في شهر الصوم والصبر

تزكية النفوس في شهر الصوم والصبر

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين…أما بعد:
فالإنسان من طبيعته الظلم والجهل، قال الله جل جلاله: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً } [الأحزاب:73] فمن مظاهر جهل الإنسان أنه لا يرى عيوب نفسه ومساوئها، بل قد يشتد به حُبّه لنفسه حتى يرى مساوئها محاسن كما قال الله تعالى: { أفمن زُيّن له سُوء عمله فراه حسناً } [سورة فاطر/8] ولو رفع حجب الجهل عن نفسه، لعلم أن النفس البشرية فيها شرور، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين بن المنذر: ( قل: اللهم ألهمني رُشدي، وقني شرِّ نفسي) [أخرجه أحمد والترمذي] وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبة الحاجة: ( الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ) [أخرجه أحمد، وأصحاب السنن] فالنفس فيها شرور، وشرور لا تخطر على بال الكثيرين، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: سبحان الله في النفس: كبرُ إبليس، وحسد قابيل، وعُتُوُ عاد، وطغيانُ ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان، وحيل أصحاب السبت، وتمرُّدُ الوليد، وجهل أبي جهل…وقال: سبحان الله في النفس…من أخلاق البهائم : شره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجُعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، وفسقُ الفارة، وخُبثُ الحية، وعبث القرد، ومكر الثعلب، وخفَّةُ الفراش.رمضان--10

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : أكثر الخلائق على طبع رديء…إذا أصبحوا سعوا في تحصيل شهواتهم، بحرص خنزير، وتبصيص كلب، وافتراس أسد، وغارة ذئب، وروغان ثعلب.

ومن رحمة الله عز وجل بعباده أن أرسل لهم رسول يزكي نفوسهم ويهذبها من تلك الشرور والأخلاق الرديئة، قال الله عز وجل: { كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ما لم تكونوا تعلمون } [البقرة:151] قال العلامة السعدي رحمه الله: { يزكيكم} أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيها عن الأخلاق الرذيلة.

والناس بما جاءت به الرسل من تزكية النفوس على قسمين:
القسم الأول: قسم ظفروا بأنفسهم، فقهروها فصارت طوعاً لهم مُنقادةً لأوامرهم.
فهؤلاء عليهم أن يشكروا الله على نعمته، فتزكية النفوس من فضل الله ورحمته، يُزكي من شاء من عباده، قال الله سبحانه وتعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحداً أبداً ولكن الله يُزكي من يشاء والله سميع عليم } [النور:21] وينبغي لهم أن لا يظهروا ذلك أمام الناس، فذلك غير نافع لههم، فالله هو المطلع على ما في النفوس، وهو الذي سيجازي من تزكى، وليس الناس، قال عز وجل: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتقى } [النجم:32]

وماتقدمو

القسم الثاني: من ظفرت به نفسه، فملكته وأهلكته، وصار طوعاً لها تحت أوامرها.
فهؤلاء بحاجة ماسة لتزكية نفوسهم حتى لا يهلكوا، لأن نفوسهم إذا لم تتطهر من عيوبها وآفاتها مرضت، وأمراض النفوس أشدُّ من أمراض الأجساد، وما يعيشه كثير من الناس من الآم نفسية، وأحزان وهموم، وقلق، وخوف، واضطراب، من أسباب ذلك الغفلة عن تزكية النفوس، فالمسلم يحتاج لتزكية نفسه، حتى يرضى عنه خالقه، ويسعد في نفسه، ويرتاح مع الآخرين.

وأكبر معين على تزكية النفس بعد توفيق الله عز وجل: طاعة الله، وترك الذنوب، وهذا يحتاج إلى مجاهدة وصبر، وشهر رمضان شهر الصبر، فالصيام من الصبر، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله عز وجل، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم فإن فيه صبراً على طاعة الله وصبراً عمَّا حرم الله على الصائم من الشهوات وصبراً على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن.

فشهر رمضان فرصة سانحة لمن أراد أن يزكي نفسه، فصبره طوال ساعات النهار عن شهوات نفسه الحسية، يعطيه دافع لتزكيتها، فالصيام أكبر معين بعد توفيق الله على تزكية النفوس، قال سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } [البقرة:183] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول الله تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام…لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة.

ومما يُعين على تزكية النفس: قراءة كتب العلماء الذين كان لهم إسهام في الكتابة في موضوع تزكية النفوس، وعلى رأس أولئك: العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله، فقد حرَّرا فيه تحريراً بالغاً، حتى لم يخل مؤلف له على الوجه الأغلب من بسطه، والحديث عنه، حسبما جاء عن الله ورسوله والصحابة والتابعين والسلف الصالح فعليه من الله الرحمة والرضوان، فيحسن بالمسلم ألا تخلو مكتبته من كتبه، وأن يكثر من القراءة فيها، فسوف يستفيد فائدة كبيرة.

تقوى2

ومن وفق لتزكية نفسه فإن نفع ذلك يعود عليه في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: { جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار وذلك جزاءُ من تزكى } [طه: 76] وقال الله عز وجل: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه}[فاطر:18]

ومن وفقه الله لتزكية نفسه فقد أفلح وفاز، قال عز وجل: { ونفس وما سواها * فألهما فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاه} [الشمس:7-9] قال الإمام البغوي رحمه الله: أي فازت وسعدت نفس زكاها الله، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

الرابط الأصلي

اعتكاف القلب والبدن

اعتكاف القلب والبدن

فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين…أما بعد:

فشهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالمغفرة والرضوان. والرحمة والعتق من النيران, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُبشرُ أصحابه بقدومه, كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه, فهو زمان فاضل للتجارة الرابحة مع الكريم الرحمن.

دعاء للأبناء2

وكل زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهارٍ فإن آخره أفضلُ من أوَّله, كيوم عرفة, ويوم الجمعة, وشهر رمضان آخره أفضل من أوله, فالعشر الأواخر منه أفضل من العشرين الأولى, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها, كما خرجه الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما, وفي الصحيحين عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره, وأحيا ليله, وأيقظ أهله.

فينبغي التأسي بالرسول علية الصلاة والسلام والاجتهاد في هذه العشر, بأنواع الطاعات والعبادات, فقد كان علية الصلاة والسلام يخُصُّ العشر الأواخر بأعمالٍ لا يعملها في بقية الشهر.

ومن تلك الأعمال: الاعتكاف, وهو لُزومُ مسجدٍ لطاعة الله, لقوله تعالى : { وأنتم عاكفون في المساجد } [البقرة: 187]

والاعتكاف موجود في الشرائع السابقة كما هو في شريعتنا, قال تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [البقرة:121] وقال سبحانه وتعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود } [الحج:26]Ramadan-]

والاعتكاف من أفضل القرب والطاعات, وهو سنة في رمضان, وتتأكد سنيته في العشر الأواخر منه.

وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ليتفرغ لطاعة الله عز وجل, ولإدراك ليلة القدر, التي من وفق لقيامها إيماناً واحتساباً فقد سعد وفاز, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً, فقد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه ) [متفق عليه]

الاعتكاف عبادة قلً من يقوم بها, مع أن رسول الله صلى الله عليه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله كما في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين.

وبعض المعتكفين لم يتنبهوا إلى فقه الاعتكاف ومقصوده وروحه, فالنوم, وكثرة الخلطة, والحديث مع الأصحاب, هو الغالب عليهم, فلم يستفيدوا كثيراً من اعتكافهم, قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ينبغي أن يعلم المعتكف أنه ليس المرادُ من الاعتكاف أن يكون سحوره وفطوره في المسجد فقط, إنما المراد من الاعتكاف أن يتفرغ للطاعة, وأن ينتظر ليلة القدر…ولا بأس أن يتحدث قليلاً إلى أصحابه الذين معه في الاعتكاف, أو الذين يدخلون لزيارته, فإنه قد ثبت أن النبي علية الصلاة والسلام كان معتكفاً فزارته صفية – إحدى زوجاته رضي الله عنهن- لكن لا يعني ذلك أن يجعل الإنسان أكبر وقت في اعتكافه أن يتحدث إلى أصحابه, كما يوجد في بعض المعتكفين في المسجد الحرام, أكثر أوقاتهم التحدث فيما بينهم, فإن لم يكن فالنوم, نوم, وحديث, فأين الاعتكاف؟الصلاة

الاعتكاف عبادة يزداد فيها المعتكف إيماناً, وتقوى صلته بالله عز وجل, ومن فوائد الاعتكاف:

* إدراك ليلة القدر, وفرق كبير, وبون واسع, بين من يدرك ليلة القدر وهو منشغل بدنياه في منزله وسوقه, وبين من يدرك ليلة القدر وهو معتكف في المسجد منقطع عن مخالطة الناس, متفرغ لمناجاة الله وذكره ودعائه, لا تراه إلا مصلياً داعياً ذاكراً تالياً للقرآن, يرجو عفو الله, ويسأله أن يوفقه لقيام ليلة القدر, لسانه لا يفتر عن الدعاء الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنهما عندما سألته : أرأيت إن وافقت ليلة القدر, ما أقول فيها ؟ قال: ( قولي: اللهم إنك عفو تُحبُّ العفو فاعفُ عني ) [أخرجه الترمذي]

* حفظ الصوم من كل فسوق ومعصية تُسمعُ أو تُرى أو تُقال.

* الصبر على طاعة الله, مما يُعينه بعد انتهاء الاعتكاف على الاستمرار على تلك الطاعات التي كان يفعلها في اعتكافه.

* العون على أداء العبادات على وجه ينتفع بها القلب لانقطاع المعتكف عن جميع الملهيات والمشغلات التي كنت تصده عن أداءها كما ينبغي وهو خارج الاعتكاف, فمن وفقه الله وأعانه صلي بخشوع وطمأنينة, وقرأ القرآن الكريم بتدبر, ودعا بحضور قلب, وذكر الله بقلبه ولسانه.

* العون على أداء نوفل العبادات, من: السنن الرواتب وصلاة الضحى, والتقدم للصف الأول, والقرب من الإمام, ومتابعة المؤذن, والإتيان بالأدعية الواردة بعد الأذان, والدعاء بعد الأذان, وإدراك تكبيرة الإحرام, والإتيان بالأذكار الواردة بعد الصلاة, والإتيان بأذكار الصباح والمساء, والبقاء – إن تيسر له- بعد صلاة الفجر في مصلاه إلى أن تطلع الشمس وترتفع قيد رمح, ثم يصلى ركعتين, فقد جاء في السنة أن من فعل ذلك له فضل كبير.

فهذا المعتكف استفاد من اعتكافه, وهذا يكون لمن وفقه الله عز وجل, فأخلص في اعتكافه, وقلل من النوم, والخلطة, والحديث مع الناس, وتفرغ لطاعة الله عز وجل, وكان معتكفاً بقلبه وجسده, وهذا هو روح الاعتكاف ومقصوده.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الاعتكاف..مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى, وجمعيته عليه, والخلوة به, والانقطاع عن الاشتغال بالخلق, والاشتغال به وحده سبحانه, بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته, فيستولي عليه بدلها…فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق, فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له, ولا ما يفرح به سواه.

فطوبى لمن لازموا المساجد في العشر الأواخر من رمضان لطاعة الله إذ الناس غافلون, وطوبى لمن كان من المعتكفين منشغلاً بالعبادة والطاعة إذا رفاقه نائمون ساهون, وطوبى لمن سكب العبرات, وأكثر من المناجاة, وسأل الله العفو وكريم الصفح, وطوبى لمن استمر بعد الاعتكاف على الطاعات والعبادات التي كان يقوم بها في اعتكافه, وطوبي لمن جعل من طول مكثه في المسجد في الاعتكاف بداية أن يكون قلبه بعد الاعتكاف معلق بالمساجد فيكون من السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة في ظله.

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

الرابط الأصلي

 

 

كيف نقرأ القرآن الكريم في رمضان

كيف نقرأ القرآن الكريم في رمضان

د / أنس الغنام

بسم الله الرحمن الرحيم

من أفضل الأعمال التى شرعها لنا الإسلام في رمضان أن نتلو القرآن الكريم ، ونتدبر آياته؛ لأن رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) البقرة 85 ، وهذه مزية لهذا الشهر الكريم لا تعدلها مزية ، لذلك سماه سلفنا الصالح شهر القرآن ، فهو الشهر الذى نعيش فيه مع آيات الله عز وجل ، ننهل من معينها ، ونرتشف من رحيقها ، ونعيش في ظلالها ، ونتعلم أحكامها ، ونتدبر معانيها.سورة_الفاتحة

وتلاوة القرآن الكريم لها فضل عظيم ، وأجر كريم. فهي التجارة الرابحة مع الله – عز وجل – والتى لا يضيع ثوابها ، ولا يبور جزاؤها قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ).

ومن فضل هذه التلاوة أن بكل حرف تقرؤه من كتاب الله بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»([1])، ، ولكي نحصل هذا الجزاء كاملا وافيا ينبغي علينا أن نلتزم بالآداب التالية :

1- أن نقرأ القرآن على طهارة :الوضوء
فهذا أول أدب من آداب التلاوة ، وهو المتناسب مع جلال القرآن الكريم وعظمته، إننا نتلو كلام الله عز وجل الذى أنزله على عباده ليكون هداية لهم، فهو أعظم كلام ، وأشرف هَدْي؛ لذلك ينبغى أن نكون على أشرف الأحوال وأكملها من طهارة البدن والثياب، وهذه الطهارة مستحبة وليست واجبة، قال الإمام النووي ” يستحب أن يقرأ وهو على طهارة فإن قرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة قال إمام الحرمين ولا يقال ارتكب مكروها بل هو تارك للأفضل ” ([2])0

2- أن نستقبل القبلة :
إننا عندما نستقبل القبلة ، فإننا نستقبل وجه الله عز وجل بدليل قول النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلاَ يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى»([3]).

وعندما نقرأ القرآن الكريم فإن الله يكلمنا بكلامه ، ويخاطبنا بحديثه ، ومن حسن الأدب أن استقبل من يكلمني ، ويوجه خطابه إلي ، فإن هذا الاستقبال يجعلك تستشعر أن الله عز وجل أمامك ويجعلك تستحضر وقوفك بين يديه ، وهذا له أثر كبير في خشوع القلب وسكون النفس عند التلاوة.

3- اختيار الأماكن الهادئة: القرآن والمسبحة
الغرض من التلاوة هو خشوع القلب ، والفهم والتدبر للآيات ، وهذا لا يتأتى إلا في الأماكن التى لا ضوضاء فيها ، ولا جلبة وصياح ، لذلك ينبغي اختيار المكان الذي لا يتشوش فيه فكرك ، ويتشتت فيه عقلك ، وخير هذه الأماكن هو المسجد ، لذلك كان أفضل مكان لتلاوة القرآن هو المسجد حيث فيه الهدوء والسكينة ، وتتنزل فيه الرحمات والبركات ، قال رسول الله صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) ([4]) ، كما أن المسجد فيه استشعار أنك بحضرة الله عز وجل في بيته ، مستقبلا قبلته ، تاليا كتابه ، منطرحا بين يديه ، وهذا له أكبر الأثر في خشوع قبلك وسكون جوارحك.

4- اختيار الأوقات المناسبة :
اختر الوقت المناسب ، الذى تشعر فيه بهمتك ونشاطك وإقبالك على تلاوة القرآن الكريم ، وكذلك ينبغى اختيار الوقت الذى تشعر فيه بصفاء قلبك ، وفراغ ذهنك حتى تستطيع تدبر آيات القرآن الكريم وفهم معانيها ، واستشعار حلاوتها ، وأفضل هذه الأوقات هي ساعات الليل حيث الهدوء الكامل ، والسكون التام والذي يعينك على تدبر الآيات ، وقد أرشدنا الله عز وجل إلى ذلك حيث قال (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) المزمل 6 ، ومعنى الآية كما قال المفسرون : أن ساعات الليل يكون فيها اللسان مواطئا للقلب متوافقا معه ، أى ما يقوله اللسان من تلاوة أو ذكر يكون سهل الفهم والتدبر من القلب ، وذلك لهدوء الليل ، وانقطاع الأصوات فيه ([5]).

كما ألمح النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تلاوة القرآن بالليل، فقال :«الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان له»([6]) ، فالقرآن يقول منعته النوم بالليل يشير إلى أن هذا العبد كان يتلوه بالليل سواء كان في الصلاة أو في خارجها0

5- قراءة القرآن بخشوع وتدبر:
المقصود الأعظم من تلاوة القرآن الكريم هو فهم معانيه وتدبر آياته ، ونحن لا نتلو القرآن الكريم إلا لنعرف أوامر الله فنفعلها ، ونعرف نواهيه فنبتعد عنها ، قال تعالى ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ص 29 ، وإن أي تلاوة بلا فهم أو تدبر هي تلاوة ضعيفة الجدوى قليلة الأثر ، وإن مما يعينك على الفهم والتدبر أن تبحث عن كل كلمة لا تعرف معناها ، أو آية لا تعرف مغزاها وذلك من خلال كتب التفسير المبسطة ، أو المصاحف التى يكتب في حواشيها تفسير موجز للآيات ، فهذا من أيسر السبل التى تعينك على فهم الآيات وتدبر معانيها.Quraan-0001

لذلك ينبغى أن يكون همك هو تدبر الآيات وفهمها ، حتى ولو قرأت بضع آيات فهذا أفضل وأكمل من أن تقرأ مئات الآيات قراءة متعجلة بلا فهم أو تدبر ، وهذا ما أرشدنا إليه سلفنا الصالح ، قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري ” وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إنى سريع القرآءة، وإنى أقرأ القرآن فى ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة فى ليلة فأتدبرها وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول. وقال مرة: خير من أجمع القرآن هذرمة، وأكثر العلماء يستحبون الترتيل فى القراءة ليتدبره القارئ ويتفهم معانيه. روى علقمة عن ابن مسعود قال: لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. وذكر أبو عبيد أن رجلاً سأل مجاهداَ عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد، أيهما أفضل؟ قال: الذى قرأ البقرة. وقرأ: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) [الإسراء: 106]” ([7]).

6- حسِّن صوتك بالقرآن :
تحسين الصوت بالقرآن من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند التلاوة ، لأنها تعطي لذة وحلاوة للتلاوة ، كما أنها تعين على التدبر والخشوع ، وتحسين الصوت بالقرآن هو وصية النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حيث قال : «زينوا القرآن بأصواتكم»([8])، كما أخبرنا أن الله – عز وجل- يحب سماع الصوت الحسن عند التلاوة ، وهذا فضل ما بعده فضل ، وشرف ما بعده شرف ، قال صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»([9]) ، وقد كان النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يثنى على أصحاب الصوت الحسن من أصحابه فقد قال لأبى موسى الأشعري: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» ([10])، وهذه إشارة منه إلى قيمة الصوت الحسن في الإعانة على تدبر القرآن الكريم ، والخشوع الكامل عند تلاوته.

7- البكاء أو التباكي عند التلاوة:
البكاء عند تلاوة القرآن هو هَدْي الصالحين ، وشعار أولياء الله المتقين ، وقد وصفهم الله في القرآن الكريم بأنهم يبكون عند سماع آيات الله تُتلى عليهم ، قال تعالى (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) الإسراء 107-109 وقال أيضا (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) مريم 58طفلة مع القرآن

يقول الإمام النووي عن البكاء عند تلاوة القرآن : ” وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته ، وفي رواية أنه كان في صلاة العشاء فتدل على تكريرة منه وفي رواية أنه بكى حتى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف ، وعن أبي رجاء قال رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع ، وعن أبي صالح قال قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه هكذا كنا ، وعن هشام قال ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية والله أعلم. قال الإمام أبو حامد الغزالي البكاء مستحب مع القراءة وعندها وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ، ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص ، فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب “([11]).

هكذا كان النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأصحابه يبكون عند تلاوة القرآن الكريم ، وذلك لأنه كان يمس شغاف قلوبهم ، ويصل إلى طوايا نفوسهم ، فيؤثر فيها أثرا بليغا ، ويظل هذا الأثر يتصاعد إلى أن يصل إلى حد البكاء من خشية الله – عز وجل-.

والبكاء عند تلاوة القرآن نعمة من أجل النعم التى ينعم الله بها على أحد من عباده وذلك ؛ لأنها دليل الخوف ، وبرهان التقوى ، ولكن كثيرا من الناس قد لا تواتيهم الدموع ، ولا تسيل على وجناتهم العبرات ، لذلك عليهم أن يتباكوا ، أي يستجلبوا البكاء ويُشعِروا أنفسهم به ، ويكونون في حالة المتباكي ، ويظلون هكذا حتى يمن الله عليهم بالبكاء من خشيته ، وإسالة الدمع من مخافته.

8- التفاعل مع آيات القرآن الكريم:
إننا نقرأ القرآن الكريم لنعيش في ظلاله ، ونتفاعل مع آياته ، وهذا التفاعل إنما يكون بفهم معانيه ثم فعل ما يناسب المقام الذي وردت فيه الآية ، فإذا تلوتَ آية فيها وصف للجنة دعوتَ الله عز وجل أن يجعلك من أهلها ، وإذا تلوت آية فيها رحمة دعوت الله أن يشملك بها ، وإذا مرت عليك آية عذاب دعوت الله أن يجنبك إياه ، وإذا مرت عليك آية فيها استغفار استغفرت ، أو تسبيح سبحت أو سؤال سألت ، أو آية فيها سجدة سجدت ، وهذا هو ما علمنا إياه النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ000 الحديث([12]).

ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله ، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب ، أو يقول اللهم إني أسألك العافية أو أسألك المعافاة من كل مكروه أو نحو ذلك ، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال سبحانه وتعالى أو تبارك وتعالى أو جلت عظمة ربنا”([13]).

وهذا التفاعل يدل على حسن فهمك ، وكمال تدبرك ، وتمام يقظتك. إننا لا نقرأ القرآن الكريم لمجرد التلاوة فقط ، وإنما نقرأه لنتفاعل معه ونعيش في رحابه ، ونرتشف من رحيقه ، وهذا هو المطلوب من كل مسلم.

9- كرر الآية التي يخشع قلبك عندها:
إن خشوع القلب عند قراءة آية بعينها يعد غنيمة لابد من قنصها ، وصيد ثمين لابد من الإمساك به ، وهو منحة من الله عز وجل – لابد من قبولها ، فخشوع القلب هو حالة إيمانية ترتفع بصاحبها إلى الملكوت الأعلى وهو على الأرض ، ولكي يحافظ على هذه الحالة الإيمانية فإنه ينبغي عليه تكرار الآية حتى يشبع منها ، ويملأ قلبه بجلالها ، وقد كان النبي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا فعن أبي ذر، قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها» والآية: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] ([14]).

والحمد لله رب العالمين

————————————
([1]) الترمذي ( 2910 ) ، وصححه الألباني
([2]) التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي 0 صـ73
([3]) البخاري ( 406 )
([4]) مسلم ( 2699 )
([5]) ينظر : فتح القدير للشوكاني 5/380
([6]) مجمع الزوائد ( 5081 ) ، وقال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح.
([7]) شرح صحيح البخاري لابن بطال 10/272-273
([8]) ابن ماجه (1342 ) ، وصححه الألباني
([9]) البخاري (7544 )
([10]) مسلم ( 793 )
([11]) التبيان في آداب حملة القرآن 0 صـ 86-88
([12]) مسلم (772)
([13]) التبيان في آداب حملة القرآن 0 صـ 91
([14]) ابن ماجه ( 1350 ) وحسنه الألباني

الرابط الأصلي

التعبد لله في رمضان

التعبد لله في رمضان

د. محمد بن عدنان السمان
alsmman1@

بسم الله الرحمن الرحيم

إن من أعظم النعم التي امتن الله بها على أمة الإسلام في مثل هذا الوقت؛ نعمة صيام شهر رمضان, فالحمد لله الذي بلغنا هذا الشهر العظيم, وإنها -والله- نعمة من الله تعالى تستحق الشكر, يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر, كم من مستقبل يوما لا يستكمله, ومؤمل غدا لا يدركه, إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره”.

رمضان--10

و لو تأملنا التعريف الشرعي للصيام لوجدنا أن أهل العلم عرفوه بأنه التعبد لله -سبحانه وتعالى- بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

فالصيام إذاً تعبد وعبادة لله -سبحانه- وهذا الأمر أعظم مقاصد رمضان, قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183], فأنت -يا أخي المسلم- تترك الطعام والشراب والشهوة؛ تعبدا لله ومراقبة له -سبحانه وتعالى-, كان بإمكانك أن تأكل أو تشرب دون أن يراك أحد من البشر, لكنك تترك ذلك خوفاً من الله ومراقبة له.

لهذا استحق الصائمون أن يُكرموا من ربنا بالمنة الكبرى كما في الحديث القدسي الصحيح: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” فالصوم عمل خفي لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- فهو نية قلبية بخلاف سائر الأعمال فإنها تظهر ويراها الناس, أما الصيام فإنه عمل خفي بين العبد وبين ربه -عز وجل- ولهذا يقول: “الصوم لي وأنا أجزي به, إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي” وكونه ترك شهوته وطعامه من أجل الله بحيث لا يعلم ذلك إلا الله -سبحانه وتعالى-, بخلاف الصدقة مثلًا والصلاة والحج والأعمال الظاهرة, هذه يراها الناس أما الصيام فلا يراه أحد.Ramadhan-000010

هذا المعنى العظيم يقودنا لمراقبة الله تعالى في كل وقت وفي كل حين, فمن استطاع في ساعات ولمدة شهر كامل أن يترك المفطرات تعبداً لله ومراقبة له؛ فهو قادر بإذن الله أن يدع سائر المحرمات في جميع أيام العام تعبداً لله ومراقبة له, ومن يستعن بالله يوفقه ربه لكل خير.

إن هذا المعنى الجليل أعني معنى التعبد لله في رمضان يقودنا إلى التأكيد على مفهوم العبودية لله والانقياد له بالطاعة, والناظر للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قدوتنا وأسوتنا يجد للعبادة المكان الأسمى في هذا الشهر الكريم شهر رمضان.

وإذا كان عبادة الصيام في رمضان هي أجل العبادات وأعلاها منزلة ففي الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ صامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”, إذا تأكد ذلك فليعلم أنه في رمضان جملة من العبادات تتأكد فيه.

إن من أعظم العبادات في رمضان الإقبال على القرآن تلاوة وحفظاً وتدبراً ومدارسة, فقد ربط الله تعالى في كتابه الكريم بين صوم رمضان والقرآن الكريم, فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185], وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر:1].وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الدخان: 3].

ووصف لنا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- حال النبي -صلى الله عليه وسلم- مع القرآن في رمضان فقال: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ, وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ, وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ, فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”.

فانظر -وفقك الله- إلى نفسك وفي حالك مع القرآن, وكم من الوقت الذي تمضيه في قراءة القرآن وتدبره, واعلم أنه بقدر قربك من القرآن الكريم يكون قربك من ربك -تبارك وتعالى-, يقول عثمان -رضي الله عنه-: “لو سلمت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم”.

في رمضان مجال واسع لترتقي بعلاقتك بالقرآن الكريم, ففي الصلوات الجهرية المفروضة تسمع القرآن, وفي التراويح والقيام تسمع القرآن, وهناك متسع من الوقت في المساجد والمنزل أن تقرأ القرآن, وأن تحفظ شيئاً من القرآن, وأن تتدبر القرآن.

إن اقبال المسلم على القرآن عبادة جليلة تزيد في حسناته الشيء الكثير, عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول ألم حرف, ولكن ألف حرف, ولام حرف, وميم حرف” [رواه الترمذي].

القرآن والمسبحة

يا له من فضل كبير من الرحيم الرحمن أن يكون لك بالحرف الواحد الذي تقرأه من القرآن عشر حسنات فـ (آلم) فيها ثلاثون حسنة, فكيف بمن يقرأ أكثر وأكثر حسنات مضاعفة وأجور كبيرة (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين: 26].

وإن من أعظم العبادات في رمضان عبادة صلاة الليل أو ما يسمى بصلاة التراويح والقيام, قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: “واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام, وجهاد بالليل على القيام, فمن جمع بين هذين الجهادين وُفِّي أجره بغير حساب”. ولقد بشر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين أنه “مَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”.

وينبغي على المسلم أن يحرص على قيام رمضان في جماعة, والبقاء مع الإمام حتى يتم الصلاة, فإنه بذلك يفوز بثواب قيام ليلة كاملة, وإن كان لم يقم إلا وقتاً يسيراً من الليل, والله تعالى ذو الفضل العظيم, في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي ذَرّ -رضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ” [رواه الترمذي].

إن صلاة التراويح مع جماعة المسلمين فيها من الخير والأجر ما قدمنا, بالإضافة أن فيها مصالح كثيرة من اجتماع المسلمين على الخير واستماعهم لكتاب الله وفيها التعبد لله بالصلاة والركوع والسجود والذكر والدعاء والتضرع لله تعالى.

إن هذا الجمع المبارك يحظون بأجور مضاعفة, إنهم يرجى أن يكونوا ضمن الموصفين بما وصف الله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور: 36- 38].

ومن البشائر التي يحظون بها ماجاء في الحديث المخرج في الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “صَلاَةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ- مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ” [رواه البخاري ومسلم].

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا…

الرابط الأصلي