إلماحة من حياة الدكتور ذاكر نائك

إلماحة من حياة الدكتور ذاكر نائك

وليد بن عبده الوصابي  @d595941e4ca6400

بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور المفوّه المناظر الكبير: ذاكر نايك، كانت آماله وطموحاته أن يكون طبيباً؛ لأن في لسانه حبسة لا يجيد التخاطب مع الناس، بل لم يكن يحسن نطق اسمه سليماً!

DR_Zakir

فقد كان يُتأتئ ويفأفئ كثيراً، حتى هيأه الله -وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه-.

أراد الله أن يكون الدكتور نايك نظاراً عالمياً، وذهبت منه حبسة لسانه، وانطلق لسانه، وسال بيانه، بما يمليه جنانه.

يقول عن نفسه: في الطفولة كانت عندي مشكلة في الكلام، والتأتأة في النطق، ولم أكن أحلم أن أتكلم أمام ٢٥ شخصاً، وهذا من فضل ربي وحده ليس بذكائي فهناك غيري من يملك الفصاحة أحسن مني، ولكن كل ما حققته فضل من الله وحده.

قلت: وأنا أتذكر هنا دعاء موسى عليه السلام حين قال: “واحلل عقدة من لساني؛ يفقهوا قولي” فإن العجمة؛ مصرفة للناس عن دعوتك؛ لأن طريق التبليغ يكون ضعيفاً، فيجتمع للمدعو ثُقلان: ثقل الرسالة وهي حمل المدعو على ترك ما اعتاده من القبائح، وثقل الأسلوب الذي تدعو به المدعو، فربما ضجر وتأفف، وغادر المكان حيث لا عودة!

وعندي أن ثقل الأسلوب، يتناول معنيين:
-الأول: الثقل، بالنسبة لخشونة الأسلوب، وسوء الأخلاق، والنظرة الهلكية للآخرين، وهذا ما عناه العلامة الألباني -رحمه الله- عندما قال: (لا تجمع على المخالف؛ ثقل الحق، وثقل الأسلوب).
-والمعنى الثاني: هو سوء التعبير، كما قيل: (والحق قد يعتريه سوء تعبير)

وهو ما دعا به نبي الله موسى عليه السلام: “واحلل عقدة من لساني” وهذا معلوم، فإنه على مدار التاريخ، ولا يتسنم المناظرات إلا الفصيح البليغ المنطيق المصقع.

وقد كان بعض العلماء على جانب كبير من العلم والمعرفة، ولكنه لا يجيد المناظرة؛ لثقل في لسانه، أو تعتعةٍ في بيانه، وهكذا.

وذكروا من هؤلاء الإمام أحمد بن يحيى ثعلب، فقد كان -رحمه الله- يتجنب المواجهة مع قرينه وقريعه محمد بن يزيد المبرد؛ لغلبة المبرد عليه في البيان، وفصاحة اللسان! قال ذلك ختن ثعلب حينما سئل عن ذلك، فأجاب بنحو ما هنالك.

وذكروا هذا أيضاً عن العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

أعود فأقول: ثم أراد الله الدكتور لمهمة الدعوة وشرفها، فانطلق لسانه، ودعا وناظر وحاضر، حتى ذكر عن نفسه أنه حظر له في محاضرة مليون شخص!
فسبحان الله.

وذكروا عنه: أن فصاحته وبلاغته، وقمعه للخصم، وقرعه للباطل هو خاص مخصوص على الدين، والمناظرة فيه، والدعوة إليه، أما إذا كلمته وناظرته في الدنيا، فهو فدم أخرس!

يقول: وقد ناظرت النصارى والبوذيين والهندوس وغيرهم، وأنا تخصصي الإسلام ومقارنة الأديان..

ويقول: تناظرت مع دكتور أمريكي وليام كامبل كبير حول القرآن وأن فيه أخطاء علمية في القرآن، ولمدة ٨ سنوات لم يرد عليه أحد، ودحضت حججه، وقدمت ٣٨ حجة حول الكتاب المقدس ولم يرد على واحدة.
“سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم”

وله جهود عظيمة، منها:

أنشأ تلفزيون السلام، وقد أطلقه قبل عشر سنوات بأربع لغات، يتابعه بالإنجليزية فقط مائة مليون! ويبث من خلال ١٤ قمراً صناعياً.

وقبل سبع سنوات أطلق تلفزيون السلام بالأردو وعدد المشاهدين ثمانين مليون مشاهد.

وبلغة البنغا وعدد المشاهدين خمسين مليون مشاهد.

وأطلق قبل أشهر قناة بالصينية لمخاطبة أكثر من مليار ومائتي مليون شخص!

ويحاول البث من خلال أهم عشر لغات في العالم.

ونشاطه غير محصور في دعوة الناس إلى دين الإسلام، وهو بهم خبير، حتى أنه قال: ثلثا الداخلين في الإسلام من أوربا؛ من النساء.

ويقول: في عام ٢٠١٣ تلقيت دعوة من رئيس كامبيا، وصدقوني لم أكن أعلم أن هناك دولة اسمها كامبيا، حتى ذهبت للخريطة وحددت مكانها.

قال لي الرئيس جامع: كان نسبة المسلمين في كامبيا ٩٠٪ أما اليوم بعد مشاهدة تلفزيون السلام وصل ٩٥٪.

وذكر أن ما رآه في كامبيا من محافظة على الصلاة من الرئيس ووزرائه أكثر منه في الشرق الإسلامي!

ولا زال في الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وحجة وبرهان.
يقول: أكثر من ٢٥ عاما قضيتها في الدعوة.

هذا هو الدكتور ذاكر، الذي يتهم اليوم بالإرهاب، وقد قال مرة في مقابلة:
قبل أحداث ٢٠٠١ ولمدة ٢٠٠ عام سابقة لم يكن هناك مصطلحا إرهابيا!

ولا غرو، فليس هذا غريباً على الغرب الكافر، الذي يغيظه ما يفعله هذا الرجل من دعوة إلى دين الإسلام، وحينما رأوا أن الله حقق على يديه نجاحاً باهراً، وفوزاً ظاهراً.. وصموه بهذه السمة المنهارة التي أصبحت في أيديهم يضربون بها من شاؤوا.

فهو رجل عظيم، وسيبرئه الله، وللحق الغلبة، والباطل منكوس، وأهله في ارتكاس، “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”.

أسأل الله أن يحفظه ويطيل عمره في طاعته.

وأن ييسر ربي لمن يخلفه في علمه وخلقه وتمكنه من الاستحضار في المناظرات، وجمعه في فنون كثيرة علمية وطبية ودينية.

إن ربي على كل شيء قدير، وعليه التكلان، والله المستعان.

كتبه: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٨/٨/١٩
الرابط

 

Advertisements

لطائف من السّيرة المنيفة

لطائف من السّيرة المنيفة

أحمد بن عبد المحسن العساف @ahmalassaf

في يوم من خواتيم سنة مضت، دخلت إلى مكتبتي، فالخلوة في المكتبة، والنّظر إلى الكتب متعة فائقة، وإذا ترافق معها قراءة زاد الإمتاع، وستبلغ الّلذة القمّة في الحوار مع المؤلفين، على اختلاف أعصارهم، وثقافاتهم، وبلدانهم، وفنونهم.السيرة 1.jpg

وحين نظرت إلى كتب السّيرة النّبويّة العطرة، لمت نفسي على تقصيري في قراءة كتاب كامل غير مختصر، فقررت قراءة الرّوض الأنف للإمام السّهيلي، ويقع في سبعة أجزاء، وكنت قد اشتريته قبل ربع قرن تقريبًا، وما أعظم تقصيرنا تجاه سيرة خير خلق الله قاطبة.

وأخذت الجزء الأول، ووضعته أمامي على أن أشرع بقراءته ابتداءً من غرّة المحرّم القريب، وأنهي الأجزاء السّبعة خلال عام واحد؛ بيد أنّي لم أفعل، وظلّ الكتاب طريحًا أمامي لأزيد من عامين، حتى حضرت برنامجًا تدريبيًا، واستفدت منه عمليًا ما كنّا نسمعه عن قاعدة “عشر دقائق يوميًا”.

وبفضل الله، ثمّ بالاستمرار في القراءة لمدة عشر دقائق يوميًا، أنهيت قراءة الكتاب كاملًا في أقلّ من عام. وخلال القراءة، كتبت بعض التّدوينات المختصرة على تويتر في وسم نافع المحتوى بعنوان من لطائف السّيرة، وما أحرانا بتنقية هذه المنصّات من الغثاء والهباء والبلاء، والله يكتب الأجر والمثوبة لمن أحسن عملًا.

وتوافقت بعض التّدوينات مع مناسبات بالصّدفة دونما ترتيب، لأنّها مرتبطة بوقت القراءة، ولم أكتب كلّ فائدة خطرت لي، وكم نحن بحاجة للاغتراف من معين هذه السّيرة العذبة. وسأسرد الّلطائف أدناه بلا إشارة إلى موضعها من مجريات السّيرة الكريمة، والغاية بعد الاختصار، تحفيز القارئ الموفق إلى الخلوة مع سيرة إمامنا وقدوتنا صلّى الله عليه وسلم، والنّهل من نميرها العذب، فمنها:

1. حرص كفار مكة على تشويه صورة الجناب الكريم، وحجز النّاس عنه، فلم يفلحوا، لأنّ التّاريخ، والحاضر يشفعان لصاحبهما.

2. اجتهد صناديد قريش لكسر إرادة المسلمين، وسحق كرامتهم، والاعتداء على حقوقهم الطبيعيّة، فكان الصّبر مع الإيمان درعين ضدّ عدوان المجرمين.

3. استخدمت قريش جميع صنوف العذاب المادي والمعنوي، الفردي والجماعي، فلم تفلح؛ لأنّهم يحاربون دعوة سماويّة منصورة ولابد.

4. تعاضد المشركون واليهود والمنافقون ثنائيًا أو بالاشتراك، وبالتّواصل مع القوى المحيطة أو الكبرى، وغايتهم إطفاء نور الله، فآبوا ببوار وخسران، وبقي الإسلام ينير الدّيار والقلوب، فمن يجرؤ على حرب دين كتب الله له النّصرة والغلبة؟!

5. من ملامح السّيرة خلال المرحلة المدنيّة نجد أنّه لا أمان لليهود مهما كتبوا وعاهدوا.

6. ‏اتضح من خلال الفترة المدنيّة أنّ المنافقين بارعون في استخدام الأحداث، وقلب الحقائق، وسوق الشّبه على سبيل الاحتجاج.

7. أبرم النّبي صلح الحديبية لمدة عشر سنوات، وظاهر الصّلح انكسار للمسلمين، فنقضه الكفّار، وفتحت مكة بعد عامين، ودانت عموم الجزيرة خلال عشرة أعوام! إنّه تدبير رباني!

8. للتّاريخ حق متين، وللأسبقيّة واجب الرّعاية، ولذلك أكرم النّبي عليه الصّلاة والسّلام السّابقين من أصحابه، والمهاجرين والأنصار، والبدريين، ودافع عنهم.

9. أرضى النّبي الكريم جميع أزواجه حتى بعد أن فارقن الحياة، وكانت لخديجة وصاحباتها مكانة خاصة لديه.

10. أحيانًا، تحول موانع دون أن تفعل أو أن تقول، بيد أنّ الله يوفق الصّادقين المخلصين لمخرج، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام، لأبي بصير رضي الله عنه، حين أعاده لقريش: مسعر حرب لو كان معه رجال!

11. ‏مع عظمة النّبي إلّا أنّه لم يقل أو يفعل ما يدل على أنّه المحرك الوحيد لدولته وأفرادها، بل كان معه الوحي المقدّس، وكبار الصّحابة، وسائرهم، والمصلحة المعتبرة، ومقتضى الحال، وواجب الوقت.

12. صفح الرّسول عمّن يصلحه الصّفح مثل طلقاء قريش، وعاقب من لا يزجره إلّا العقاب مثل يهود المدينة، فالمسألة موقفية، وخاضعة للمصلحة الشّرعيّة إذا عدم النّص الصّريح الصّحيح.

13. أنف المشركون من تسوّر بيت النّبي عليه الصّلاة والسّلام هروبًا من عار اقتحام منزل فيه نساء!‬

14. عندما لطم أبو جهل أسماء رضي الله عنها طلب ممن شاهده أن يكتم فعلته الوقحة! فحتى في جاهليتهم وعدائهم كانت لهم حدود وأعراف!

15. إنّك لتكسب المعدوم: وصف قيل عن الرّسول والصدّيق، فما أجدر التّجار وروّاد الأعمال بالاقتداء بهما: من خلال إرشاد الشّباب ومشاركتهم.

16. ‏أسلم حمزة وأعز الله به المسلمين مع أنّ إسلامه جاء في سياق غضبة وحميّة!‬ وأسلم أبو محذورة وأصبح مؤذنًا مع أنّ مبتدأ أمره كان الاستهزاء بالآذان! فالهداية بيد الله، وقلوب العباد طوع أمره.

17. حين أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما تغيرت الموازين، وقويت أوراق الجماعة المؤمنة، وإنّ مراعاة الحال لواجب وحكمة.

18. ‬قال عمرو بن أمية الضّمري للنّجاشي رضي الله عنهما: عليّ القول وعليك الاستماع: إنّك كأنّك في الرّقة علينا منّا! وكأنّا بالثّقة بك منك؛ فلم نظن بك خيرًا إلّا نلناه، ولم نخفك على شيء إلّا أمناه، فما أجملها من علاقة!

19. ‏استقوى مشرك بأسلحته لمقاومة الفاتحين، فأظهرت زوجه شكوكها في جدواها، بينما وعدها الرّجل بأن يجعل بعضهم خدمًا لها!‬ ولم يلبث أن عاد إليها مذعورًا منهزمًا يبحث عن خباء يختفي فيه، فقالت له: أين ماكنت تقول؟!

20. ‏في قصّة وفد مضر، دخل النّبي عليه السّلام إلى بيوته ثمّ خرج دون أن يجد شيئًا يقدّمه لهم؛ فخطب النّاس وحثّهم على الصّدقة، فقد‬ بدأ بنفسه قبل النّاس! وليس في بيوته جميعها شيء وهو من هو!

21. قيّم نفسك حسب مقياس خديجة: تصل الرحم؟ تصدق الحديث؟ تؤدي الأمانة؟ تحمل الكل؟ تقري الضّيف؟ تعين على نوائب الحق؟ والنّتيجة: لا يخزيك الله أبدا!

22. رفض النّبي إطباق الجبال على المشركين أملًا في أن يخرج من أصلابهم جيل مؤمن، وصنيعه هذا فيه رحمة، تفاؤل، استشراف، بعد نظر! أين منها المقتدون؟!

23. أصيب صحابي شاب بجرح في معركة أحد‬ فأتي به لداره والنّاس يبشرونه بخير؛ فقال أبوه وهو منافق طاعن بالسّن: بأيّ شيء تبشرونه وقد غررتم هذا الغلام من نفسه؟!‬ منطق النّفاق ولغته واحدة!

24. ‏إذا كان لك عمل عام مشين، ثم وفقك الله للتوبة، فاجتهد في عمل عام راشد، فوحشي إبّان كفره قتل حمزة عمّ النّبي عليه السّلام، ورضي الله عنهما، وحين أسلم قتل مسيلمة مدعي النّبوة.

25. ‏نصح أبو سفيان قريشًا بالاستسلام قبيل فتح مكة‬؛ لكنّ زوجه عارضته، فكرر رأيه وحذرهم من الاغترار برأيها، فآراء الشّاطحين بسبب موقف، أو أمنية، أو حقد قديم لا قيمة لها!‬ ‬‬
26. ‏أشاع الكفار في معركة أحد أنّهم قتلوا النّبي عليه السّلام لتوهين الصّحابة بحرب نفسيّة، فكان كيدهم سبب سلوان الأصحاب عن قتلاهم لما تحققوا من حياة الرّسول، وانقلب مكر المشركين عليهم!‬ ‬‬

27. ‏اشيروا عليّ أيها النّاس! كررها النّبي عليه السّلام في معركة بدر،‬ والتّلميح فنٌّ يخاطب به أصحابُ الأخلاق العظيمة، كرامَ بني آدم وأذكياءهم ابتعادًا عن المباشرة التي قد تحرج أو تجرح!‬ ‬‬

28. ‏أيقن بعض أكابر قريش في قرارة نفوسهم، بصدق النّبي ودعوته، بيد أنّهم كابروا بالجحود والشّرك، فمات بعضهم كافرًا، وتأخر إسلام آخرون ففاتهم خير كثير، ألا ما أخسر الكِبر من خلق!‬

29. ‏لسعد بن معاذ رضي الله عنه مواقف عظيمة، لكنّ أعظمها موقفه من خيانة يهود المدينة،‬ فقدر كبار أمتنا أن يكون لهم موقف صدق مع أعاديها.السيرة 2

30. ‏اعتدى بنو قينقاع على مسلمة محاولين كشف وجهها ثمّ جسدها، فانتقض العهد معهم!‬ ومن جرائم ابن الأشرف التي أوجبت اغتياله تشبيبه بنساء المسلمين وتغزلّه بهن! حفظ العرض مقصد شرعي، والغيرة المنضبطة على المحارم من المكارم وكمالات الرّجال!

31. غضب البعض من جيش مؤتة، ووصفهم بالفرّارين، بيد أنّ القائد العظيم، صاحب النّظرة الإيجابيّة، نفى عنهم ذلك ووصفهم بالبطولة والكر!‬ القيادة نظر بعيد، وقول رشيد، وتقدير موقف.

32. ‏مهما بلغ سوء القوم؛ فقد يكون فيهم مثل مؤمن آل فرعون، وعبد الله بن سلام، ومخيريق، رضي الله عنهم، فلا تيأسن من حال وفئام.‬

33. حضرت المرأة في السّيرة بقوة؛ لأنّها شريكة الرّجل في المجتمع والتّكليف، فتقدّمت بالخير حين آمنت، ونصرت، وأنفقت، وعُرفت بالسّوء حمّالة الحطب!‬ ‬‬

34. ‏لقي النّبي وصحبه من كفار مكة سخرية وصدًا وحصرًا وتعذيبًا وتهجيرًا، ثمّ دخلوها فاتحين بعد ثمان، فحجّاجًا مع مئة ألف، والظّفر مع الصّبر!

35. إنّ حَمَلة مشاعل الإصلاح يحتاجون إلى سند عاطفي في بيوتهم كما فعلت خديجة، وإلى سند اجتماعي في محيطهم كما صنع أبو طالب وغيره.‬

36. حاول رسولا قريش إلى النّجاشي الحيلولة بينه وبين السّماع من المسلمين، واشتروا البطارقة، لكنّ الملك تجاوز المكر والغش والظّلم من حاشيته التي يفترض أن تكون ناصحة له، صادقة معه!

37. كان عليه الصّلاة والسّلام يهجر قريشًا قبل البعثة ويتحنّث، فلمّا بُعث بعين الحق الذي يخالف قومه، خالطهم وغشى مجالسهم داعيًا صابرًا.

38. من مميزات شخصيّة الجناب الكريم أنّها محل القدوة في كلّ جانب، فرحمته وغضبته قدوة، وسلمه وحربه أسوة، وقيادته وأبوته كذلك، وهكذا.

39. ‏أمر النّبي صحابته بالاضطباع والرّمل في عمرة القضاء كي يعاين كفّار قريش قوة المسلمين، وليقطع على المشركين نشوة الفرح الحقيقي أو المتوهم بالانتصار،‬ لأنّ قوتك المعنويّة أو الماديّة تحزن عدوك، وتفسد على خصمك لذة تفوقه عليك!

40. مع شدّة كفّار الطّائف على النّبي صلى الله عليه وسلّم؛ طلب الملائكة والنّاس منه أن يدعو عليهم في موقفين، فأبى وسأل الله لهم ولأجيالهم الهداية، فالمصلح لا يحقد، ولا ييأس، ولا ينتصر لشخصه، ونظرته مستقبليّة.

41. ‏بدرت من بعض الزّعماء حديثي الإسلام كلمات مريبة خلال غزوة حنين‬ والطّائف، وبسؤال بعضهم تبين أنّهم شاركوا طلبًا لمغانم خاصّة فقط!‬ ‬ ليس كلّ من كان معك يشاركك في غاياتك!‬ ‬

42. لم يرض زعيم من المؤلّفة قلوبهم بما أعطي، فقال النّبي عليه الصّلاة والسّلام لصحابته: اقطعوا عنّي لسانه! فأعطوه حتى رضي وسكت. المال، والعطاء، والكرم، يسكن النّفوس، ويكبت شرها، ويشبع شرهها.

43. أخذ المؤلّفة قلوبهم نصيبهم من المال والأنعام ثمّ أكلوه وأفنوه، وحاز الأنصار شرف الاختصاص بالجناب الكريم، وهو مجد باق لهم أبد الدّهر.

44. استثمر المنافقون المرأة في مواضع كثيرة دون أخذ أذنها أو مراعاة مصلحتها، فلأجل البلبلة وإشاعة السّوء افتروا حادثة الإفك، وللنّكوص عن الجهاد تذرعوا بالخوف من الفتنة!

45. ‏جاءت حليمة السّعدية رضوان الله عليها إلى مكة، وهي أقلّ رفيقاتها في الدّابة والمال والحال، وكان نصيبها طفلًا يتيمًا خلافًا لصاحباتها، لكنّ الله جعل البركة لها ومعها وحولها ببركة وجود النّبي عليه الصّلاة والسّلام وإرضاعه، وخيرة الله واختياره خير لنا!

46. ادعى المنافقون أنّهم بنوا مسجد الضّرار‬ لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والشّاتية، لكنّ الله كذبهم وفضحهم،‬ فسوق أسباب وجيهة لا يزكي العمل، ولا يبرئ النّية من الشّوائب.

47. حين بنى المنافقون مسجد الضّرار‬ اختاروا له إمامًا حافظًا تقيًا ليس منهم، واستثمروا غفلته عن مرادهم!‬ ‬وعلى كلّ مؤمن أن يحذر من استخدامه جسرًا أو مطيّة أو غطاء!‬ ‬

48. بعض النّخب والوجهاء من كفار قريش لم يوافقوا قومهم على جورهم وإيذائهم للنّبي وصحبه، وإنّ مصداقية نخبويتك ووجاهتك تظهر في مواقفك مع العدل، وحسن العهد، والخلق النّبيل، بغض النّظر عن الحب والبغض.

49. ‏من أعظم الجنائز جنازة عبد الله ذي البجادين المزني، حفر قبره الرّسول عليه السّلام وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم، وهيأه النّبي داخل قبره بعد أن دلّاه العمران، ودعى له بالرّضوان، وإنّه ليغبط.‬السيرة 3

50. المؤمن لا يخون دينه وبلاده وقومه، ولذلك حين قال ملك غسّان في رسالته لكعب بن مالك رضي الله عنه: الحق بنا نواسك! كان جوابه الفصيح تسجير الرّقعة في التّنور، فمهما اختلفنا لا مكان للعدو والغريب في شؤننا.‬

51. استفهم النّبي عليه الصّلاة والسّلام من فتيان قريش عن عدد ما ينحرونه من الإبل يوميًا فأخبروه، فعرف أن تعدادهم في معركة بدر‬ بين التّسعمئة والألف.‬ الإحصاء والاستقراء مجلبتان للمعلومة، وامتلاك المعلومة قوّة.‬

52. مشاركة النّاس في مناسباتهم، والتّعبير الّلفظي والعملي عن مشاعرك، حسنة ولطف وأثر يبقى، ولذلك لم ينس كعب بن مالك لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما، قيامه وتحيته وتهنئته بتوبة الله على كعب.

53. كم من مشرك كره النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ انقلب البغض إلى حب شديد بمجرد رؤية الجناب الكريم، أو حدوث أوّل موقف معه، فسبحان القدير الذي جعل للصّالحين المصلحين مودّة في القلوب‬.

54. يمارس السّياسي المسلم أعماله وفي ذهنه تحقيق المصالح الشّرعية العليا العامة، ودفع الضّرر أو تخفيفه، ولذلك يعاهد، ويحالف، ويسالم، ويوالي، ويعادي، ويحارب، وكلّ ذلك بإرادته المستقلة.

55. سأل النّبي عليه السّلام وفدًا من العرب عن سر انتصاراتهم في الجاهلية فقالوا: كنّا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم!

56. لم يوقر الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا مقام النّبوة، ولا بيته، فما ظنّكم بسلوكهم مع مقام دونه، ومع باقي البيوت؟!

57. ‏في خطبة حجّة الوداع ذكر النّبي عليه السّلام شهر رجب بطريقة لا لبس فيها، فهو رجب مضر، وهو الواقع بين شعبان وجمادى!‬ ليكن أمرك واضحًا وأنت قائد، وتعليمك كاملًا وأنت معلّم‬.

58. بعث النّبي عليه السّلام سفراءه، ومنهم دحيّة لقيصر، فقال له: اسمع بذل، ثمّ أجب بنصح، فإنّك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف!

59. بعد وفاة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ارتدت العرب، واشرأبت اليهود والنّصارى، وانتفخ النّفاق، وصار المسلمون كغنم مطيرة في ليلة شاتية! فجمعهم الله بأبي بكر والمهاجرين والأنصار، فللسّابقين مواقف ومواقع.

60. العمل المؤسسي يقوم على مبادئ ونظم لا على أشخاص مهما كانت منزلتهم عالية.

61. في السّيرة المحمّدية فقه، وسياسة، واقتصاد، وتربية، وتعليم، وجهاد، ومجتمع، وعلاقات دوليّة، وإدارة، وما أحوجنا لها أيًا كانت مواقعنا.

62. جعل الله نبيه بشرًا كغيره في الجبلّة البشريّة، يأكل وينام ويتزوج ويطلق ويبيع ويشتري، وهكذا من سار على دربه من العلماء والدّعاة والمصلحين.

63. مات النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يعمّر كثيرًا، وقضى ثلث عمره تقريبًا في النّبوة، وبإمكان كلّ ذي رسالة أن يبلغها ويجتهد في ذلك، ومن الله العون والسّداد.


وليست هذه كل ما في السّيرة الطّاهرة من فوائد ودروس وعبر، وإنّي لآمل أن ينهض القارئ إلى كتاب مختصر أو متوسط أو مطول، في السّيرة، أو الهدي، أو الشّمائل، أو الدّلائل، فيقرأ منه، ويفيد من حوله، فو الله إنّها لمنقصة عظيمة ألّا تعرف أجيالنا عن رسولنا عليه الصّلاة والسّلام إلّا اسمه وربمّا الأوّل فقط!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض ahmalassaf@
الأربعاء 12 من شهر ذي القعدة الحرام عام 1439
25 من شهر يوليو عام 2018م

رابط المحدث

الرابط الأصلي

أهمية الدعاء للذرية والأبناء

أبناؤنا قرة عيوننا، وبهجة نفوسنا، وثمرة حياتنا، ومصدر من مصادر سعادتنا في هذه الحياة.

هم زينة الحياة، ونعمة الإله؛ كما قال جل في علاه: {المال والبنون زينة الحياة}.دعاء للأبناء1

ولا يسعد الإنسان مهما كان عنده من أسباب السعادة إلا أن يرى أبناءه سعداء صالحين، مطيعين لربهم، نافعين لأنفسهم ودينهم وأوطانهم. فلا جرم أن يسعى الآباء في سبل إصلاح الأبناء ويأخذوا بكل الأسباب لهذه النتيجة.

وقد جرت سنة الله أن البيوت الصالحة (بحق) يخرج أبناؤها صالحين، وهي حقيقة أثبتها القرآن والواقع، وهو مما استقر في فطر الناس.

أما القرآن فقد قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}(الأعراف:58).

وأما استقراره في فطر الناس فيدل عليه قول بني إسرائيل لمريم وقد وهبها الله عيسى فقالوا مستنكرين: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}(مريم:28)، فكأنهم يقولون: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟

فالأصل أن صلاح البيت معه صلاح الذرية، غير أن الله قد يخرق هذه العادة، كما قصة نوح وابنه، ليعلم الناس أن الهداية والصلاح بيد الوهاب الفتاح، فتبقى قلوبهم متعلقة به مهما فعلوا وبذلوا، ولتلهج ألسنتهم بدوام الدعاء لهم ولأبنائهم بالهداية والصلاح والسعادة والفلاح.

فضل الدعاء
والدعاء ـ أيها الكريم ـ باب من أعظم الأبواب التي يدخل بها المسلم على ربه، ويحقق من خلاله رغباته وأمنياته، فالله كريم يحب أن يسأل:
الله يغضب إن تركت سؤاله .. وبني آدم حين يسأل يغضب

إن للدعاء أثرا كبيرا في حياة المسلم عموما، وفي صلاح الأبناء خصوصا، ذلك أن دعوة الوالد لولده مستجابة.. قال عليه الصلاة والسلام: [ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة والولد لولده](رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه).

فكم من دعوة صادقة ردت شاردا، وقربت بعيدا، واصلحت فاسدا، وهدت ضالا.

بل كم من دعوة كانت سببا في صلاح هذه الذرية من أصلها، وحلول البركة فيها.

وهذا كتاب الله يعلمنا ويبين لنا ويدلنا على هذا السبيل، وكيف أنه سبيل أصلح الناس وأهداهم وأقدرهم على تربية أبنائهم، ولكنهم يلجؤون إلى الله ويسألونه صلاح ذريتهم.

هذا إبراهيم خليل الله يدعو ربه وقد كبرت سنه أن يهبه ذرية ولكن أي ذرية؟ {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين}(الصافات:100).
فماذا كانت النتيجة؟ {فبشرناه بغلام حليم}، وأتته الملائكة مبشرين: {إنا نبشرك بغلام عليم}، وفي سورة هود: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}(هود:71).

فهل توقف عن الدعاء لهم؟

دعاء للأبناء2

 

لا.. بل ظل يسأل الله لهم لخير واليمان {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(إبراهيم:35)، {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء}(إبراهيم:40)، {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}(البقرة:128).

وهذا زكريا نبي الله يدعو ربه بالذرية فيقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}(آل عمران:38).

ما وصف هذه الذرية: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}(مريم:5، 6)

وإنما كان يطلب من يرث النبوة والهداية ودعوة الناس إلى الله وإلى طريق الهدى والنور، فمن المعلوم أن الأنبياء لا يورثون، وما تركوه صدقة، فأراد وراثة النبوة والدين.

فاستجاب الله دعاءه وبشره: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}(مريم:7)، أما صفات هذا الغلام: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}(مريم:12ـ15).. فكانت كل هذه البركة في يحيى بسبب دعاء أبيه له.

والأم أيضا
وحتى لا يظن أحد أن الدعوة خاصة بالرجال فقط ذكر لنا القرآن مثلا فريدا لصلاح المرأة ودعائها لأبنائها وذريتها، وأثر هذا الدعاء على الذرية في قصة امرأة عمران أم مريم، وكيف أنها كانت تدعو لجنينها في بطنها وتهبه لخدمة بيت ربها {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(آل عمران:35)، فلما خرج المولود أنثى لم يمنعها هذا أن تهبها لخدمة بيت المقدس وأن تدعو ربها ليحفظها وينبتها نباتا حسنا بل دعت بما هو أكبر من ذلك فقالت: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(آل عمران:36).

فاستجاب الله دعاءها، وبارك في ابنتها، واصطفاها على نساء العالمين، واختارها لتكون فيها آية من آياته الكبرى بأن وهبها عيسى بكلمة منه دون أب، وأعاذها وابنها من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. كل ذلك ببركة دعاء الأم الصالحة المباركة.

السنة والدعاء للذرية:
والسنة الميمونة تسير على نهج القرآن، والنبي الكريم تطبيق عملي لكل خير، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب، ويدعو لحفيديه الحسن والحسين، ولأبناء المسلمين:
دعا لأنس بن مالك بالبركة في ماله وولده؛ فكان من أكثر الناس مالا، وبلغ أولاده وأحفاده قرابة المائة نفس، وحلب بماله البركة فكان زرعه ينتج في العام مرتين.

وكان المسلمون يأتونه بأبنائهم فيحنكهم ويسميهم ويدعو لهم بالبركة.

وقد علم كل أب وأم أن يدعوا لأبنائهما، ولا يبخلا بالدعاء لهم، ولو في أسعد الأوقات، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا](متفق عليه).

هدي الصالحين
وعباد الله الصالحون وصفهم الله في قرآنه المجيد فذك من أوصافهم {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}(الفرقان:74).
فهم يدعون الله تعالى أن يقر أعينهم بأزواجهم وذرياتهم، وقرة العين هذه لا تكون إلا بأن يكونوا على ما يحب الله من الإيمان والرشاد والهداية والسداد.. ثم هم يدعون لهم ولأنفسهم، ليس فقط أن يكونوا متقين، بل أن يكونوا من أئمة المتقين.
فأكثروا من الدعاء لأبنائكم، وألحوا على ربكم بأن يهبهم الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

ملاحظتان هامتان
وأحب أن أسجل هنا ملاحظتين:
الأولى: أسمع أولادك الدعاء أحيانا:
إذا دعوت لولدك فأسمعه دعاءك أحيانا، فإن قولك له: “اسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين”، أو “أسأل الله أن يرضى عنك”، أو “أن يحبك مع عباده الذين يحبهم ويحبونه”.. هذا الكلام يسري في روحه، ويملأ قلبه بمحبتك لما يرى من حرصك عليه وحبك له وحب الخير له، ويشجعه أن يكون أهلا لدعائك، وأن يعمل ليحقق ذلك.

ثانيا: إياك ثم إياك أن تدعو على أبنائك:
مهما أساؤوا، أو أخطؤوا، أو كسروا، أو أزعجوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن دعوة الوالد لولده أو عليه مستجابة، ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوالدِ على ولدِه].
ولأنه ربما توافق دعوة الأب أو الأم على الولد ساعة إجابة فيهلك الولد، فحذرنا عليه الصلاة والسلام من ذلك أشد التحذير فقال كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكُم، ولا تدعوا على أموالكُم، لا تُوافقُوا من اللهِ تعالى ساعة نيْلٍ فيها عطاء فيستجيب لكم](رواه مسلم).

فكم من دعوة خرجت من أب أو أم على أحد الأبناء فصادفت ساعة إجابة فكانت سببا في ضلال أو ضياع أو عقوق أو حتى موت.
جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو عقوق ولده. فقال له ابن المبارك: أكنت تدعو عليه؟ قال: نعم. قال. أنت أفسدته.

وانظر إلى هذا الرجل وقارن بينه وبين الفضيل بن عياض الذي كان يدعو الله لولده، ويقول: اللهم إني اجتهدت في تربية ابني علي فلم أقدر، فربه أنت لي. فكان ابنه من أفضل الناس، وأعبدهم، وأخوفهم من ربه سبحانه.

فعود نفسك أن تدعو له بدلا من أن تدعو عليه، فإذا فعل ما يغضبك فادع له: الله يهديك، الله يصلحك، الله يتوب عليك. فإن صادفت إجابة سعد بدعوتك، وسعدت أنت بهدايته.
اللهم أصلح أبناءنا وأبناء المسلمين، وأنبتهم نباتا حسنا يا أكرم الأكرمين.

رابط الموضوع

كيف تقضي إِجَازَة صَّيْفِيَّة هادفة وممتعة ؟

كيف تقضي إِجَازَة صَّيْفِيَّة هادفة وممتعة ؟
دكتور : أحمد عبد المجيد مكي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،وبعد:

نِعَمُ اللَّهِ تعالى على عباده كثيرة لا تُحْصَى، ولم يجرؤ أحد من البشرية على طول تاريخها أَنْ يحسب ويحصي تلك النِّعَمَ لكثرتها واستمرارها ويسرها، وتتابع إنعام الله بها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ (إبراهيم: 34)

ولهذه النِّعَمِ أصول وفروع، فمن أصولها بعد الإيمان بالله تعالى:
نعمة الصحة والعافية، التي منها سلامة السمع والبصر والفؤاد والجوارح، و مِنْ أصولها أيضًا، بل مِنْ أجل أصولها وأغلاها: نعمة الوقت.

وقد جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين هاتين النعمتين في حديث واحد محذرًا من التفريط فيهما فقال: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ“، والمغبون هو مَنْ يبيع السلعة بأقل من ثمنها أو يشتريها بأكثر من ثمنها، والمقصود أَنَّ غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ بل يصرفونهما في غير محلهما.

وتجتمع هاتان النعمتان – مع غيرهما من النعم – في الإجازة الصيفية للشباب، و لَمَّا كان سوء توظيفهما وضياعهما يعرض الشباب والأمة لخسران مبين، أردت أَنْ أرشدهم إلى كيفية استغلال هذه الإجازة بما يعود عليهم وعلى الأمة بالنفع في الدنيا والآخرة.

و لكي يستفيد المسلم من إجازته تمام الاستفادة – وفي نفس الوقت يستمتع بها – عليه أمران:
الأمر الأول: التخلي عن الرذائل التي تجتمع وتتكاثر في هذه الفترة، وسأتحدث عنها تحت عنوان: المحذورات.
الأمر الثاني: التحلي بالفضائل وسأتحدث عنها تحت عنوان: المقترحات.

أولاً- المحذورات:
المحذور الأول: رفقاء السوء : للرفقة أبلغ الأثر في سلوك المرء، فالصاحب ساحب، والطبع سرَّاق، فَمَنْ جالس الأشرار وعاشرهم فلا بد أَنْ يتأثر بهم، ويقتبس من أخلاقهم، فمجالستهم تسوق بصاحبها إلى الحضيض، فكلما همَّ بالنهوض والتحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن مساوئها أعاقوه، فعاد إلى غَيِّه، واستمر على جهله وسفهه، فعلى المسلم أَنْ يقلع عن صحبة السوء وأَنْ يصحب أولي الهمم العالية من الصالحين، وعليه أَنْ يعلم أَنَّ العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأَنَّ رؤيتهم تذكره بالله عز وجل، وفي الحديث الشريف: “الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ.”

ومن أقوال الحكماء: “قل لى مَنْ صاحبك أقل لك مَنْ أنت”، “الرفيق ثم الطريق، ولا يُعْرف الرجل إلا برفيقه “و”الطيور على أشكالها تقع”.

المحذور الثاني :
الفراغ : يعد الفراغ لدى الناس بشكل عام – والشباب بصفة خاصة – مشكلة من المشاكل الكبيرة التي يعانون منها، فكثير من مظاهر الانحرافات السلوكية المختلفة كان الفراغ من أهم الأسباب الدافعة إليها، إذ أنَّ وفرة الوقت دون عمل نافع – أيًا كان – يوقع صاحبها في أَسر الوساوس الشيطانية، والأفكار والهواجس النفسية الخطيرة، فيبدي له من التصورات والأفكار الجديدة والكثيرة ما لا يمكن أن يحصل أثناء الانشغال بعمل ما.

فالفراغ يجعل الشاب ثقيل الظل في البيت، كثير المشاكل، كثير الأوامر والنواهي ، لذلك قال الحكماء: “الفراغ والجِدَة – أي الغنى ويُسْر الحال – مَفْسَدة للمرء أَيُّ مفسدة”.

المحذور الثالث:
التسويف: التسويف بحر لا ساحل له، يُدْمن ركوبَه مفاليسُ العالم، وهو من جنود إبليس المقربين، وقد أجاد الحسن البصري حين قال” :إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك”، ويلاحظ أَنَّ بعض الشباب يستطول الاجازة و مِنْ ثَمَّ يسوف لنفسه آجالاً ويقول: سأبدأ غَداً سأفعل غَداً، وتنقضي الإجازة يوما بعد يوم، وتنصرم الشهور ولم يفعل مِنْ ذلك شيئًا، ولا شك أَنَّ هذا من تلبيس إبليس.

المحذور الرابع :
الإعلام المدمر: لا يخفى على أحد أَنَّ كثيرا من وسائل الإعلام مُسَخَّرَةٌ اليومَ لإشاعة الفاحشة والإغواء بالجريمة والسعي بالفساد في الأرض، فهي خُطَّة للهدم استُعمِلت فيها كل الوسائل لتدمير هذا الدين والقضاء عليه بطريق مباشرة أو غير مباشرة، فاحذر أَنْ تسول لك نفسك أو يسول لك الآخرون، فيخدعونك بأَنْ هذا ترويح عن النفس، فما هو بترويح، بل هو السم القاتل، والعائدون إلى ربهم من هذا الطريق الموحش يعرفون ذلك ويقرون به بعد أَنْ خبروا أسراره وتجرعوا غُصَصَه، ولا يعني هذا أَنْ تخاصم النافع والمفيد منها، فأنت تعرف جِيدًا عن أي نوع أتحدث، وأي نوع أقصد!!

ثانيا- المقترحات :
ما سبق من المحذورات إذا تجنبها المسلم يكون قد قطع شوطًا كبيرًا نحو تحقيق هدفه، وبقي الشوط الثاني وهو التحلي بالفضائل التي تروض النفس، وتصقل الشخصية وتكسبها المهارة ، وذلك في النقاط التالية:

المقترح الأول:
ابحث لك عن عمل مهما كان متواضعًا ولا تنظر الى العائد المادي منه، ولو متدربًا في ورشةٍ للصيانة والإصلاح أو مرافقًا لصاحب مهنة، فللعمل مزايا وفوائد لا تحصى منها: تعلم الصبر والمثابرة والجدية في العمل وكسر حاجز الخوف من التعامل مع الناس وتنمية روح العمل في فريق، ومن خلاله يتخلص الإِنسان من عادات سيئة كالكسل والفوضى والتسويف وسرعة الملل وحدة الطبع والفردية، كما أَنَّه يشبع حاجاته النفسية، كالحاجة إلى الاحترام والتقدير والإِحساس بالذات.

وتذكر دعاء الحبيب: “اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ”،

المقترح الثاني:
من الضروري أَنْ تخصص وقتًا لممارسة شيء من اللهو المباح ، وهو كثيرٌ ومتنوع ، مع التنبيه على ضرورة اختيار المكان المناسب ، فما يصلح في الساحات العامة قد لا يصلح في المنزل، و أَنْ يخلو هذا اللهو من المخالفات الشرعية كالكلام البذيء، والغش، ومثيرات العداوة والبغضاء، والتعدي على الآخرين و مضايقتهم و إلحاق الأذى بذات المكان أو منشآته.

المقترح الثالث:
من أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم: أَنَّهُ كَانَ يساعد أهل بيته في بعض الأعمال فكان يَخْصِفُ النعل وينظف البيت ويخيط الثوب ويرتبه وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ. فضع في برنامجك خدمة أهل بيتك وقضاء حوائجهم، ومن ذلك زيارة الأرحام والاطمئنان عليهم والتفاني في خدمتهم، خاصة إذا كانوا في حاجة لذلك.

المقترح الرابع:
حافظ على صلاة الجماعة في المسجد، واجتهد في أن تحفظ كل يوم بضع آيات وارتبط بمقرأة لتتعلم أحكام التلاوة، وحافظ على أذكار الصباح والمساء، واقتن كُتَيب حصن المسلم . وتعرف على حياة الصحابة والعلماء والصالحين ، فهم أعلام الهدى ومصابيح الدُّجَى ، فالنظر في سيرهم والاطلاع على أحوالهم يبعث على التأسي بهم والاهتداء بهديهم. فاستمع كل أسبوع الى قصة حياة ثلاث شخصيات أو أكثر، ومما يعينك على هذا الأمر : الوسائط الحديثة كالفلاشات وشبكة الانترنت وغيرها فتلك نعمة كبرى إذا أحسنَّا استغلالها ،
وليتك تخصص دقائق – ولو قليلة – لتستخرج بنفسك العبر والعظات من حياة كل شخصية، واجتهد في تلخيص المهم منها.

المقترح الخامس:
تعاون مع إخوانك بمسجد الحي في اقامة الأنشطة المتنوعة – علمية واجتماعية وتربوية وأدبية – ولا تنس أَنْ تشارك في نشاط أو أكثر من هذه الأنشطة، منها على سيبل المثال: المسابقات النافعة بين الشباب والناشئة ، ومنها : زيارة إحدى المؤسسات الخيرية أو مكاتب الدعوة؛ أو المستشفيات لتتعرف عليها وتسهم فيها بأي شكل مهما كان يسيراً ، ومنها أيضا : الالتحاق بإحدى الدورات العلمية أو العملية النافعة والمفيدة، مثل: دورة في الخط أو الكمبيوتر أو الرسم وغيرها كثير.

* ووصيتي لكل مَنْ يقرأ هذه المقالة أَنْ يأخذ نفسه بإرشاداتها على قدر المستطاع ، ويعمل ما في وسعه لنشرها، لعل الله أَنْ ينفع بها أَقْوَامًا ويصلح بها آخرين، فيكتب لنا الأجر جميعا، فالدَّالُّ على الخير كفاعله، اللهم ارزقنا حسن استغلال أوقاتنا، وَقِنَا وأَهْلَنا شَرَّ البطالة و الفراغ، آمين.

الرابط الأصلي

للآباء .. دلائل تعاطي المخدرات

دلائل تعاطي المخدرات


على الرغم من اختلاف الأديان والأوطان والملل والعقائد والطوائف والأحزاب، فإن الجميع يتحد ضد آفة المخدرات، واصبح مكافحتها واجبا دينيا وأخلاقيا ووطنيا، ولا يتوقف الأمر عند المكافحة فقط، وإنما ينبغي أيضاً الإرشاد عن المعلومات التي تفيد في وقف انتشار المخدرات، كما انه على أولياء الأمور مراقبة تصرفات ابنائهم ليتمكنوا من اكتشاف المشكلة -لا قدر الله- قبل تفاقمها، فتعاطي المخدر ينتهي غالباً إلى إدمانه، وإدمانه يهدد ضحاياه المباشرين وغير المباشرين بأخطار فادحة، فالمخدر يُتلف تدريجيًا مداركهم وينتهي بعدد كبير منهم إلى الجنون أو الانتحار أو السجن.مخدرات1

وهناك دلائل تشير إلى التعاطي، والواقع يقر أن تعاطي المخدرات يحدث أسوأ الأثر في المدمن، فتراه عصبي المزاج لا يتحمل الضغط العصبي الناتج من المشاكل الحياتية، ويميل الى الابتعاد والانطواء وقد ينهار عاطفياً، ويفقد الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية أو العائلية أو الزوجية، كما أكدت جميع الدراسات العلمية أن المتعاطي يتميز بضعف الإرادة والميل إلى اللامبالاة ويبتعد عن الدراسة ويكره العلم والعمل، فضلاً عن أن ولي الأمر يمكن أن يلاحظ تدهور صحة ابنه، وقد يتأخر بعض أولياء الأمور في اكتشاف هذه الأمور الخطيرة وبالتالي يتحول الشخص من متعاطٍ إلى مدمن يصعب علاجه، فالإدمان هو الخراب والدمار، لذا ننبه أولياء الأمور إلى ضرورة ملاحظة وجود آثار تدل على الإدمان وهي ضمور جسم المدمن وشحوب وجهه وتغير في طريقة مشيته وضعف أعصابه، والمدمن يستنفد مصروفه اليومي أو الأسبوعي بشكل سريع، أما في مرحلة متأخرة من الإدمان فإن المدمن يلجأ إلى ارتكاب جرائم جنائية يعاقب عليها القانون بعقوبات شديدة من دون أدنى إرادة لأن المدمن هدفه هو شراء المخدر سواء حصل على المال بالسرقة أو الاحتيال أو بأي طريقة أخرى.

مخدرات2

ويمكن لولي الأمر أن يتعرف على بعض العلامات التي تشير إلى درجة الإدمان وتشير أيضًا إلى الفترة الزمنية للتعاطي وهذه الدلائل تتراوح من بسيطة إلى خطيرة وهي احمرار العين باستمرار والتعرق في الجو البارد وسرعة الإحساس بالتعب والإرهاق والابتعاد عن الألعاب الرياضية رغم تعلقه بهذه الألعاب، والسهر ليلاً خارج المنزل ومرافقة المدمنين والإهمال المتزايد في كل الأنشطة، وإن رأى ولي الأمر ظهور بعض من هذه الدلائل فعليه أن يعرض المدمن على المختصين وأن يسرع ويحسن التصرف فالوقاية خير من العلاج، لنتقي شر المخدرات.

الرابط

تبريك المسلم إذا رأى شيئا يعجبه، هل يشترط فيه حضور القلب؟

تبريك المسلم إذا رأى شيئا يعجبه، هل يشترط فيه حضور القلب؟ رقم الفتوى 265497

السؤال: هل يشترط حضور القلب عند قول ( اللهم بارك ) عندما يعجبنا أمر ؛ لأنه من الدعاء ؟ أم إنه من الذكر الذي لا يشترط فيه حضور القلب ، ولكن الأفضل حضوره ؟ وهل بمجرد الخوف من الإصابة بالعين ، يعني حضور القلب والنطق باللسان بالبركه يكفي ؟ اشتبه علي الأمر ، فهل المقصد منها هو الدعاء أم الذكر ؟ لأنه إذا أعجبني أمر تعودت أقول اللهم بارك ، ولكن لا استحضر معنى البركه ولا نيتي حفظ ما أعجبت به من عيني .
تم النشر بتاريخ: 2017-05-31

الجواب :تسجيل الدخول

Hearts-00001
الحمد لله

أولا:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَأَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ) رواه الحاكم في ” المستدرك” (4 / 215)، وقال: ” هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ “، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في “السلسة الصحيحة” (6 / 148).

فالتبريك إذًا هو دعاء بحصول البركة : (فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ)، وهو في نفس الوقت ذكر لله تعالى؛ لأنه يتضمن ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ” الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه وتعالى، متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه فهو ذكر وزيادة  … و “المقصود” أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه ” انتهى. “مجموع الفتاوى” (15 / 19).

Da3aweyyat -9
ثانيا:
أمر الله تعالى بحضور القلب أثناء الذكر. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحضور القلب أثناء الدعاء.
فقال الله تعالى: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) الأعراف (205).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
” الذكر لله تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما، وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر الله عبده ورسوله محمدا أصلا وغيره تبعا، بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا خاليا.
( تَضَرُّعًا ) أي: متضرعا بلسانك، مكررا لأنواع الذكر، ( وَخِيفَةً ) في قلبك بأن تكون خائفا من الله، وَجِلَ القلب منه، خوفا أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه، والنصح به… ” انتهى. “تفسير السعدي” (ص 314).

وأمر الله تعالى بالتضرع في الدعاء أيضا ، قال الله تعالى:
( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) الأعراف (55).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ ) رواه الترمذي (3479) وحسنه الألباني في “سلسلة الأحاديث الصحيحة” (2 / 141).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:  ” وقد قال تعالى: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ) فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكره في نفسه قال مجاهد وابن جريج: أمروا أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت والصياح، وتأمل كيف قال في آية الذكر: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ ) الآية. وفي آية الدعاء: ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) فذكر التضرع فيهما معا وهو التذلل، والتمسكن، والانكسار وهو روح الذكر والدعاء ” انتهى. “مجموع الفتاوى” (15 / 19).

لأن من أهم المقاصد التي شرع لأجلها الذكر؛ هي لكي ينتفع به القلب فيبقى قوي الارتباط بالله تعالى متفكرا في أسمائه الحسنى وصفاته العلى فيزداد بذلك إيمانه وتعلقه بالله تعالى.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ” ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من ذلك الإثمار، وإن أثمر شيئا فثمرته ضعيفة ” انتهى. “الوابل الصيب” (ص 221) .

فالحاصل؛ أن حضور القلب مطلوب في الذكر كما هو مطلوب في الدعاء؛ وعلى هذا فتبريك المسلم عند رؤيته ما يعجبه ينبغي أن يكون بحضور القلب حتى وإن اعتبر أنه من باب الأذكار.

ثالثا:
مواطأة القلب للسان في الدعاء والذكر، هي من الأمور المشروعة المطلوبة ، كما سبق . وهي الحال الأكمل للداعي والذاكر ..

HAMD-0001

لكنها ليست شرطا في حصول الأجر من الدعاء والذكر ، بل هي المقام الأعلى والأفضل ؛ وإلا فذكر الله نفسه خير ، على كل حال ، ودعاؤه خير وبركة على كل حال ، واشتغال اللسان بذكر الله ودعائه : خير على كل حال .

مع أن اللسان لا ينبعث بهذا الذكر المعين ، في مناسبته ، إلا وقد قام بالقلب من الحضور ما يبعثه لاختيار هذا الذكر دون غيره ، أو هذا الدعاء المعين ، في المقام اللائق به .

قال الشوكاني رحمه الله تعالى:
” لا ريب أن تدبر الذاكر لمعاني ما يذكر به أكمل؛ لأنه بذلك يكون في حكم المخاطب والمناجي.
لكن؛ وإن كان أجر هذا أتم وأوفى، فإنه لا ينافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب الأذكار لمن جاء بها فإنه أعم من أن يأتي بها متدبرا لمعانيها متعقلا لما يراد منها أولا، ولم يرد تقييد ما وعد به من ثوابها بالتدبر والتفهم ” انتهى. “تحفة الذاكرين” (ص 45).

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (235993).
والله أعلم.

ملخص الجواب :
حضور القلب مطلوب في الذكر كما هو مطلوب في الدعاء؛ وعلى هذا فتبريك المسلم عند رؤيته ما يعجبه ينبغي أن يكون بحضور القلب حتى وإن اعتبر أنه من باب الأذكار.

الإسلام سؤال وجواب – الفتوى 265487

 

باطنية العصر الجديد

باطنية العصر الجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

KAHAN000
ظهرَت في العالم الإسلامي – وفي دول الخليج خصوصاً – خلال العقدين الماضيين عدد من الأفكار والممارسات التي يمكن تصنيفها تحت مظلة ما اصطلح المختصون على تسميتها الباطنية الحديثة ، أو الروحانيات المحدثة ، أو تطبيقات “العصر الجديد” .

وهي منظومة فكرية متفرعة عن الفلسفات الشرقية المتمثلة بالهندوسية والبوذية والطاوية ، ومتأثرة بالتيارات الباطنية في الغرب كالثيوصوفي و”الفكر الجديد” ، بالإضافة للديانات الوثنية المحدثة والتصوف الفلسفي المغالي .

KAHAN001

اجتمع في هذه المذاهب المتفرقة عوامل مشتركة شكلت القاعدة التي بُنيت عليها تطبيقات الباطنية الحديثة ،

تتلخص هذه العوامل بالمبادئ التالية :
١- عقيدة الحلول والاتحاد ووحدة والوجود .
٢- الاعتقاد بالألوهية الكامنة للنفس البشرية .
٣- الاعتقاد بالوحي الذاتي المستغني عن التوسط النبوي .
٤- الاعتقاد بنسبية الحق ووحدة الأديان .
٥- السعي “للاستنارة” أو “الإشراق” المتمثل باتحاد المخلوق بالخالق .

تتجلى هذه المبادئ بشكل صريح وظاهر في طرح رموز الباطنية الحديثة عند الغرب، أمثال : إكهارت تولي، وأوشو، وديباك تشوبرا، وواين داير وغيرهم، ولكنها تظهر بدرجات متفاوته في الوضوح والصراحة عند أتباع هؤلاء في العالم العربي .

ورغم وضوح الإشكالات العقدية الشديدة في تطبيقات الباطنية الحديثة لأي متابع مطلع ومختص، إلا أن الجدل فيها لا يزال قائمًا بين عوام الناس لأسباب متعددة، من أهمها غياب الفتوى وصوت كبار العلماء في البت في هذه النوازل الخطيرة منذ سنوات طويلة.

وفيما يلي ملخص لأبرز أنواع الممارسات مع التوضيح الموجز والتمثيل :

أولاً : الممارسات المتعلقة بفلسفة “الطاقة الكونية” .
“الطاقة الكونية” في الفلسفة الشرقية وتطبيقات الباطنية الحديثة هي تعبير عن الوجود الكلي المطلق ، وإحدى صور عقيدة وحدة الوجود . ويُبنى عليها تصورهم عن الصحة والمرض ، فكلما كانت “الطاقة” متوازنة كان الإنسان أقرب لأصله “الإلهي” الذي لا يصيبه المرض ولا يتضرر بالآفات والعلل . ووجه الإشكال في التشافي بها من جهتين : عدم ثبوت سببيتها – ولا حتى وجودها كونًا ، ولارتباطها بمعتقدات باطلة لا تنفك عنها .

ومن أمثلة الممارسات المبنية على “فلسفة الطاقة” :
١- أنواع العلاج بالطاقة .
٢- الريكي .
٣- العلاج بالبرانا .
٤- الأيورفيدا .
٥- وخز مسارات الطاقة بالإبر .
٦- الماكروبيوتيك .

ثانيًا : الممارسات المتعلقة بالقدرات الخارقة .
من فروع القول بوحدة الوجود والألوهية الكامنة بالنفس البشرية ، برزت مزاعم امتلاك الإنسان لقدرات خارقة يتم كشفها عبر رياضات روحية معينة . بعدها يتمكن الإنسان من القيام بأفعال فوق بشرية .
ومن أمثلة ذلك :
١- المشي على الجمر .
٢- الخروج من الجسد ( الإسقاط النجمي ) .
٣- قراءة الأفكار وإرسالها ( التخاطر ) .
٤- تحريك الأشياء عن بعد ( تليكنيسيس ) .

ثالثًا : الممارسات الشركية .
وهذه الممارسات مع ارتباطها بالمبادئ المذكورة آنفًا يظهر فيها جانب شركي أكثر وضوحًا ، يشبه حكم التمائم واعتقاد التأثير فيما لا يؤثر.
ومن أمثلة ذلك :
١- الاستشفاء “بطاقة” الأحجار وذبذباتها ( بتعليقها أو وضعها في المنزل ) .
٢- استخدام الأحجار في جلب النفع أو دفع الضر ، كحل المشاكل الزوحية أو جذب الخب وشريك الحياة .
٣- الفونغ شوي وطاقة المكان ، حيث يقسم المكان لعدة مناطق مؤثرة في حياة الساكن ، ركن الثروة ، ركن الصحة .. الخ . وبالتغير في ذلك الركن تتأثر الحياة ، كوضع شجرة المال في ركن الثروة لزيادة الدخل ، أو شلال في ركن الصحة لجلب العافية .

رابعًا : الممارسات المناقضة للإيمان بالقضاء والقدر .
وهي من نتائج الاعتقاد بوحدة الوجود ، حيث إن العالم المشهود عندهم وهم ، وليس سوى انعكاس للوجود الحقيقي الذي يعبرون عنه “بالوعي” ، ومن ثم يكون التغيير في الوعي عن طريق التفكير والتركيز سبب في تجلي تلك الأفكار وظهورها في الواقع . وبذلك يكون الإنسان مدبر لأقداره موجد لها بإرادته أو تركيزه . وهم يصرحون بأن الإنسان ليس فقط يخلق فعله ، بل يخلق قدره كله . ويكثرون من الاستشهاد الخاطئ بالنصوص للتأييد هذا المعتقد ، كحديث [ أنا عند ظن عبدي بي ] .
ومن أمثلة ذلك :
١- كتاب السر .
٢- قانون الجذب .
٣- القوانين الروحية المتفرعة عن قانون الجذب : كقانون التركيز وقانون الامتنان ..

خامسًا : الممارسات المثبتة للغنوص .
والمراد به الاعتقاد بوجود وسيلة مباشرة لتحصيل المعارف من مصدرها الإلهي دون الحاجة إلى الوحي ، ويعبر عنه -كثيرًا- بالإلهام أو الكشف ، ويوجد متفرقًا في طرح المتأثرين بالباطنية الحديثة .
ومن الأمثلة القائمة على هذه الفكرة :KAHANA003
١- دورة فن استفتاء القلب .
٢- دورة “النوتة” .

سادسًا : نشر الأفكار الصوفية وتمجيد رموز التصوف .
نظرًا لقرب الفلسفات الشرقية والباطنية الغربية من مبادئ التصوف الفلسفي أدت محاولة “أسلمة” تلك المبادئ إلى ظهور فكر مطابق للفكر الصوفي القديم ، ووجد المتأثرون بهذا الفكر ضالتهم في كتابات زنادقة الصوفية كابن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي .
ومن أمثلة ذلك :
١- وعي الحب الإلهي ( قواعد العشق للرومي ) .
٢- الوصول إلى البصيرة .

سابعًا : الممارسات المتضمنة لمشابهة الكفار فيما هو من خصائصهم .
نظرًا لأن أصول الباطنية الحديثة ترجع للفلسفات والديانات الشرقية فإنها تظهر في تطبيقاتها آثار تلك الديانات ، سواء في المرجعية كالإحالات المتكررة إلى بوذا ولاوتسي ( الطاوي ) وغيرهما ، أو في الألفاظ والممارسات .
ومن أمثلة ذلك :
١- اليوغا ( رياضة هندوسية يراد بها – عندهم الاتحاد بالإله ) .
٢-المشي على الجمر ، في دورات أطلق المارد / العملاق الذي بداخلك .
٣- مصطلحات : الكارما ، المانترا ، الشاكرا .

ثامنًا : ممارسات الكهانة ودعوى معرفة الغيب .
تظهر عند بعض المتأثرين بالباطنية الحديثة ممارسات متنوعة فيها شيء من الدعاوى الغيبية ، وقد يعتمد بعضها على تصور معيّن للوجود، وبعضها ليس له تعلق مباشر بالفلسفة وإنما تمرر ضمن ما يُعرف بتحليل الشخصية .
ومن أمثلة ذلك :
١- الداوزينج ، وهو نوع من “التكهن” عن طريق البندول .
٢- بعض صور تحليل الخط والتوقيع .
٣- قراءة وتشخيص هالات الجسد .

وهذا ليس إلا طرفًا يسيرًا مما يبثه هؤلاء في مجتمعنا المسلم المحافظ بشكل متسارع مخيف ، وإلا لو أردنا التفصيل والاستقصاء لطال بنا المقام جدًا ، فإنما هي إشارات تبين خطورة الأمر والضرورة الشديدة لالتفات العلماء لمعالجته وصده وتحذير الناس من خطره .

علمًا أن جميع ما سبق – مع ما فيه من خلل عقدي بيّن – يُروَّج على زعم “ثبوت منفعته أو تأثيره علميًا” ، وبالرجوع إلى الثقات والمحايدون من الأطباء وعلماء النفس وعلماء الفيزياء يتبين أن ذلك ليس إلا دعاوى فارغة ، وأن الآثار المظنونة في الممارسات المذكورة الآنف ذكرها هي خليط من الأثر الوهمي وقوة الإيحاء النفسي وبعض المنافع التي لا تختص بها تلك الممارسات .

http://saaid.net/Minute/845.htm