عشرون دليلاً على فضل الدعوة

عشرون دليلاً على فضل الدعوة
سلطان بن عبد الله العمري

في نظرة لعامة الناس نجد الإقبال على الخير بحمد الله تعالى، والازدياد في صفوف أهل الإسلام ، والتوجه إلى شواطئ التائبين ، والرغبة في نصرة الدين والتضحية من أجله ، ومع كل هذا الخير الذي ملأ الأرض إلا إن هناك بعض الشرور التي تنتشر بين فينة وأخرى في ظل غياب بعض المصلحين عن واجب الإصلاح والبيان ، وفي انشغال بعض الصالحين بأنفسهم وتهربهم عن مسؤولية الدفاع عن الدين .

دعوة2

لذلك أحببتُ شحذ الهمم بذكر فضائل الدعوة إلى الله وما للعاملين في مجال الإصلاح والبيان وتعليم الخير من الفوائد في الدنيا والآخرة ، لعل النائم أن يستيقظ ، ولعل العامل أن يزداد همةً ونشاطاً ، سائلاً المولى أن يجعلنا ممن يحمل هم هذا الدين ويسعى إلى نشره في الآفاق على المنهج الصحيح .

الفضائل :ش
1. أنها مهمة الأنبياء والمرسلين ، كما قال تعالى : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ))[الأنبياء:25]. قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى : فكل الرسل زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة.اهـ
قلت : ولاشك أن القيام بهذه المهمة فيها شرف الاتباع لهم والاقتداء بهم .

2. أنها سبب لرحمة الله تعالى ، يقول الله تعالى : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّه )[التوبة:71]. فانظر كيف جعل الله الرحمة لأولئك الدعاة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وانظر كيف بدأ الله بذكر الدعوة قبل ذكر الصلاة والزكاة مما يدل على أهميتها.

3. أن الدعوة سبب للفوز بخيرية الأمة كما قال تعالى (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))[آل عمران:110] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها ، ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: (( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ))[المائدة:79]

أنها سبب للفلاح في الدنيا والآخرة ، يقول الله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))[آل عمران:104] قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين . أهـ .

دعوة

ومن لطيف ما قاله معالي الشيخ صالح آل الشيخ غفر الله له : قال العلماء : قدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأن الإيمان بالله قاصر على من آمن، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤمن وإيمانه تعدّى خيراً فنشر ما آمن به، ولذلك قدّم على سائر المؤمنين .

أنها استجابة لنداء الرب تعالى ، يقول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ )[الصف:14].
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى : فهذا النصر المأمور به هنا نصر دِين الله الذي آمنوا به بأن يبثّوه ويَثْبُتوا على الأخذ به دون اكتراث بما يلاقونه من أذى من المشركين وأهللِ الكتاب .

5. أنها سبب للثبات على الدين ، يقول الله تعالى : ( إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )[محمد:7]. فليبشر كل من سار في قافلة الدعوة أن يمنحه الله الثبات على الدين وقوة التمسك بالدين جزاءً لجهوده وبرامجه الدعوية ، وهذا شيء نراه في واقعنا للعلماء الكبار والدعاة الذين خدموا الدين ، فهم أقوى الناس ثباتاً على مر الزمن ، واقرأ في أخبار العلماء كأحمد بن حنبل الذي نصر الدين يوم فتنة خلق القرآن ، فكانت الثمرة له أن ثبته الله على الدين ومنحه الصبر على فتنة السجن والجلد ، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي نصر الدين بمؤلفاته في الرد على كافة أصحاب الديانات والمذاهب الباطلة ونصر الدين بنشر العلم لعامة الناس في كافة المجالات ، فكانت الثمرة له أن ثبته الله لما سجن وكان من أقوى الناس ثباتا في أشد المواطن ، وصدق الله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ))[محمد:7].

6. – أن فيها تهذيب للنفوس وتزكيةٌ لها ، كما قال تعالى في الحكمة من إرسال نبيه صلى الله عليه وسلم : ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ… )[آل عمران:164] . إذن يجب أن نعلم أن من أعظم واجبات الدعاة تزكية النفوس وتربيتها على المعاني الإيمانية والتربوية التي جاءت في الشريعة الإسلامية .

7. – أنها أفضل الأعمال وأحسن الأقوال، قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا )[فصلت:33].

قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلاما وطريقة، وحالة { ممن دعا إلى الله } بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها،والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

8. – أن الدعوة سبب للنجاة من الخسران الذي ذكره الله تعالى في قوله : ( وَالْعَصْرِ -إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ- إلا الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )[العصر:2].

فتأمل لتجد أن الله نفى الخسران عمن قام بالإيمان والعمل الصالح وقام بنصح الناس وتواصى معهم على القيام بالحق والدعوة إليه ، والصبر على مايكون في طريقه .

9. – أن الدعوة تبقى للعبد بعد موته ، كما قال صلى الله عليه وسلم : { من دل على هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه ) [ رواه مسلم 4831 ] ولك أن تتخيل لو أن عشرة انتفعوا بك من محاضرة ألقيتها أو شريط وزعته عليهم أو كتابا أهديتهم إياه ، فكم هي الحسنات التي تنتشر لك بين هؤلاء وأقاربهم وغيرهم ، وحينما يفجأك الموت تبقى لك هذه الحسنات لتأتيك وأنت في قبرك .

10. – أنها سبب لمحبة الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أحب الناس إلى الله أنفعهم ) [صحيح الجامع 176].

ولاشك أن أعظم النفع للناس هو نفعهم في تصحيح معتقدهم ودينهم ورفع مستوى الإيمان لديهم وتزكية أخلاقهم وسلوكهم ومحاربة الباطل والشهوات التي تعترضهم.

أن الدعوة نوعُ إحسان ، والله يقول : (( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ))[البقرة:195].
وإذا كان نفع الناس بتوفير الطعام لديهم وأمور حياتهم فيه من الأجور مافيه ، فكيف بإطعام قلوبهم وتغذية أرواحهم بزاد الإيمان الذي به حياتهم الحقيقية .

12. أنها سبب لثناء الرب عز وجل واستغفار الملائكة وسائر المخلوقات ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله و ملائكته حتى النملة في جحرها و حتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ). [‏صحيح الجامع ‏ 1838 ‌).

قال العلماء : الصلاة من الله تعني ( الثناء ) ومن الملائكة وغيرهم من المخلوقات تعني ( الاستغفار ) ، وما أعجب هذا الحديث لمن تأمله ، أن تفوز بثناء الرب تعالى ، واستغفار الملائكة الذين لايعلم عددهم إلا الله تعالى وتفوز أيضا باستغفار المخلوقات كبارها وصغارها ، كل هذا بسبب أنك قمت ببرنامج دعوي وتعليمي لعباد الله ، يا الله ، ما أعظم هذه الفضائل ، ولكن أين المتنافسون والباحثون عن المعالي ؟

13. أنها سبب للفوز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم القائل : ( نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره ) [صحيح الجامع 6763 ].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن .

14. أنها سبب لإنقاذ الناس من النار، قال صلى الله عليه وسلم : ( مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش و هذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها و جعل يحجزهن و يغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي و مثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار : هلم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها ) . [ رواه مسلم : 4234 ). ‌

وانظر مثلاً: دعوة الجاليات كم أنقذت ناساً من النار ؟ ولعلك سمعت بجهود بعض الدعاة الذين تاب على أيديهم بعض الشباب الذين لم يكونوا يصلون سنوات عديدة ، فكم كانت جهود الدعاة حماية من النار ، ولكن أين من يتأمل؟.

15. أنها من أكبر أسباب زيادة الحسنات ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) . [رواه مسلم 4830 . ].

16. أن الدعوة سبب لحفظ الشريعة وبقاءها ، وهذا مما يحبه الله ويرضاه ، ومما تواترت نصوص الشريعة بالدعوة إليه، ولذلك انظر للبلاد التي تغيب فيها معالم الدعوة ، كيف تغيب فيها العقائد الصحيحة والعبادات الشرعية والسنن النبوية .

17. – أنها توقف تيار الفساد أو تقلل منه ، لأن الحق قوي وفيه عوامل التأثير ولكن أين من يحمله للناس ؟ وكما أن هناك تيارات وجهود لأهل الفساد كالمنصرين وأصحاب الديانات الأخرى وغيرهم من المفسدين من أصحاب الشهوات الذين ينشرون الشهوات في القنوات والمواقع الإلكترونية والصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإفساد ، فيجب أن يقوم الدعاة بالدعوة على كافة المستويات وفي جميع الأبواب المتاحة لإيقاف هذا المدّ الإفسادي المعلن في العالم بأسره .

18. – أن الدعوة تعبيدُ الخلق للخالق، وتقويةً لعلاقتهم به، وهذا من أحسن الأعمال وأشرفها ، وهل كانت وظيفة الرسل إلا ذلك ؟ وهنيئا لمن كانت حياته في تحقيق المراد الرباني من خلق الخلق وإيجادهم .

19. – أن الدعوة نوع من الجهاد الذي يحبه الله ، قال معالي الشيخ صالح آل الشيخ غفر الله له : ولهذا في مكة قبل أن يشرع الجهاد بالسنان بالقتال، كان الجهاد جهاد دعوة وجهاد حجة وجهاد بيان، قال الله جل وعلا في سورة الفرقان (( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ))[الفرقان:52] قال ابن عباس رضي الله عنهما : جاهدهم به يعني بالقرآن وهو جهاد الحجة والبيان . أهـ

قلت : ولهذا فإن من الخطأ حصر الجهاد في السلاح فقط ، ولعل من جميل ما يستأنس به هنا ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى : وتبليغ سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم بها إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم . أهـ

ونقول : كما أن للأمة أعداء في الخارج لابد من جهادهم بالسلاح ، فهناك أعداء في الداخل يجب جهادهم بالدعوة والبيان والنصح والإنكار .

20. أنها سبب لانشراح الصدر؛ لأن الله كتب السعادة لكل من سعى في نفع الناس ، وهذا شيء مجرب ، ورأيناه ورآه غيرنا .

21. أنها سبب لحفظ الناس من عالم الانحراف، كالمخدرات، والسرقات، والشهوات؛ لأن الواقعون في هذه الأمور فقدوا معني إيمانية وبالتالي ينصرفون لما حرم الله ، والقيام بواجب الدعوة يقوي الإيمان في قلوبهم ويكون سبباً لحفظهم من الانحراف.

22. أنها سبب لضبط الأمن وإشاعته، فانظر لأصحاب الفكر الضال ، لو أنهم اهتدوا للمنهج الحق هل سيقومون بفعلهم ؟ بالطبع لا .

ولهذا أوصي كل من له ولاية على المسلمين ومن له قدم عند أصحاب القرار أن يساهم في فتح الباب لدعاة الحق لبيان المنهج الحق ليكون سبباً في حفظ عقول الناس من الأفكار المخالفة.

ومضة : من الناس من يحمل همّ الإسلام ، ومن الناس من يحمل الإسلام همه .

الرابط الأصلي

ذكر الله

ذكر الله
الشيخ محمد أبو عجيلة أحمد عبدالله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟” قالوا: بلى، قال: “ذكر الله”.الباقيات1

ذكر الله يملأ القلب سرورا ويكسو الوجه نورا ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]. وبذكر الله تنفرج الكروب ويحصل النصر ويثبت الله القلب في مواطن الفزع.

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “الذكر للقلب كالماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا أخرج من الماء؟”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبق المفردون. قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال الذاكرون الله كثيراً.

أفضل الذاكرين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ففي صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يذكر الله على كل أحيانه”.

وقرأ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قوله تعالى: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58] فسجد، وقال: هذا السجود فأين البكاء؟

عباد الله إننا نشكو قسوة قلوبنا، وجفاف دموعنا، وانشغالنا بعيوب غيرنا عن عيوننا.

• الذكر دواء لقسوة القلوب، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد: أشكو إليك قسوة قلبي، قال: “أذبه بالذكر”.ذكر الله 1

“ذكر الله شفاءٌ وذكر الناس داءٌ”.

الذاكر الله إذا جلس في سوقه أو وظيفته علم أن الله مطلع عليه، فلم يأخذ إلا حقاً، ولم يعط إلا حقاً، إذا امتدت يده إلى شيء لا يحل له ذكر الله انتهى، وإذا سعت قدمه إلى شيء لا يرضي الله ذكر الله توقف، وإذا ذكر الله غض بصره عن محارم الله، وكذا سمعه ولسانه وجوارحه كلها.

عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فَإِنَّهُ … بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فألْزَمْهُ تَسْعَدِ

• ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها إلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذلك ينبغي للعاقل أن يجعل معه شيئًا يذكره بالله سبحانه – كلما غفل.

وقال صلى الله عليه وسلم: “ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة”.ذكر الله 3

لما غفل الناس عن الذكر، تسللت الشياطين إلى البيوت، فأفسدت فيها ودنست قلوب أصحابها، فهذا به مس وذلك مصروع، وثالث أصابته عين حسد أو حقود، لجأ بعضهم إلى المشعوذين، فزادهم رهقاً، وفر البعض إلى المخدرات، فازدادوا ضياعاً وفساداً، فلا نجاة من هذا العذاب، ولا سكينة لهذا الاضطراب، ولا طمأنينة للقلوب الحائرة التائهة العطشى، إلا بذكر الله ذكراً كثيراً. ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

الرابط الأصلي

دروس من سُورَة المُطَفِّفِينَ – 2

تكملة لدروس من سورة المطففين 2

لفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي

من همُ المطففون ؟

فيما يلي يبيِّن ربنا عزَّ وجلَّ مَن همُ المطففون، قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

لكنَّ الذي ينبغي أن يُقال: الذين إذا اكتالوا من الناس، أي اشتروا منهم، اشتروا منهم كيلاً، أو اشتروا منهم وزناً، أو اشتروا منهم طولاً، قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ﴾

أي بحكم احتكار الصنف، أو بحكم القوة المادية أو المعنوية، أو قوة المال أو الجاه أو السلطان، أي أن معك قوةً، ألزمت هذا المشتري أن تأخذ منه حقك كاملاً، يا أخي أريدها قائمة، الوزن غير مقبول، فلا يعبأ بكلامك:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ﴾

من معاني على الاستعلاء، استخدام ربنا الفعل (اكتال على) وعدم استخدامه (اكتال من) إشارةً إلى أن (اكتال على) بمعنى ألزم المشتري البائع أن يقدم له حقهُ كاملاً:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

حقهم بكامله، فإنه يدخل في هذه إن ادَّعيت يا أخي أن البضاعة عليها مصاريف، وأيضاً سافرنا سفرة ووجب عليك مصروفٌ، وقد خسرتُ في هذه الحالة، والحقيقة أنك سافرت لأمورٍ خاصةً بك، والسفر ليس له علاقة بالبضاعة ثم تغرِّمه مصاريف الرحلة والسفر، وإذا كان هناك مخالفات تحسبها، حتى مخالفة السيارة تحسبها عليه، فهذا من التطفيف، فكلمة “على” فيها قوة، أي:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

إذاً يريد أن يلزمه بمصاريف كل شيء، حتى حاجاتهِ اليومية، حتى طعامه الذي فيه بذخ، يقول لك: يا أخي إن هذا يدخل في المصروف.

عجب ربنا من المطففين الذين غاب عن أذهانهم أنهم سيقفون بين يدِي حاكمٍ عادل :
قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ

انظر كما يقول عامَّة الناس على سطح واحد صيف وشتاء في وقت واحد، أي إذا اشترى يستوفي حقه كاملاً، أما إذا باع فينقص هذا الحق إما كيلاً، أو وزناً، أو مساحةً، أو طولاً، أو نوعيةً، أو غشاً، أو عدم إتقان، أو ينقص هذا الحق نقصاً معنوياً، ثم يقول الله سبحانهُ وتعالى:

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

أي كيف غابَ عن ذهنهم أنهم سوف يقفون بين يدِي حاكمٍ عدل؟ كيف غاب عن ذهنهم هذا اليوم العظيم، الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؟ كيف غاب عنهم أنهم سيحاسبون على هذه الأعمال حساباً عسيراً؟ كيف غاب عنهم أنهم سيدفعون الثمن غالياً؟

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ )) [أحمد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

هناك مجموعة آيات في غير هذه السورة تحضُّ على الاستقامة في التعامل مع الناس:
ربنا عزَّ وجلَّ هنا عجب:

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾

هؤلاء جميعاً، وكلمة “أولئك” تعني أناساً كثيرين، حتى إن بعضهم قال: حينما بُعِث النبي عليه الصلاة والسلام كانت مكةُ تضجُ بهذه الظاهرة، تطفيف الوزنِ والكيل، ولا تنسوا أن قوم سيدنا شعيب أهلكهم الله عزَّ وجلَّ بهذا الذنب وحده، قال الله تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [سورة الرحمن: 9 ]

﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [سورة الإسراء: 35]

هناك مجموعة آيات في غير هذه السورة تحضُّ على الاستقامة في التعامل مع الناس، لذلك فعلامة المؤمن ليست الصلاة، ولا الصوم، ولا الحج، ولا الزكاة، ولا قراءة القرآن، هي غير التعلُّق بمظاهر الدين، علامة المسلم أنه إذا عمل عملاً فكأن هذا العمل لنفسه، وعليه أن يتقنه إتقاناً شديداً، والشيء المؤكد أن الذي يتقن عمله يتفوق بين أقرانه، فقانون الله عزَّ وجلَّ جعله عامّاً، حتى لو أخذ به الكافر لتفوق بمقتضى هذا القانون، فمن أتقن عمله تفوق في أي مصلحة كانت، حتى لو جاء إنسان ملحد وطبَّق هذا القانون لتفوق، فلا تعجبوا إذا رأيتم الناس مقبلين على إنسان بمصلحة معينة، يقول لك: عمله متقن، وصنعته متقنة، حاجته نظيفة، بضاعته جيدة، وزنه صحيح، لا يغش، ولا يأكل مالاً حراماً، فالذي يطبق هذا القانون يغتني في الدنيا قبل الآخرة.

الورعُ علامة الإيمانِ :
قال الله تعالى:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ َإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ *يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

أي هذا اليوم العظيم الذي يحاسب فيه الناس جميعاً على أعمالهم، يقومون لهذا الرب بين يديه، فهنا ربنا عزَّ وجلَّ ذكر اسم الربوبية، لأن الرب لا يظلم عباده، لا يدع مظلوماً ولا يدع ظالماً، يأخذ حق المظلوم من الظالم:
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين* كَلَّا َ

(كلّا) أداة ردع، أي لا تفعلوا هذا، دعوا التطفيف واتركوه على الفور، حدثني أخ فقال: أنا أعمل ميكانيكياً، تصليح عُطل يكلف مثلاً ألفاً وخمسمئة ليرة، أفتح المحرك فلا أجد شيئاً، فقط تحتاج لوصل شريط، ويتقاضى الأجر المذكور، لكن بعد أن عرف الله عزَّ وجلَّ إنْ جاء الزبون طالبه بأجر قدره عشر ليرات فقط، فيقول الزبون: ما هذا؟ غير معقول! تصليحه يكلف ألفاً وخمسمئة حسب ظني، فيقول له: والله لم أجد أيَّ عطل في المحرك، لكن قبل التعرف على حقيقة الإيمان كان يلحم هذا السلك ويشغل المحرك فيشتغل، ويأخذ ألفاً وخمسمئة ليرة، هذه هي علامة الإيمان، إذاً علامة الإيمانِ الورعُ، رأس الدين الورع.

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس]

رأس الدين النصيحة :
رأس الدين النصيحة، إذا قال لك أحد: انصحني، وأنت مؤمن، واللهِ الذي لا إله إلا هو، لو لم تنصحه لخرجت من دينك، قال لك: أي القماش آخذ؟ وأنت عندك شيء كاسد فتقول: خذ من هذا، تعني الكاسد، وانظر إلى كلّ الباعة فهم ينصحون بالكاسد دائماً، إذا كان من النوعية أو اللون، أي شيء كاسد عنده ينصحه به، ويقول له: هذا أحلى، هذا اللون أجمل وأجود وأقوى وأمتن، وأنا ألبس منه، ويخيط منه بنطالاً للإيهام، ويقول: انظر فأنا ألبس منه، لكن الله عزَّ وجلَّ يحاسب، ولا يغفل، فرأسُ الدين النصيحة، رأس الدين الورع.

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس]

هذه علامة الإيمان، أحياًنا يذهب إلى اللحام طفل، ويقول: أريد لحماً، والله الذي لا إله إلا هو لو لم تعطه حاجته كما لو كان أبوه واقفاً أمامك لما كنت مؤمناً، هذا هو الإيمان، ليس في الإيمان حل وسط، كأن تقول: هكذا تقتضي المصلحة، فهذا كلام مرفوض، هكذا قال أهل العرف، هذا أيضاً كلام مرفوض، المقياس هو أن تقول: قال الله تعالى، أو قال رسوله عليه الصلاة والسلام، أما قال أهل العرف فهذه الكلمة مطاطة يدخل تحتها الفسقة والفجار والمنحرفون. قال الله تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

كلا.. أداة ردع أي دعوا التطفيف بكل أنواعه، ما قلَّ منه وما كثر، ما ظهر منه وما بطن، ما كان بالوزن، وما كان بالعدد، وما كان بالكيل، وما كان بالمساحة، وما كان بالأطوال، وما كان بالنوع، وما كان بالغش، وما كان بعدم الإتقان، وما كان مادياً، وما كان معنوياً، دعوا التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ

 

الحديثُ عن الفُجَّار :
قال تعالى: ﴿ كَلَّا ﴾ أداة ردعٍ من الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

الآن ربنا عزَّ وجلَّ بدَّل اسماً باسم، كان الحديثُ عن المطففين فأصبح الحديثُ عن الفُجَّار. قال المفسرون: الفُجَّار هم المطففون، وهذا تبديل توضيح لا تبديل تغيير، المطففون هم الفُجَّار، وكلُ مطففٍ فاجر:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

أي أن هذا الكتاب يكفي أن يقوده إلى السجن أي إلى جهنم، هذا الكتاب قيدٌ لهم، يؤخذ بهذا الكتاب، كل عمله مسجل، وهذا الكتاب الذي سجل به عمله كافٍ أن يقودهُ إلى النار، هذا معنى كلمة “سجين”، من الفعل سَجَنَ، أي هذا الكتاب من سماته أنه يسجن صاحبه في النارِ إلى أبد الآبدين:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

إذا كان الرجل عليه مأخذ خطي، وبذنب كبير، هذا المأخذ الخطي كافٍ لمحاكمته وإيداعه السجن، يقول لك: كتابُ إدانة أي يدين صاحبه:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ

أي هذا الكتاب كافٍ إذا أصر صاحبه عليه ولم يتب منه أن يورِدَهُ النار.

الفرق بين (ما أدراك) و (ما يدريك) :

قال تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ

ربنا عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم من عادته أنه إذا قال: وما أدراك، أنه يُدري به نبيه عليه الصلاة والسلام، وإذا قال: وما يدريك، أي أن هذا لا يعلمه أحد ولم يُعلمه الله لأحد، هنا قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ

قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [ سورة القدر: 1-3 ]

إن قال الله عزَّ وجلَّ: وما أدراك فإنه سوف يدرينا، وإن قال:

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ [ سورة الأحزاب:63 ]

فهذه بعلم الله، ولا يطلع عليها أحداً أبداً، قال الله تعالى:

﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ [ سورة الأحزاب:63 ]

هذه بعلم الله، كلمة (وما يدريك) فلا يُعلِمُها لأحد حتى الأنبياء، أما (وما أدراك) فالله عزَّ وجلَّ يُعلمنا بذلك.

كل تطفيف فعله الإنسان مسجَّل عند الله كتابةً وصورةً وسوف يطلعه عليه يوم القيامة:
قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ

مرقوم أي من الرَقم، أو من الرَقْم، الرَقَمْ أي كتاب مرقَّم ومختوم يصعب تزويره، فالمالية تختم للتجار دفاترها، وترقمها، وتفقِّط الأعداد، فإذا باع التاجر بيعاً بمليون، وقطع الصفحة المسجل عليها مبلغ البيع ومادة البيع، وقال: لا بأس علينا، فلا يستطيع تمرير ذلك، لأن الأرقام متتابعة، ولا يخفى على المدقق أمر الإتلاف والتزوير، فكتابٌ مرقوم أي محدود ليس فيه زيادة ولا نقصان.

شيء آخر، الرَقم هو النقش، أي المخالفة مع صورتها، ففي بعض الدول تأتي للإنسان مخالفة، فإذا أنكرها يعرضون عليه صورة السيارة وهي في وضع المخالفة، فلا يستطيع أن ينبس ببنت شفة، أليس ذلك رقم سيارتك؟ وفي الطريق كنت مخالفاً؟ فكتابٌ مرقوم بمعنى مرقَّم، وكتابٌ مرقوم بمعنى هناك رقَم، أي فيه صور، أي أن كل شيء عملته التقطت له صورة، وسبحان الله فالصورة مُسْكِتة للشخص، فأحياناً يأخذ إنسان لشخص آخر صورة وهو في وضع مشين فهذه الصورة تكلِّفه مئات الألوف، فهل تستطيع أن تقول: لا، ليست هذه صورتي؟

فربنا عزَّ وجل أبان ذلك، فكل تطفيف فعله الإنسان في الدنيا مسجَّل عند الله عزَّ وجلَّ كتابةً وصورةً، وسوف يطلعه على عملية التطفيف يوم القيامة.

آيات قرآنية تبين أن المعتدي والآثم هما من يكذبان بيوم الدين :
قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ

هؤلاء الذين كذبوا بيوم الدين، هؤلاء الذين كذبوا بحساب الله عزَّ وجل، هؤلاء الذين استخفوا بأوامر الله ولم يعبؤوا بزجره ولا بنهيه:

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ*وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

انظر إلى هذا القانون الجديد، فهنا أسلوب حصر:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

المعتدي على حقوق العباد والآثم في معصية الله هؤلاء الرجلان عادةً يكذِّبان بيوم الدين، فإذا كذَّب المرء بيوم الدين دقق في عمله تراه معتدياً أثيماً، قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [ سورة الماعون: 1-2]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [ سورة القصص: 50]

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [ سورة الماعون: 1-2]

الاستقامة طريق الإنسان للإيمان بالله والإيمان بيوم الدين والإيمان بالحق :
ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

لذلك يكفي أن تستقيم حتى تؤمن بالله وتؤمن بيوم الدين وتؤمن بالحق، فهذا شيء عجيب، فالحق لا يحتاج إلى إذن ولا إلى فكر ولا إلى كتاب، الحق يحتاج إلى استقامة، فإذا استقمت آمنت به، وطبقَّته، وملأ الحق قلبك، وأعجبت به، يجوز أن يستغرب أحدكم فيقول: ما علاقة الاستقامة بالإيمان؟ إنها علاقةٌ مصيرية، علاقةٌ ترابطية، علاقة سببٍ بنتيجة، ومَنْ يؤمن بالله يهد قلبه، من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، خذ هذه القاعدة: إذا لم يكن هناك شيء واضح لك فاستقم، فالإنسان أحياناً لأنَّه غير مستقيم تجده يجيِّر الحق لمصلحته، ويفسِّر القرآن وفق هواه، وهذا الذي ذكره الإمام الغزالي: التفسير بالرأي أي يؤول آيات القرآن الكريم لمصالحه، كأنْ يقول: الله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾ [ سورة آل عمران: 130]

الله لم ينهَنا عن الربا بل نهانا عن أكله أضعافاً مضاعفة، هذا هو التفسير بالرأي، يريد أن يجيِّر الآيات لمصلحته، لأنَّه مُرابٍ وهذه الآية تغطي تصرفاته فيتشبث بتفسيرها، ويقول لك: لا، إنك لا تفهم معناها، وهذا هو تفسيرها، وقد سألت عنها، ومعي فتوى بذلك.

عندما ينكر الإنسان الحق أو يردّه فهو غير مستقيم، فلو أنه استقام على أمر الله لآمن به ولقي ثماره يانعةً.

علامة المنافق أو الكافر أنه لا يعبأ بقصص الأنبياء ولا بآيات القرآن :
قال تعالى:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

آية مثل الشمس، مثل القمر، مثل المجرات، يقول لك: الحديث لا يفيد، فلا داعي للتحدث فيه، ولو قلت له: سيدنا نوح، يقول لك: سيدنا نوح ماذا تريد منه الآن، فقد مات من آلاف السنين، وإن قلت له: سيدنا يوسف قال:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [سورة يوسف:33]

فلا يتركك تتكلم، ويقول لك: هل هذا عصر سيدنا يوسف؟! فإن تكلمت معه عن التاريخ يرفضه، وإن تكلمت مستشهداً بالآيات يرفضها كذلك، لأنه معتدٍ أثيم:

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

يريد أن تحدثه في شيء جديد كالكمبيوتر، أو تكلمه عن مشروع تجاري ناجح، أو يريد دخلاً كبيراً أو سيارة فارهة، أو فيلا في مصيف، أو مركزاً أو مكانة مرموقة، أو حياة ناعمة، أو مباهج، فلا تعنيه سيرة سيدنا نوح أو سيدنا إبراهيم فهذه القصص ليست لها قيمة لديه، لا هذه القصص ولا تلك الآيات.

علامة المؤمن أنْ تراه مأخوذاً بآيات الله :
لو أخبرته عن وزن الحوت البالغ مئة وثلاثين طناً، فيقول لك: ماذا نريد منه!! فهذا يدل على عظمة الله عزَّ وجل، وهذا لا يهتم به، الأرض سرعتها في الثانية الواحدة ثلاثون كيلو متراً، أي أنها تسير في الساعة الواحدة مئة وثمانية آلاف كيلو متر، وقد مضى من وقت الدرس ساعة تقريباً أي أننا قد سرنا في هذا الفضاء مئة وثمانية آلاف كيلو متر:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

إنّ علامة المؤمن أنْ تراه مأخوذاً بآيات الله، وعلامة المؤمن أن تكون هذه الآيات الكونية ملء سمعه وبصره، وعلامة المنافق أو الكافر لا يعبأ بها، يقول لك: انظر إلى الطائرة الجامبو العملاقة، فوزنها ثلاثمئة وخمسون طناً، وتحمل ستمئة راكبٍ، وثمنها ثلاثمئة مليون دولار، فتجده مأخوذاً بسعرها، ومأخوذاً بمواصفاتها وبصوتها المنخفض، أو أنها ذات طابقين، ومأخوذ بأجهزتها.

إنّ المؤمن مأخوذ بالشمس، مأخوذ بالقمر، وبهذا الكون وما فيه من مجرات، وبهذه الثمار، وبهذه الفاكهة، وبهذا الماء العذب الفرات، مأخوذ بالجبال، مأخوذ بالبحار، مأخوذ بخلق الله عزَّ وجل، وكيف كان الإنسانُ نقطة من ماء مهين، ثم صار طفلاً، صار خلقاً سوياً، مأخوذ بمظاهر الكون..

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

إذا رأيت أحدهم يقول لك: هذه أشياء قديمة لا تنفعنا، وهذه أشياء تجاوزناها، وهي ليست من روح العصر، وهذه الأشياء كانت لأُناسٍ سُذَّج، وكل هذا كان حينما كانت البشرية في بدايتها، في طفولتها حيث أُخذت بها، أما الآن فنحن في عصر العلم يا أخي.

إذا سمعت أحدهم يقول هذا فاعلمْ أنه: معتد أثيم، وأنه يكذِّب بآيات الله عزَّ وجل، وأغلب الظن أنَّه مطفف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ

الرَّان هو حجابٌ كثيف بين العبد وربِّه :
هذه علامة الناس، يريد المال من أي طريق، بطريق مشروع أو غير مشروع، يجوز أو لا يجوز، سواء كان كثيراً أم قليلاً، لا يهمّه إلا المال فقط، لذلك فقَدتْ البركة، ولذلك أصبحت الأمراض كثيرة، مرض واحد يستهلك ما جنيته في العمر كله، والأسعار غالية، فثمن زرع كلية ستمئة ألف، وهذه الأسعار قبلَ سنتين، والآن هي أغلى بكثيرٍ، والدولار تضاعف، لقد كان سعره خمس ليرات، وقد تضاعف الآن، فمرض بسيط يستهلك عملَ خمس سنوات، لأن هناك تطفيفاً.

أما إذا كان المال حلالاً، ودون تطفيف فإنّ الله عزَّ وجل يبارك لك فيه، فتعيش في بحبوحة، وفي صحة تامة، وفي سرور وسعادة، وأنت في خير وعافية، فلذلك أنا أقول: درهم حلال أحسن من مئة حرام، فإذا حصلت على المئة بالتطفيف فمعنى ذلك أنّ هناك عقاباً أليماً في الدنيا قبل الآخرة، وإذا كان العقاب في الدنيا تذكيراً فهو نعمة، أما إذا كان في الآخرة فهو عقاب أليم.

نشب قديماً حريق في شارع بكامله، وفي الشارع سوقٌ تجارية، أحد التجار عنده بضاعة احترقت في يوم واحد، ثمنها ثلاثة ملايين ليرة، فهل هذا المال قليل؟ لقد قضى هذا التاجر في جمع المال عشرين سنة، واللهُ جمع هذا كله وأتلفه في يوم واحد، كذلك فالله يحبه لأنَّه يذكره في الدنيا قبل الآخرة.

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

هذا الذي أقوله دائماً هو نصيحة وذكرى، فكل معصية تسبب غشاوة بينك وبين الله، غشاوة فوق غشاوة فوق غشاوة حتى يصبح الرَّان، والرَّان هو حجابٌ كثيف بين العبد وربِّه:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

أكبر عقابٍ للإنسان يوم القيامة أن يكون محجوباً عن الله :
هذا الكسب الحرام، هذا التطفيف، هذا الغش في البيع والشراء، هذا النقص في المكيال، هذا النقص في الميزان، هذا النقص في الكيل، هذا النقص في المساحة، هذه الخدمة غير المتقنة، هذا التدليس، هذا الكذب، هذا الختل والمخادعة، هذا كله تطفيف، أي أنَّ الإنسان لم يأخذ حقه منك، بل أخذ أقل من حقه، وجُرْتَ عليه وغَبَنْتَه، ولا أعتقد أن هناك مصلحة في الأرض إلا ولها علاقة بهذه الآية:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

بهذا الكسب السيّئ، وهذا الكسب للمال الحرام تجَمَّعت طبقات كثيفة بعضها فوق بعض، حتى صار راناً على قلب صاحبه، ولا يعي على خير:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

انظر إلى بلاغة القرآن الكريم، فماذا يفهم من هذه الآية؟ دائماً ابحثوا عن المعنى العكسي، إنْ كان هؤلاء الفجَّار، وهؤلاء المطففون، وهؤلاء الذين كذَّبوا بيوم الدين، وهؤلاء الذين اعتدوا وكانوا آثمين، وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ هذه الآيات أساطير الأولين، فهؤلاء:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

والمعنى العكسي: فهل المؤمنون محجوبون؟ لا، إنَّهم يرون ربَّهم، مِن هنا استنبط عليه الصلاة والسلام:

((قَالَ كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا )) [البخاري عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ]

وقال بعضهم: إنَّه إذا نظر المرء إلى الله عزَّ وجل نظرةً واحدة غاب خمسين ألف سنةٍ من نشوة النظرة، فأكبر عقابٍ لهذا الإنسان أنَّه عن الله محجوبٌ:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

الفجار المطففون يوم القيامة محجوبون عن ربِّهم حجاب رؤيةٍ وحجاب تحقير :
أحد العارفين قال: إنّ أحد تلامذته قال له: إنَّه عصى الله مرةً، وانتظر عقاب الله عزَّ وجل طويلاً فلم يأته، وبحسب ما سمع منه أن كل معصية لها عقاب، فعصاه والعقاب لم يأتِ، فنادى ربَّه وقال: ربي لقد عصيتك فلم تعاقبني! قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي!؟ أي أن الله عزَّ وجل قال:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

ألا يكفي هذا العذاب أنَّ الله سبحانه هو مصدر السعادة وهو محجوبٌ عنه.

إذا قال الأب لابنه: اخْرُجْ من هنا، ورفض الجلوس معه، والأهل يحيطون بالأب مسرورين، والحديث ممتع، والأكل طيّب، وهذا الابن محجوب، أليس هذا عقاباً نفسياً؟!! لذلك ابن القيِّم قال: هناك عقابٌ يوم القيامة نفسيٌّ، ربما زاد على عقاب الجسد. هذا وقت الحجاب:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

قال المفسرون: هناك حجاب رؤية، وهم محرومون من هذا الجمال، وهذه النظرة، وهناك حجاب تحقير، فإذا تجاوز إنسان حدَّه فينهر ويؤمر بالخروج من المجلس، أخرجوه من عندي، هناك حجاب عدم رؤية، وهناك حجاب تحقير، وهؤلاء الفجار المطففون يوم القيامة محجوبون عن ربِّهم حجاب رؤيةٍ وحجاب تحقير، ألا يكفي هذا؟!!

ألا يغار الواحد ويتألَّم بأن يكون مع المحجوبين؟ مع المحرومين؟ إذا ظهر اسم طالب غشَّ في الامتحان، وصدر قرار بحرمانه ثلاث دورات، وأذيع هذا القرار على الأشهاد، ألا يتألَّم؟ هذا ألم نفسي، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ

هذا يوم الدين، يوم القيامة، يوم الفصل، يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، وكل إنسان يأخذ حقَّه كاملاً، ويُعطى حقه كاملاً.

فهذه السورة والله الذي لا إله إلا هو تقطع الظهر، وتقصم الفقار، وليست هناك مصلحة من مصالح الأرض إلاَّ وهي داخلة تحت مظلة هذه السورة، وإذا كان التطفيف هذا عقابه فكيف يكون عقابُ التقصير بحقِّ الله عزَّ وجل؟

الرابط الأصلي

 

 

دروس من سُورَة المُطَفِّفِينَ – 1

بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم
الدرس : 1 – سورة المطففين

معنى التطفيف وعقابه

1984-10-26
فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي

الميزان

السورة التالية تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

قال بعض علماء التفسير: هذه السورة تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض، وقد جاءت بين السور المكية التي تتحدث عن الإيمان بالله عزَّ وجل، فلو دققت في موضوع هذه السورة لوجدته مغايراً لكل السور المكية التي جاءت قبلها والتي جاءت بعدها.

قال بعض علماء التفسير إن هذه السورة جاءت بهذا الشكل تأكيداً إلى أن التقصير في حقٍ صغيرٍ من حقوق البشر موجبٌ للهلاك، فكيف التقصير بأكبر حقٍ من حقوق الإله!! إذا طففت في الوزن أو في الكيل فهذا موجبٌ للهلاك يوم القيامة، فكيف إذا أنكرت الخالق؟ فحكمة مجيء هذه السورة في الجزء الأخير من كتاب الله حيث الحديث عن السماوات والأرض، والحديث عن اليوم الآخر، والحديث عن عظمة الله عزَّ وجل، وكلُّكم يعلم أن السور المكية ترسِّخ الإيمان بالله عزَّ وجل، فكيف جاءت هذه السورة وسط سور عديدة تتحدَّث عن الله عزَّ وجل بينما هذه السورة تتحدث عن علاقة جزئية جاريةٍ بين الناس، ألا وهي التطفيف؟

قال بعض علماء التفسير: إذا كان التقصير اليسير في حقّ إنسانٍ يوجب الهلاك، فكيف بالتقصير الكبير في حق الله عزَّ وجل؟ ما حقُّ الإنسان عليك؟ لا شيء، حقُّه أن تعطيه بضاعةً بهذه القيمة، فإذا قللت من نوع البضاعة، أو من وزنها، أو من كيلها، أو من حجمها فقد قصَّرت في حقِّه ولو كان هذا التقصير طفيفاً، أما حقُّ الله عليك وقد خلقك من نطفةٍ وسخَّر لك الشمس والقمر والنجوم فكيف تنكره؟! وكيف تجحد فضله؟ وكيف تعصي أمره؟ وكيف لا تنتظر حسابه؟ إنها مفارقة حادة، فإذا قصَّرت تقصيراً يسيراً في حق إنسان فهذا موجبٌ للهلاك، فكيف إذا قصَّرت في حق الله الذي خلقك ولم تكن شيئاً؟! هذا موجبٌ للشقاء الأبدي.

معنى التطفيف :
ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

المطففون جمع مُطَفِّف، والمطفف اسم فاعل من طفَفَ، وطفف ثنائي مضعَّف مثل زلزل، قلقل، عسعس، طفف.. فطفف بمعنى قَلَّل، والشيء الطفيف الشيء القليل.
أي لو أن الإنسان وزن وزنة ولم تتوازن العين بالعين فهذا مطفف، ومِنَ الذي يُذهِب العدالة أو يجرحها تطفيفٌ بتمرة، فإذا كنت قد بعت كيلو غراماً من التمر وكان الوزن أقل من الوزن الصحيح بتمرة واحدة فهذا مما يجرح العدالة، فالتطفيف له أمثلة كثيرة ولا سيّما في عصرنا.

فأنا بقدر الإمكان قد جمعت بعض الأمثلة التي نعانيها، والتي وصلت إلى علمي، والمخفي أعظم، بعض الأمثلة التي نعاينها، هذه سورة من كتاب الله:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

تعالج الأمثلة التي نعاني منها، وزيادة، مثلاً كم من الأبنية التي انهارت بسبب وضع المتعهّد إسمنتاً أقل من الكمية التي فرضها المهندس؟ فالمتر المكعب من الخرسانة المسلحة يلزمه وضع سبعة أكياس من الإسمنت، فقام هو بوضع خمسة فقط، وبعد فترة من الزمن انهار البناء، فإذا مات ثلاثون أو أربعون شخصاً، وكان ثمنُ كل بيت مليوناً فأصبح لا شيء، هذا الشيء الكبير مَن المسؤول عنه؟ وبرقبة مَنْ؟ برقبة المطفف، فالتطفيف قد يكون بالإسمنت، وهناك تطفيفٌ بالحديد كذلك، وهناك تطفيف بفترة صلاحية الإسمنت، فيكون قد مضى على انتهاء صلاحيته فترة زمنية طويلة فأصبح بلا مفعولٍ، ويبيعه بالسعر نفسه للإسمنت الجيد، فلدينا تطفيف عدد وتطفيف نوع، هذا النوع ليس بهذا السعر فهذا تطفيف بالأسعار، أحياناً الذين يشترون من الفلاَّحين بعض الحاجات، يشتريها أحدهم بوضعٍ ويبيعها بوضعٍ آخر، فقد ذكر لي شخص أن الجوز يشترى بالمنخل فيُنْخَل مع البائع أوقيتان فيضعهما عنده، ويحاسب الفلاح على الصافي، ويبيع الجزء الذي وضعه عنده لبائعي الحلويات، فهذا تطفيف، ويقول لك: هذا عرف ومصلحة، وهكذا الترتيب.

تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية :
كل عملية تنقيص وزن، أو تنقيص كيل، أو تنقيص نوع، وكل عملية غش، وكل عملية عدم إتقان، فقد وجدتُ أن تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً يقوم مصلِّح السيارات بتوفير جزء من الوقت، فيسرع في إصلاح السيارة، فيسبب كارثة لأصحاب هذه السيارة، فلا يضبط عمله قبل أن يسلِّم هذه السيارة لأصحابها، فيسبب حادثاً كبيراً يموت فيه خمسة أشخاص مثلاً، فهو مطفف لا يحاسب على هذا التقصير، ولكن يحاسب على موت هؤلاء الخمسة بسبب التقصير:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

فبتقديره أنّه وفَّر الوقت ويتسامر مع ضيف يتسامر عنده، وقال لصانعه: ركب وشدَّ البراغي على الإطارات، وجاء صاحب السيارة فقال له: السيارة جاهزة فخذها، هذا مطفف، وأحياناً يوفِّر جهده فهو كذلك مطفف.

أحياناً الطبيب يعطي المريض إبرة من الماء المقطَّر، فيأخذ من المريض أجرته خمسة وعشرين، وثمن الإبرة خمس عشرة ليرة، فقبض أربعين ليرة من جرائها، ولكن الماء المقطَّر ثمن الإبرة منه عشر قروش، أو ربع ليرة، وقد أوقع المريض تحت الوهم، ويظن نفسه قد انتعش بهذه الإبرة وشعر بنشاط وهي إبرة من الماء المقطَّر ولا قيمة لها، فهذا تطفيف وهو أحد أنواع السرقة. أحياناً أحد المحامين يعلم جازماً أن هذه الدعوى خاسرة، لأن كل القوانين والاجتهادات وآراء محكمة النقض ضد هذه القضية، ومع ذلك يقبل تسلُّم الدعوى، على نيَّة أن يتقاضى أجراً إلى أن يُفضَح الأمر، فتطول الفترة إلى خمس أو ست سنوات، ويكون قد ابتزَّ موكله ابتزازاً فاحشاً وحراماً، وهذا المحامي داخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً طبيب يأتيه مريضٌ، فلم يفهم مرضه ولم يستطع تشخيصه، وله زميلٌ مختصٌ بهذا المرض، فيعطي المريض مسكِّنات على أن يراجعه بعد أسبوع مثلاً، فهذا التصرف كلَّه ابتزاز، وهذا الطبيب داخل في مفهوم هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وكان عليه أن يرشده إلى زميله الطبيب المختص ليعالجه.

التقليل من التطفيف :
من التطفيف التقليل إذا قلَّلت حقَّ هذا الإنسان شيئاً يسيراً فأنت مطفف، فإذا قلَّلت الكمَّ، أو قللت النوع، أو قللت العدد، أو غششت، أو لم تتقن، فعدم الإتقان والغشّ والتقليل والإساءة من التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وأحياناً الطبيب يكلِّف المريض بإجراء ثمانية تحاليل مثلاً، والمريض بحاجة إلى تحليل واحد، ويكون هذا الطبيب متفقاً مع محلل اتفاقاً شفوياً أن المطلوب من التحاليل هو المكتوب في أول القائمة وما تبقى من الثمانية غير مطلوب، وهذا الفرق نتقاسمه بيننا مناصفة، ويقول لك: الحياة شطارة، من قال لك إنَّها شطارة؟ هذه سرقة، فهذا المريض بحاجة إلى تحليل نسبة الكوليسترول فقط، فيكتب له الطبيب ثمانية تحاليل، ويزكي له محللاً لثقته به، وينصحه بالذهاب إلى مختبره. هذا المحلل حلّل أول مادة، وألقى الباقي في الحاوية، وطلب منه مئة وعشرين ليره سورية، في حين أن التحليل كلّفه عشر ليرات، والمئة مناصفة، فيعدَّ هذا الطبيب نفسه ذكياً، وهو يصلي أيضاً:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أمثلة أخرى من حياتنا اليومية عن التطفيف :
يشتري صافياً، ويبيع قائماً، فأحياناً تكون للعبوة وزن كبير وهذا تطفيف أيضاً، أنت ماذا اشتريت؟ اشتريت صافياً، وكيف بعت؟ بعتَ قائماً، أحياناً يوزن شيء ثمين بورق سميك، أصبح سعر كيلو الورق بمئة وخمسين ليرة، فهذا تطفيف كذلك، لأنه باع الورق بسعر البضاعة المباعة.
أحياناً تكون أشياء توزن بالمثاقيل، والمروحة تشتغل، فهذه المروحة يتوجه هواؤها إلى كفة البضاعة فترجح:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً يقول لك: صلِّح لنا هذه القطعة من الذهب، فتقص من طرفين وتلحم، هذا الوزن الذي نقص من القطعة ثمنه يساوي خمسين ليرة مثلاً، فهذا داخل في التطفيف، ويقول: هذا عرف، من قال بهذا؟ إذا كلفك أحد الناس بتصليح قطعة ذهبية، فمن الممكن أنْ تقص قطعة من هنا وقطعة من هناك وتلحمها، وهذا الفرق قد يكون حلقة في سلسلة يبلغ سعرها خمسين ليرة أو خمسة وعشرين، إن الله قال: تطفيف، ولم يقل تكفير، حتى لو كان ثمنها ليرة واحدة.

بعض المصلِّحين يفتح خزان الوقود بالسيارة، ويأخذ منه صفيحتين لغسل المحرك، فيضع صفيحة من البنزين في سيارته، ويغسل المحرك بالصفيحة الأخرى، وثمن صفيحة البنزين أربعمئة ليرة، فهذا داخل في اسم:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

بائع الأقمشة عندما يشتري القماش يشتريه مرخياً، تجد القماش منحنياً على المتر، وإذا أراد بيعه يظل يشده حتى آخر مدى له، وهذا داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

فأنت اشتريت القماش مشدود فبعه مشدوداً، وإذا اشتريته مرخياً فبعه مرخياً، وفي الشراء يُتساهل، فإذا زاد مقدارٌ فلا يدخل الزيادة في الحساب، ويقول لك: طول الثوب ثمانية وعشرون متراً فقط، وعندما يبيع الثوب نفسه يبيعه بطول ثمانية وعشرين متراً وأربعين سنتيمتراً، فهذا أيضاً داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

معظم مصالح العباد داخلة في هذه الآية :
أحياناً يكون هناك تعهد لتقديم طعام مثلاً لأُناس فقراء، أو تقديم هدايا للذين يلتهمون الطعام، وتقدَّم نصف الكمية، بالتعهد يكون المقدار مئتا غرام من اللحم بالصرة مثلاً، ويقدم مئة غرام من اللحم فقط بدل المئتين، ويكون هذا التعهد لمئتي شخص أو لخمسمئة، فيكون الفرق كبيراً، هذا في قوت العباد، واسمه كذلك تطفيف، فأنت قد أخذت ثمن الصرة خمس ليرات أو عشر ليرات مقابل مئتي غرام من اللحم، أو مئة غرام، وليس خمسين غراماً، ويقول لمَن يعترض: من استلم مني رضي بذلك، لكن الله لا يرضى عن ذلك، فدخل في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أكثر المطاعم إن طلبت أوقية من اللحم يعطيك مئة وخمسين غراماً فقط، لماذا؟ ونصف هذه الكمية المقدمة دهناً، وهذا الدهن يُمزج بالرئة الحمراء لتصبغ الدهن باللون الأحمر، فالرئة توضع مع الدهن، ويصبح كل لون اللحم أحمر، ويضع مئة وخمسين غراماً، ويقول لك: ثمن الأوقية أربعون ليرة، أو نحوها، فهؤلاء أصحاب المطاعم دخلوا في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وحتى يربح صانع الطحينة ليرة واحدة زيادة عن السعر يضع فيها إسبيداج ويقول لك: هذه طحينة بيضاء أغلى بليرة ونصف، فهذا السبيداج يدخل في صناعة الدهانات، والطحينة طعام المسلمين، يدخل إلى المعدة، ويسبب أمراضاً خبيثة، ولا يُهضم، ويذهب إلى الكلية فيتعبها ويسبب لها التهاباً، ولكنه باع الكيلو غرام منها بإحدى عشرة ليرة ونصف، والسعر التمويني عشر ليرات، ولكن الأجود أغلى قليلاً، فوضع مادة الإسبيداج وباع بإحدى عشرة ليرة ونصف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

الآية التالية تشمل كل مصالحنا :
كأن هذه الآية تشمل كل مصالحنا، فمعظم مصالح العباد الآن داخلة في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

ولقد قال لي أحد الأشخاص: إنَّهم يضعون في الزعتر نشارة الخشب، فالحليب إذا غُش بالماء فالماء لا يؤذي، أما النشارة فتؤذي وكذلك الإسبيداج يؤذي، وكذلك يضع أصحاب معامل السكاكر أصبغة البلاط في السكاكر بدلاً من الأصبغة الصحية، فهم كذلك دخلوا في الآية الكريمة:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وأصحاب محلات قطع الغيار يبيعونك قطعة مقلدة على أنها أصلية، فالغش تطفيف، وتقليل الكمية تطفيف، وهبوط النوعية تطفيف، وعدم إتقان الخدمة تطفيف.
وضع لك لتثبيت لوح زجاج مسمارين فقط، واللوح طويل فكسر لوح البلور من طرفه، وثمنه ثمانون ليرة، ولتثبيته يحتاج لأربعة مسامير تثبّت بشكل محكم، فإذا كان كذلك لم ينكسر البلور، وهذا داخل في التطفيف.
فالخلاصة هي أن ربنا عزَّ وجل يعلم أن هذا الموضوع حسّاس وله سورة بكاملها.

ترك المكافأةِ من التطفيف :
يخلط الزيت النباتي مع البلدي، هذا غش وتطفيف، ويخلط السمن الحيواني الرديء المستورد مع السمن البلدي، وهذا أيضاً تطفيف، ويوضع زيت الكاز مع البنزين فيسبب المتاعب للسائقين، وهذا أيضاً تطفيف، وهذا موضوع آخر، وقد جاء في المثل العربي: ترك المكافأة من التطفيف، فلو أردت أن أذكر شواهد أخرى على التطفيف في حياتنا اليومية لانتهى الدرس كله ولن ننتهي من ذكر الشواهد، إذاً إنْ لم يكن هناك خوفٌ من الله عزَّ وجلَّ فهذا الأمر جد خطير، قال الله سبحانه لموسى: يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني.
فهذا الذي لا يخاف الله عزَّ وجلَّ يفعل كلَّ شيء، أي مهما كان الذنب خطيراً يفعله، هذا التطفيف الذي تحدثت عنه من تقليل كمية، أو من تخفيض نوعية، أو عدم إتقان، أو إهمال، أو توفير وقت أو جهد أو غش، هذا كله داخلٌ في التطفيف وخطره كبير.

هناك شيءٌ: ترك المكافأةِ من التطفيف، إذا خدمك إنسان خدمةً، وأنت لم تكافئه فهذا من التطفيف، كلَّفت إنساناً بعمل، وقدمه لك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، له مصلحة، وله أولاد، وله وقت وجهد، وهو أحب أن يكرمك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، فأنت عليك أن تكافئه بهدية، ترك المكافأةِ من التطفيف.

((مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)).

[النسائي عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

متى لك الحق أن تقول للذي أسدى إليك معروفاً: جزاك الله خيراً؟ في حالة واحدة؛ إن لم تجد ما تكافئه به فادع له، فترك المكافأةِ من التطفيف.

إذا تركت المكافأة ولم ترد على الإحسان بإحسانٍ مثله، فإن أعارك أحدٌ شيئاً فأرجعه له متقناً، وهناك أشخاصٌ يزيدون، استعار كتاباً يجلده ولو بغلاف من النايلون، ولو بغلاف لونه أزرق، وأرجعه إليه مجلداً، إنّ هذا شجعك على العمل الصالح، أمّا هذا الذي يمنع الخير فهو الذي يُسيء لصانعي الخير، فإذا أسأت لصانع الخير فقد منعت الخير، وترك المكافأةِ من التطفيف.

التطفيف المعنويّ أيضاً يدخل في الآية :
هناك تطفيفٌ معنويٌّ أيضاً يدخل في الآية، الابن أحضر لزوجته غسالة، فالأم أقامت النكير عليه، لماذا؟ تقول له: إنها لا تستحق، هي صبية، وهي تستطيع أنْ تشتغل، فلا تعوِّدها الكسلَ، أما إذا الصهر أحضر لابنتها غسالة فإنها تقول: الله يرضى على فلان! الله يرضى عليه! أكرم بنتنا!! لماذا هذه التفرقة في المعاملة؟ أكثر شيء يقع في المرأة أنها تدلِّل ابنتها، فإذا نامت متأخرة فلا مانع، ولا شيء عليها، أما إذا كان عندها كِنَّة في البيت، وكان رأسُها يتألم، ونامت باكراً فالويل لها، تقول لزوجها: هذه كسلانة، وإنها تتمارض، ولا تشكو من شيء، إنها مثل القردة، لماذا هذا الكلام؟!

إذا كان عندك صانع تعامله معاملة قاسية، أما ابنك فتخاف عليه من الهواء لماذا؟ وهذا أيضاً تطفيف، تنقصه حقه، ترك المكافأةِ من التطفيف.

هناك تطفيف ماديّ وتطفيفٌ معنويّ، وهناك تطفيف غش، وتطفيف عدم إتقان، وهناك تطفيف تنقيص وزن، وهناك تطفيف تنقيص كيل، وهناك تخفيض المستوى النوعي، هذا كله مِن التطفيف، الله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أما كلمة “ويل ” فقد فسرها المفسرون بأنها الهلاك، الهلاك للمطففين، فإذا طففت بحق إنسان قليلاً فالويل لك، فكيف إذا تركت حق الله كله؟ لا تنسوا أن هذه السورة وردت في سياق السورٍ المكية، كلها تتحدث عن حق الله عزَّ وجلَّ، فإذا قصرت في حق البشرِ قليلاً فالويل لك، فَكَيفَ إذا تركتَ أو أنكرتَ أو جحدْتَ حق الله كلَّهُ؟!!
إذاً كلمة “ويل” أي الهلاك، ومرةً فسرتها لكم كما لو أن سائقاً يهبط بسيارته في طريق منحدر شديد جداً، على اليمين وادٍ سحيق وعلى اليسار وادٍ سحيق، وينتهي الطريق بمنعطف خطر، وشعر أن المكبح قد تعطل ولا زال منطلقاً، قد يضرب نفسه ويقول: انتهينا ومتنا. كلمة “ويل” أي تحقق الهلاك، وليس عنده شك ولا بنسبة واحد في المليون أنه انتهى، وقد رأى الوادي الأول والثاني، والسرعة مذهلة، والمنعطف خطير، وليس معه مكبح، فأصبح عنده يقينٌ قطعيٌّ، ولا مجال للشك إطلاقاً مِن أنه انتهى، أرأيتم الناس الذين في هذه الحالات، ومن دون وعي يستخدم أحدهم الفعل الماضي، فإنه يقولُ لك: هلكنا، قل سنهلك! لا، بل يقول لك: هلكنا، وقُضِي علينا، وبشكل لا شُعوري، هذه الفطرة، لقد أيقن بالهلاك.

كلمة (ويل) دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين وهذا الدعاء قرارٌ قطعي :

قال بعض المفسرين: كلمة “ويل” دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين، وقال بعضهم: دعاء الله قرار، إما أنهم هلكوا، وإما أن الله قضى عليهم بالهلاَك، ودعاء الله عزَّ وجلَّ غير دعاءِ البشر، فدعاءُ البشر يُستجاب وربما لا يستجاب، لكن دعاء اللهِ قرارٌ قطعي..

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أي أن المطففين خسروا وهلكوا، وانتهى أمرهم، وكلٌ منا لا يزالُ حياً، وما دام الإنسانُ حياً فباب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )). [الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الرابط الأصلي

كيف تكتشف أصدقاءك المزيفين

كيف تكتشف أصدقاءك المزيفين

عبدالله الحويل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كنتُ مخدوعاً فيه فترةً طويلة!!
لم أكن أتصور أن يكونَ بهذه البشاعة الخُلقية!
لقد صدمني بكلامِه وجرحني بتصرفاته!!
قلبي ينزفُ ألماً من طعناته!!
كلماتٌ تتوشح بآهاتنا
وعباراتٌ تسبق عَـبَـراتِـنا
عندما نكشف غدرَ( أصدقائنا) أو تسقطُ فجأةً( الأقنعةُ) الزائفةُ فَـتُجلِّي لنا قُبحَ( الوجهِ الحقيقي) لأحبابنا.

هل كنا حمقى؟
هل هي سذاجةٌ غبيةٌ غَشتْ بصائرنا؟
أم أنها براعةٌ ماكرةٌ تحلَّى بها( جلساؤنا)؟

الصديق-الحقيقي
تأملتُ كثيراً في حالاتِ الخداع التي تفجعنا، وسرَّحتُ فكري في مواقف الأصدقاء الزائفين وهي تُسْقِـطُ عنهم( ورقةَ التّوت) وتكشفُ فيها( عوراتِـهم السُّلوكية)..ولم يحسبوا حينها أنْ سيُخرج الله( أضغانهم).

فوجدتُ في خارطةِ هذه العلاقات الزائفة ثلاثةَ( مضايق) تتحطمُ فيها( سفنُ) الصّداقةِ النفعية.

لذا قبل أن تقررَ مصادقةَ( أحدهم) فأبحرْ بسفينته نحو هذه( المضايق) ، فإن تجاوزها فهو( نِـعمَ الصديق) وإن كانت الأخرى فأحرق سُفـنَه عند أول مضيق( ينشب ) فيه ولا( تُـكثرْ عليه التأسفا).

وهذه الثلاثة هي التي تكشف معادنَ الرِّجال و( تبلو) أخلاقَـهم.

الأولى /طُولُ المُلازمة
قد يستطيع المرءُ تكلفَ الأخلاقِ الرفيعة وتَصنّع الأدب الراقي لسويعاتٍ قليلةٍ، لكن لا يلبث أن يعود لطبعه ويرجع لأصل خُلقه.
ولن تستطيع كشف تصنعه ومعرفة حقيقة أخلاقه إلا إذا لازمته في كل أحواله.
ومن هذا الباب قول الفاروق رضي الله عنه لرجل زكّـى آخر : هل سافرت معه؟ هل جاورته؟
قال :لا
قال :إذاً أنت لاتعرفه.

ومن الأحوال التي تطول فيها الملازمة:
1_السفر
وقد قالوا:سُمي السفرُ سفراً لأنه يُسفرُ عن أخلاق الرجال.
2_مشاركة السكن
فأنت تجد أن أعرفَ الناس بالرجل هم أهله وأولاده
أو زملاؤه في سكنٍ إن كان عزباً.
3_مشاركة السجن
أعاذنا الله وإياكم من دخول غياهبه أو سلوك الطرق المؤدية إليه
4- الجيرة

وهذه أحسبها كانت في أزمنةٍ غبرت وعهودٍ مضت، أما الآن فلا تُـعوِّل عليها كثيراً فالجارُ لايعرف من جاره إلا نوع سيارته وهيئة لبسه.2طفل يدرس

الثانية/الاختلاف والنزاع
فكم من صاحبٍ أظهرَ وده وأعلن حبه وتغنى بأخوتك وصدح بوفائه وماهو إلا( خلاف يسير) بينكما حتى كشّر عن أنيابه وفاهَ بقبيح سبابـه وأنزلك من( أعلى عليين) وأسكنك( أسفل سافلين).
وماأحسن مارُوي عن لقمان وسفيان الثوري والفضيل بن عياض( بألفاظ متقاربة):
إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه ثم دُسّ عليه من يسأله عنك فإن أنصفك في غضبه وإلا اجتنبه.
ومن الأمور التي تظهر حقيقة الأخلاق:
_الاختلاف في أمور المال
فالدرهم والدينار مقياسٌ أخلاقي دقيق لا تكاد تخطيء أحكامه.

الثالثة / القدرة عليك
فبعض الناس يحسن التصنع والتزلف لمن هم في منزلته أو أرفع منها. لكنّ أخلاقَـه الحقيقية تظهر عند تعامله مع من هم دونه كالخدمِ والعمالِ لديه أو الموظفين عنده.

وقد قال بعضُ الحكماء وصدق فيما قال:
إذا أردت أن تعرف خلق المرء فانظر إلى تعامله مع خدمه ومن تحت يده.

وبعد/ فهذه ثلاثة أحوال تكشفُ ما ( خفي) ، وتُظهرُ ما( بطن) وتعلن(مااستتر).

أجعلها لك نبراساً تستبين فيه سبيل (الزائفين) قبل أن تقرع ضِـرسَ النّدم و ( لاتَ حين مَندم).

أخوكم
عبدالله الحويل

الرابط الأصلي

إلماحة من حياة الدكتور ذاكر نائك

إلماحة من حياة الدكتور ذاكر نائك

وليد بن عبده الوصابي  @d595941e4ca6400

بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور المفوّه المناظر الكبير: ذاكر نايك، كانت آماله وطموحاته أن يكون طبيباً؛ لأن في لسانه حبسة لا يجيد التخاطب مع الناس، بل لم يكن يحسن نطق اسمه سليماً!

DR_Zakir

فقد كان يُتأتئ ويفأفئ كثيراً، حتى هيأه الله -وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه-.

أراد الله أن يكون الدكتور نايك نظاراً عالمياً، وذهبت منه حبسة لسانه، وانطلق لسانه، وسال بيانه، بما يمليه جنانه.

يقول عن نفسه: في الطفولة كانت عندي مشكلة في الكلام، والتأتأة في النطق، ولم أكن أحلم أن أتكلم أمام ٢٥ شخصاً، وهذا من فضل ربي وحده ليس بذكائي فهناك غيري من يملك الفصاحة أحسن مني، ولكن كل ما حققته فضل من الله وحده.

قلت: وأنا أتذكر هنا دعاء موسى عليه السلام حين قال: “واحلل عقدة من لساني؛ يفقهوا قولي” فإن العجمة؛ مصرفة للناس عن دعوتك؛ لأن طريق التبليغ يكون ضعيفاً، فيجتمع للمدعو ثُقلان: ثقل الرسالة وهي حمل المدعو على ترك ما اعتاده من القبائح، وثقل الأسلوب الذي تدعو به المدعو، فربما ضجر وتأفف، وغادر المكان حيث لا عودة!

وعندي أن ثقل الأسلوب، يتناول معنيين:
-الأول: الثقل، بالنسبة لخشونة الأسلوب، وسوء الأخلاق، والنظرة الهلكية للآخرين، وهذا ما عناه العلامة الألباني -رحمه الله- عندما قال: (لا تجمع على المخالف؛ ثقل الحق، وثقل الأسلوب).
-والمعنى الثاني: هو سوء التعبير، كما قيل: (والحق قد يعتريه سوء تعبير)

وهو ما دعا به نبي الله موسى عليه السلام: “واحلل عقدة من لساني” وهذا معلوم، فإنه على مدار التاريخ، ولا يتسنم المناظرات إلا الفصيح البليغ المنطيق المصقع.

وقد كان بعض العلماء على جانب كبير من العلم والمعرفة، ولكنه لا يجيد المناظرة؛ لثقل في لسانه، أو تعتعةٍ في بيانه، وهكذا.

وذكروا من هؤلاء الإمام أحمد بن يحيى ثعلب، فقد كان -رحمه الله- يتجنب المواجهة مع قرينه وقريعه محمد بن يزيد المبرد؛ لغلبة المبرد عليه في البيان، وفصاحة اللسان! قال ذلك ختن ثعلب حينما سئل عن ذلك، فأجاب بنحو ما هنالك.

وذكروا هذا أيضاً عن العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

أعود فأقول: ثم أراد الله الدكتور لمهمة الدعوة وشرفها، فانطلق لسانه، ودعا وناظر وحاضر، حتى ذكر عن نفسه أنه حظر له في محاضرة مليون شخص!
فسبحان الله.

وذكروا عنه: أن فصاحته وبلاغته، وقمعه للخصم، وقرعه للباطل هو خاص مخصوص على الدين، والمناظرة فيه، والدعوة إليه، أما إذا كلمته وناظرته في الدنيا، فهو فدم أخرس!

يقول: وقد ناظرت النصارى والبوذيين والهندوس وغيرهم، وأنا تخصصي الإسلام ومقارنة الأديان..

ويقول: تناظرت مع دكتور أمريكي وليام كامبل كبير حول القرآن وأن فيه أخطاء علمية في القرآن، ولمدة ٨ سنوات لم يرد عليه أحد، ودحضت حججه، وقدمت ٣٨ حجة حول الكتاب المقدس ولم يرد على واحدة.
“سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم”

وله جهود عظيمة، منها:

أنشأ تلفزيون السلام، وقد أطلقه قبل عشر سنوات بأربع لغات، يتابعه بالإنجليزية فقط مائة مليون! ويبث من خلال ١٤ قمراً صناعياً.

وقبل سبع سنوات أطلق تلفزيون السلام بالأردو وعدد المشاهدين ثمانين مليون مشاهد.

وبلغة البنغا وعدد المشاهدين خمسين مليون مشاهد.

وأطلق قبل أشهر قناة بالصينية لمخاطبة أكثر من مليار ومائتي مليون شخص!

ويحاول البث من خلال أهم عشر لغات في العالم.

ونشاطه غير محصور في دعوة الناس إلى دين الإسلام، وهو بهم خبير، حتى أنه قال: ثلثا الداخلين في الإسلام من أوربا؛ من النساء.

ويقول: في عام ٢٠١٣ تلقيت دعوة من رئيس كامبيا، وصدقوني لم أكن أعلم أن هناك دولة اسمها كامبيا، حتى ذهبت للخريطة وحددت مكانها.

قال لي الرئيس جامع: كان نسبة المسلمين في كامبيا ٩٠٪ أما اليوم بعد مشاهدة تلفزيون السلام وصل ٩٥٪.

وذكر أن ما رآه في كامبيا من محافظة على الصلاة من الرئيس ووزرائه أكثر منه في الشرق الإسلامي!

ولا زال في الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وحجة وبرهان.
يقول: أكثر من ٢٥ عاما قضيتها في الدعوة.

هذا هو الدكتور ذاكر، الذي يتهم اليوم بالإرهاب، وقد قال مرة في مقابلة:
قبل أحداث ٢٠٠١ ولمدة ٢٠٠ عام سابقة لم يكن هناك مصطلحا إرهابيا!

ولا غرو، فليس هذا غريباً على الغرب الكافر، الذي يغيظه ما يفعله هذا الرجل من دعوة إلى دين الإسلام، وحينما رأوا أن الله حقق على يديه نجاحاً باهراً، وفوزاً ظاهراً.. وصموه بهذه السمة المنهارة التي أصبحت في أيديهم يضربون بها من شاؤوا.

فهو رجل عظيم، وسيبرئه الله، وللحق الغلبة، والباطل منكوس، وأهله في ارتكاس، “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”.

أسأل الله أن يحفظه ويطيل عمره في طاعته.

وأن ييسر ربي لمن يخلفه في علمه وخلقه وتمكنه من الاستحضار في المناظرات، وجمعه في فنون كثيرة علمية وطبية ودينية.

إن ربي على كل شيء قدير، وعليه التكلان، والله المستعان.

كتبه: وليد بن عبده الوصابي.
١٤٣٨/٨/١٩
الرابط

 

لطائف من السّيرة المنيفة

لطائف من السّيرة المنيفة

أحمد بن عبد المحسن العساف @ahmalassaf

في يوم من خواتيم سنة مضت، دخلت إلى مكتبتي، فالخلوة في المكتبة، والنّظر إلى الكتب متعة فائقة، وإذا ترافق معها قراءة زاد الإمتاع، وستبلغ الّلذة القمّة في الحوار مع المؤلفين، على اختلاف أعصارهم، وثقافاتهم، وبلدانهم، وفنونهم.السيرة 1.jpg

وحين نظرت إلى كتب السّيرة النّبويّة العطرة، لمت نفسي على تقصيري في قراءة كتاب كامل غير مختصر، فقررت قراءة الرّوض الأنف للإمام السّهيلي، ويقع في سبعة أجزاء، وكنت قد اشتريته قبل ربع قرن تقريبًا، وما أعظم تقصيرنا تجاه سيرة خير خلق الله قاطبة.

وأخذت الجزء الأول، ووضعته أمامي على أن أشرع بقراءته ابتداءً من غرّة المحرّم القريب، وأنهي الأجزاء السّبعة خلال عام واحد؛ بيد أنّي لم أفعل، وظلّ الكتاب طريحًا أمامي لأزيد من عامين، حتى حضرت برنامجًا تدريبيًا، واستفدت منه عمليًا ما كنّا نسمعه عن قاعدة “عشر دقائق يوميًا”.

وبفضل الله، ثمّ بالاستمرار في القراءة لمدة عشر دقائق يوميًا، أنهيت قراءة الكتاب كاملًا في أقلّ من عام. وخلال القراءة، كتبت بعض التّدوينات المختصرة على تويتر في وسم نافع المحتوى بعنوان من لطائف السّيرة، وما أحرانا بتنقية هذه المنصّات من الغثاء والهباء والبلاء، والله يكتب الأجر والمثوبة لمن أحسن عملًا.

وتوافقت بعض التّدوينات مع مناسبات بالصّدفة دونما ترتيب، لأنّها مرتبطة بوقت القراءة، ولم أكتب كلّ فائدة خطرت لي، وكم نحن بحاجة للاغتراف من معين هذه السّيرة العذبة. وسأسرد الّلطائف أدناه بلا إشارة إلى موضعها من مجريات السّيرة الكريمة، والغاية بعد الاختصار، تحفيز القارئ الموفق إلى الخلوة مع سيرة إمامنا وقدوتنا صلّى الله عليه وسلم، والنّهل من نميرها العذب، فمنها:

1. حرص كفار مكة على تشويه صورة الجناب الكريم، وحجز النّاس عنه، فلم يفلحوا، لأنّ التّاريخ، والحاضر يشفعان لصاحبهما.

2. اجتهد صناديد قريش لكسر إرادة المسلمين، وسحق كرامتهم، والاعتداء على حقوقهم الطبيعيّة، فكان الصّبر مع الإيمان درعين ضدّ عدوان المجرمين.

3. استخدمت قريش جميع صنوف العذاب المادي والمعنوي، الفردي والجماعي، فلم تفلح؛ لأنّهم يحاربون دعوة سماويّة منصورة ولابد.

4. تعاضد المشركون واليهود والمنافقون ثنائيًا أو بالاشتراك، وبالتّواصل مع القوى المحيطة أو الكبرى، وغايتهم إطفاء نور الله، فآبوا ببوار وخسران، وبقي الإسلام ينير الدّيار والقلوب، فمن يجرؤ على حرب دين كتب الله له النّصرة والغلبة؟!

5. من ملامح السّيرة خلال المرحلة المدنيّة نجد أنّه لا أمان لليهود مهما كتبوا وعاهدوا.

6. ‏اتضح من خلال الفترة المدنيّة أنّ المنافقين بارعون في استخدام الأحداث، وقلب الحقائق، وسوق الشّبه على سبيل الاحتجاج.

7. أبرم النّبي صلح الحديبية لمدة عشر سنوات، وظاهر الصّلح انكسار للمسلمين، فنقضه الكفّار، وفتحت مكة بعد عامين، ودانت عموم الجزيرة خلال عشرة أعوام! إنّه تدبير رباني!

8. للتّاريخ حق متين، وللأسبقيّة واجب الرّعاية، ولذلك أكرم النّبي عليه الصّلاة والسّلام السّابقين من أصحابه، والمهاجرين والأنصار، والبدريين، ودافع عنهم.

9. أرضى النّبي الكريم جميع أزواجه حتى بعد أن فارقن الحياة، وكانت لخديجة وصاحباتها مكانة خاصة لديه.

10. أحيانًا، تحول موانع دون أن تفعل أو أن تقول، بيد أنّ الله يوفق الصّادقين المخلصين لمخرج، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام، لأبي بصير رضي الله عنه، حين أعاده لقريش: مسعر حرب لو كان معه رجال!

11. ‏مع عظمة النّبي إلّا أنّه لم يقل أو يفعل ما يدل على أنّه المحرك الوحيد لدولته وأفرادها، بل كان معه الوحي المقدّس، وكبار الصّحابة، وسائرهم، والمصلحة المعتبرة، ومقتضى الحال، وواجب الوقت.

12. صفح الرّسول عمّن يصلحه الصّفح مثل طلقاء قريش، وعاقب من لا يزجره إلّا العقاب مثل يهود المدينة، فالمسألة موقفية، وخاضعة للمصلحة الشّرعيّة إذا عدم النّص الصّريح الصّحيح.

13. أنف المشركون من تسوّر بيت النّبي عليه الصّلاة والسّلام هروبًا من عار اقتحام منزل فيه نساء!‬

14. عندما لطم أبو جهل أسماء رضي الله عنها طلب ممن شاهده أن يكتم فعلته الوقحة! فحتى في جاهليتهم وعدائهم كانت لهم حدود وأعراف!

15. إنّك لتكسب المعدوم: وصف قيل عن الرّسول والصدّيق، فما أجدر التّجار وروّاد الأعمال بالاقتداء بهما: من خلال إرشاد الشّباب ومشاركتهم.

16. ‏أسلم حمزة وأعز الله به المسلمين مع أنّ إسلامه جاء في سياق غضبة وحميّة!‬ وأسلم أبو محذورة وأصبح مؤذنًا مع أنّ مبتدأ أمره كان الاستهزاء بالآذان! فالهداية بيد الله، وقلوب العباد طوع أمره.

17. حين أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما تغيرت الموازين، وقويت أوراق الجماعة المؤمنة، وإنّ مراعاة الحال لواجب وحكمة.

18. ‬قال عمرو بن أمية الضّمري للنّجاشي رضي الله عنهما: عليّ القول وعليك الاستماع: إنّك كأنّك في الرّقة علينا منّا! وكأنّا بالثّقة بك منك؛ فلم نظن بك خيرًا إلّا نلناه، ولم نخفك على شيء إلّا أمناه، فما أجملها من علاقة!

19. ‏استقوى مشرك بأسلحته لمقاومة الفاتحين، فأظهرت زوجه شكوكها في جدواها، بينما وعدها الرّجل بأن يجعل بعضهم خدمًا لها!‬ ولم يلبث أن عاد إليها مذعورًا منهزمًا يبحث عن خباء يختفي فيه، فقالت له: أين ماكنت تقول؟!

20. ‏في قصّة وفد مضر، دخل النّبي عليه السّلام إلى بيوته ثمّ خرج دون أن يجد شيئًا يقدّمه لهم؛ فخطب النّاس وحثّهم على الصّدقة، فقد‬ بدأ بنفسه قبل النّاس! وليس في بيوته جميعها شيء وهو من هو!

21. قيّم نفسك حسب مقياس خديجة: تصل الرحم؟ تصدق الحديث؟ تؤدي الأمانة؟ تحمل الكل؟ تقري الضّيف؟ تعين على نوائب الحق؟ والنّتيجة: لا يخزيك الله أبدا!

22. رفض النّبي إطباق الجبال على المشركين أملًا في أن يخرج من أصلابهم جيل مؤمن، وصنيعه هذا فيه رحمة، تفاؤل، استشراف، بعد نظر! أين منها المقتدون؟!

23. أصيب صحابي شاب بجرح في معركة أحد‬ فأتي به لداره والنّاس يبشرونه بخير؛ فقال أبوه وهو منافق طاعن بالسّن: بأيّ شيء تبشرونه وقد غررتم هذا الغلام من نفسه؟!‬ منطق النّفاق ولغته واحدة!

24. ‏إذا كان لك عمل عام مشين، ثم وفقك الله للتوبة، فاجتهد في عمل عام راشد، فوحشي إبّان كفره قتل حمزة عمّ النّبي عليه السّلام، ورضي الله عنهما، وحين أسلم قتل مسيلمة مدعي النّبوة.

25. ‏نصح أبو سفيان قريشًا بالاستسلام قبيل فتح مكة‬؛ لكنّ زوجه عارضته، فكرر رأيه وحذرهم من الاغترار برأيها، فآراء الشّاطحين بسبب موقف، أو أمنية، أو حقد قديم لا قيمة لها!‬ ‬‬
26. ‏أشاع الكفار في معركة أحد أنّهم قتلوا النّبي عليه السّلام لتوهين الصّحابة بحرب نفسيّة، فكان كيدهم سبب سلوان الأصحاب عن قتلاهم لما تحققوا من حياة الرّسول، وانقلب مكر المشركين عليهم!‬ ‬‬

27. ‏اشيروا عليّ أيها النّاس! كررها النّبي عليه السّلام في معركة بدر،‬ والتّلميح فنٌّ يخاطب به أصحابُ الأخلاق العظيمة، كرامَ بني آدم وأذكياءهم ابتعادًا عن المباشرة التي قد تحرج أو تجرح!‬ ‬‬

28. ‏أيقن بعض أكابر قريش في قرارة نفوسهم، بصدق النّبي ودعوته، بيد أنّهم كابروا بالجحود والشّرك، فمات بعضهم كافرًا، وتأخر إسلام آخرون ففاتهم خير كثير، ألا ما أخسر الكِبر من خلق!‬

29. ‏لسعد بن معاذ رضي الله عنه مواقف عظيمة، لكنّ أعظمها موقفه من خيانة يهود المدينة،‬ فقدر كبار أمتنا أن يكون لهم موقف صدق مع أعاديها.السيرة 2

30. ‏اعتدى بنو قينقاع على مسلمة محاولين كشف وجهها ثمّ جسدها، فانتقض العهد معهم!‬ ومن جرائم ابن الأشرف التي أوجبت اغتياله تشبيبه بنساء المسلمين وتغزلّه بهن! حفظ العرض مقصد شرعي، والغيرة المنضبطة على المحارم من المكارم وكمالات الرّجال!

31. غضب البعض من جيش مؤتة، ووصفهم بالفرّارين، بيد أنّ القائد العظيم، صاحب النّظرة الإيجابيّة، نفى عنهم ذلك ووصفهم بالبطولة والكر!‬ القيادة نظر بعيد، وقول رشيد، وتقدير موقف.

32. ‏مهما بلغ سوء القوم؛ فقد يكون فيهم مثل مؤمن آل فرعون، وعبد الله بن سلام، ومخيريق، رضي الله عنهم، فلا تيأسن من حال وفئام.‬

33. حضرت المرأة في السّيرة بقوة؛ لأنّها شريكة الرّجل في المجتمع والتّكليف، فتقدّمت بالخير حين آمنت، ونصرت، وأنفقت، وعُرفت بالسّوء حمّالة الحطب!‬ ‬‬

34. ‏لقي النّبي وصحبه من كفار مكة سخرية وصدًا وحصرًا وتعذيبًا وتهجيرًا، ثمّ دخلوها فاتحين بعد ثمان، فحجّاجًا مع مئة ألف، والظّفر مع الصّبر!

35. إنّ حَمَلة مشاعل الإصلاح يحتاجون إلى سند عاطفي في بيوتهم كما فعلت خديجة، وإلى سند اجتماعي في محيطهم كما صنع أبو طالب وغيره.‬

36. حاول رسولا قريش إلى النّجاشي الحيلولة بينه وبين السّماع من المسلمين، واشتروا البطارقة، لكنّ الملك تجاوز المكر والغش والظّلم من حاشيته التي يفترض أن تكون ناصحة له، صادقة معه!

37. كان عليه الصّلاة والسّلام يهجر قريشًا قبل البعثة ويتحنّث، فلمّا بُعث بعين الحق الذي يخالف قومه، خالطهم وغشى مجالسهم داعيًا صابرًا.

38. من مميزات شخصيّة الجناب الكريم أنّها محل القدوة في كلّ جانب، فرحمته وغضبته قدوة، وسلمه وحربه أسوة، وقيادته وأبوته كذلك، وهكذا.

39. ‏أمر النّبي صحابته بالاضطباع والرّمل في عمرة القضاء كي يعاين كفّار قريش قوة المسلمين، وليقطع على المشركين نشوة الفرح الحقيقي أو المتوهم بالانتصار،‬ لأنّ قوتك المعنويّة أو الماديّة تحزن عدوك، وتفسد على خصمك لذة تفوقه عليك!

40. مع شدّة كفّار الطّائف على النّبي صلى الله عليه وسلّم؛ طلب الملائكة والنّاس منه أن يدعو عليهم في موقفين، فأبى وسأل الله لهم ولأجيالهم الهداية، فالمصلح لا يحقد، ولا ييأس، ولا ينتصر لشخصه، ونظرته مستقبليّة.

41. ‏بدرت من بعض الزّعماء حديثي الإسلام كلمات مريبة خلال غزوة حنين‬ والطّائف، وبسؤال بعضهم تبين أنّهم شاركوا طلبًا لمغانم خاصّة فقط!‬ ‬ ليس كلّ من كان معك يشاركك في غاياتك!‬ ‬

42. لم يرض زعيم من المؤلّفة قلوبهم بما أعطي، فقال النّبي عليه الصّلاة والسّلام لصحابته: اقطعوا عنّي لسانه! فأعطوه حتى رضي وسكت. المال، والعطاء، والكرم، يسكن النّفوس، ويكبت شرها، ويشبع شرهها.

43. أخذ المؤلّفة قلوبهم نصيبهم من المال والأنعام ثمّ أكلوه وأفنوه، وحاز الأنصار شرف الاختصاص بالجناب الكريم، وهو مجد باق لهم أبد الدّهر.

44. استثمر المنافقون المرأة في مواضع كثيرة دون أخذ أذنها أو مراعاة مصلحتها، فلأجل البلبلة وإشاعة السّوء افتروا حادثة الإفك، وللنّكوص عن الجهاد تذرعوا بالخوف من الفتنة!

45. ‏جاءت حليمة السّعدية رضوان الله عليها إلى مكة، وهي أقلّ رفيقاتها في الدّابة والمال والحال، وكان نصيبها طفلًا يتيمًا خلافًا لصاحباتها، لكنّ الله جعل البركة لها ومعها وحولها ببركة وجود النّبي عليه الصّلاة والسّلام وإرضاعه، وخيرة الله واختياره خير لنا!

46. ادعى المنافقون أنّهم بنوا مسجد الضّرار‬ لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والشّاتية، لكنّ الله كذبهم وفضحهم،‬ فسوق أسباب وجيهة لا يزكي العمل، ولا يبرئ النّية من الشّوائب.

47. حين بنى المنافقون مسجد الضّرار‬ اختاروا له إمامًا حافظًا تقيًا ليس منهم، واستثمروا غفلته عن مرادهم!‬ ‬وعلى كلّ مؤمن أن يحذر من استخدامه جسرًا أو مطيّة أو غطاء!‬ ‬

48. بعض النّخب والوجهاء من كفار قريش لم يوافقوا قومهم على جورهم وإيذائهم للنّبي وصحبه، وإنّ مصداقية نخبويتك ووجاهتك تظهر في مواقفك مع العدل، وحسن العهد، والخلق النّبيل، بغض النّظر عن الحب والبغض.

49. ‏من أعظم الجنائز جنازة عبد الله ذي البجادين المزني، حفر قبره الرّسول عليه السّلام وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم، وهيأه النّبي داخل قبره بعد أن دلّاه العمران، ودعى له بالرّضوان، وإنّه ليغبط.‬السيرة 3

50. المؤمن لا يخون دينه وبلاده وقومه، ولذلك حين قال ملك غسّان في رسالته لكعب بن مالك رضي الله عنه: الحق بنا نواسك! كان جوابه الفصيح تسجير الرّقعة في التّنور، فمهما اختلفنا لا مكان للعدو والغريب في شؤننا.‬

51. استفهم النّبي عليه الصّلاة والسّلام من فتيان قريش عن عدد ما ينحرونه من الإبل يوميًا فأخبروه، فعرف أن تعدادهم في معركة بدر‬ بين التّسعمئة والألف.‬ الإحصاء والاستقراء مجلبتان للمعلومة، وامتلاك المعلومة قوّة.‬

52. مشاركة النّاس في مناسباتهم، والتّعبير الّلفظي والعملي عن مشاعرك، حسنة ولطف وأثر يبقى، ولذلك لم ينس كعب بن مالك لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما، قيامه وتحيته وتهنئته بتوبة الله على كعب.

53. كم من مشرك كره النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ انقلب البغض إلى حب شديد بمجرد رؤية الجناب الكريم، أو حدوث أوّل موقف معه، فسبحان القدير الذي جعل للصّالحين المصلحين مودّة في القلوب‬.

54. يمارس السّياسي المسلم أعماله وفي ذهنه تحقيق المصالح الشّرعية العليا العامة، ودفع الضّرر أو تخفيفه، ولذلك يعاهد، ويحالف، ويسالم، ويوالي، ويعادي، ويحارب، وكلّ ذلك بإرادته المستقلة.

55. سأل النّبي عليه السّلام وفدًا من العرب عن سر انتصاراتهم في الجاهلية فقالوا: كنّا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم!

56. لم يوقر الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا مقام النّبوة، ولا بيته، فما ظنّكم بسلوكهم مع مقام دونه، ومع باقي البيوت؟!

57. ‏في خطبة حجّة الوداع ذكر النّبي عليه السّلام شهر رجب بطريقة لا لبس فيها، فهو رجب مضر، وهو الواقع بين شعبان وجمادى!‬ ليكن أمرك واضحًا وأنت قائد، وتعليمك كاملًا وأنت معلّم‬.

58. بعث النّبي عليه السّلام سفراءه، ومنهم دحيّة لقيصر، فقال له: اسمع بذل، ثمّ أجب بنصح، فإنّك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف!

59. بعد وفاة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ارتدت العرب، واشرأبت اليهود والنّصارى، وانتفخ النّفاق، وصار المسلمون كغنم مطيرة في ليلة شاتية! فجمعهم الله بأبي بكر والمهاجرين والأنصار، فللسّابقين مواقف ومواقع.

60. العمل المؤسسي يقوم على مبادئ ونظم لا على أشخاص مهما كانت منزلتهم عالية.

61. في السّيرة المحمّدية فقه، وسياسة، واقتصاد، وتربية، وتعليم، وجهاد، ومجتمع، وعلاقات دوليّة، وإدارة، وما أحوجنا لها أيًا كانت مواقعنا.

62. جعل الله نبيه بشرًا كغيره في الجبلّة البشريّة، يأكل وينام ويتزوج ويطلق ويبيع ويشتري، وهكذا من سار على دربه من العلماء والدّعاة والمصلحين.

63. مات النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يعمّر كثيرًا، وقضى ثلث عمره تقريبًا في النّبوة، وبإمكان كلّ ذي رسالة أن يبلغها ويجتهد في ذلك، ومن الله العون والسّداد.


وليست هذه كل ما في السّيرة الطّاهرة من فوائد ودروس وعبر، وإنّي لآمل أن ينهض القارئ إلى كتاب مختصر أو متوسط أو مطول، في السّيرة، أو الهدي، أو الشّمائل، أو الدّلائل، فيقرأ منه، ويفيد من حوله، فو الله إنّها لمنقصة عظيمة ألّا تعرف أجيالنا عن رسولنا عليه الصّلاة والسّلام إلّا اسمه وربمّا الأوّل فقط!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض ahmalassaf@
الأربعاء 12 من شهر ذي القعدة الحرام عام 1439
25 من شهر يوليو عام 2018م

رابط المحدث

الرابط الأصلي

أهمية الدعاء للذرية والأبناء

أبناؤنا قرة عيوننا، وبهجة نفوسنا، وثمرة حياتنا، ومصدر من مصادر سعادتنا في هذه الحياة.

هم زينة الحياة، ونعمة الإله؛ كما قال جل في علاه: {المال والبنون زينة الحياة}.دعاء للأبناء1

ولا يسعد الإنسان مهما كان عنده من أسباب السعادة إلا أن يرى أبناءه سعداء صالحين، مطيعين لربهم، نافعين لأنفسهم ودينهم وأوطانهم. فلا جرم أن يسعى الآباء في سبل إصلاح الأبناء ويأخذوا بكل الأسباب لهذه النتيجة.

وقد جرت سنة الله أن البيوت الصالحة (بحق) يخرج أبناؤها صالحين، وهي حقيقة أثبتها القرآن والواقع، وهو مما استقر في فطر الناس.

أما القرآن فقد قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا}(الأعراف:58).

وأما استقراره في فطر الناس فيدل عليه قول بني إسرائيل لمريم وقد وهبها الله عيسى فقالوا مستنكرين: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}(مريم:28)، فكأنهم يقولون: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟

فالأصل أن صلاح البيت معه صلاح الذرية، غير أن الله قد يخرق هذه العادة، كما قصة نوح وابنه، ليعلم الناس أن الهداية والصلاح بيد الوهاب الفتاح، فتبقى قلوبهم متعلقة به مهما فعلوا وبذلوا، ولتلهج ألسنتهم بدوام الدعاء لهم ولأبنائهم بالهداية والصلاح والسعادة والفلاح.

فضل الدعاء
والدعاء ـ أيها الكريم ـ باب من أعظم الأبواب التي يدخل بها المسلم على ربه، ويحقق من خلاله رغباته وأمنياته، فالله كريم يحب أن يسأل:
الله يغضب إن تركت سؤاله .. وبني آدم حين يسأل يغضب

إن للدعاء أثرا كبيرا في حياة المسلم عموما، وفي صلاح الأبناء خصوصا، ذلك أن دعوة الوالد لولده مستجابة.. قال عليه الصلاة والسلام: [ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة والولد لولده](رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه).

فكم من دعوة صادقة ردت شاردا، وقربت بعيدا، واصلحت فاسدا، وهدت ضالا.

بل كم من دعوة كانت سببا في صلاح هذه الذرية من أصلها، وحلول البركة فيها.

وهذا كتاب الله يعلمنا ويبين لنا ويدلنا على هذا السبيل، وكيف أنه سبيل أصلح الناس وأهداهم وأقدرهم على تربية أبنائهم، ولكنهم يلجؤون إلى الله ويسألونه صلاح ذريتهم.

هذا إبراهيم خليل الله يدعو ربه وقد كبرت سنه أن يهبه ذرية ولكن أي ذرية؟ {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين}(الصافات:100).
فماذا كانت النتيجة؟ {فبشرناه بغلام حليم}، وأتته الملائكة مبشرين: {إنا نبشرك بغلام عليم}، وفي سورة هود: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}(هود:71).

فهل توقف عن الدعاء لهم؟

دعاء للأبناء2

 

لا.. بل ظل يسأل الله لهم لخير واليمان {رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}(إبراهيم:35)، {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء}(إبراهيم:40)، {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}(البقرة:128).

وهذا زكريا نبي الله يدعو ربه بالذرية فيقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}(آل عمران:38).

ما وصف هذه الذرية: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}(مريم:5، 6)

وإنما كان يطلب من يرث النبوة والهداية ودعوة الناس إلى الله وإلى طريق الهدى والنور، فمن المعلوم أن الأنبياء لا يورثون، وما تركوه صدقة، فأراد وراثة النبوة والدين.

فاستجاب الله دعاءه وبشره: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}(مريم:7)، أما صفات هذا الغلام: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}(مريم:12ـ15).. فكانت كل هذه البركة في يحيى بسبب دعاء أبيه له.

والأم أيضا
وحتى لا يظن أحد أن الدعوة خاصة بالرجال فقط ذكر لنا القرآن مثلا فريدا لصلاح المرأة ودعائها لأبنائها وذريتها، وأثر هذا الدعاء على الذرية في قصة امرأة عمران أم مريم، وكيف أنها كانت تدعو لجنينها في بطنها وتهبه لخدمة بيت ربها {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(آل عمران:35)، فلما خرج المولود أنثى لم يمنعها هذا أن تهبها لخدمة بيت المقدس وأن تدعو ربها ليحفظها وينبتها نباتا حسنا بل دعت بما هو أكبر من ذلك فقالت: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(آل عمران:36).

فاستجاب الله دعاءها، وبارك في ابنتها، واصطفاها على نساء العالمين، واختارها لتكون فيها آية من آياته الكبرى بأن وهبها عيسى بكلمة منه دون أب، وأعاذها وابنها من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. كل ذلك ببركة دعاء الأم الصالحة المباركة.

السنة والدعاء للذرية:
والسنة الميمونة تسير على نهج القرآن، والنبي الكريم تطبيق عملي لكل خير، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب، ويدعو لحفيديه الحسن والحسين، ولأبناء المسلمين:
دعا لأنس بن مالك بالبركة في ماله وولده؛ فكان من أكثر الناس مالا، وبلغ أولاده وأحفاده قرابة المائة نفس، وحلب بماله البركة فكان زرعه ينتج في العام مرتين.

وكان المسلمون يأتونه بأبنائهم فيحنكهم ويسميهم ويدعو لهم بالبركة.

وقد علم كل أب وأم أن يدعوا لأبنائهما، ولا يبخلا بالدعاء لهم، ولو في أسعد الأوقات، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا](متفق عليه).

هدي الصالحين
وعباد الله الصالحون وصفهم الله في قرآنه المجيد فذك من أوصافهم {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}(الفرقان:74).
فهم يدعون الله تعالى أن يقر أعينهم بأزواجهم وذرياتهم، وقرة العين هذه لا تكون إلا بأن يكونوا على ما يحب الله من الإيمان والرشاد والهداية والسداد.. ثم هم يدعون لهم ولأنفسهم، ليس فقط أن يكونوا متقين، بل أن يكونوا من أئمة المتقين.
فأكثروا من الدعاء لأبنائكم، وألحوا على ربكم بأن يهبهم الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

ملاحظتان هامتان
وأحب أن أسجل هنا ملاحظتين:
الأولى: أسمع أولادك الدعاء أحيانا:
إذا دعوت لولدك فأسمعه دعاءك أحيانا، فإن قولك له: “اسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين”، أو “أسأل الله أن يرضى عنك”، أو “أن يحبك مع عباده الذين يحبهم ويحبونه”.. هذا الكلام يسري في روحه، ويملأ قلبه بمحبتك لما يرى من حرصك عليه وحبك له وحب الخير له، ويشجعه أن يكون أهلا لدعائك، وأن يعمل ليحقق ذلك.

ثانيا: إياك ثم إياك أن تدعو على أبنائك:
مهما أساؤوا، أو أخطؤوا، أو كسروا، أو أزعجوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن دعوة الوالد لولده أو عليه مستجابة، ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شكَّ فيهنَّ: دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوالدِ على ولدِه].
ولأنه ربما توافق دعوة الأب أو الأم على الولد ساعة إجابة فيهلك الولد، فحذرنا عليه الصلاة والسلام من ذلك أشد التحذير فقال كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكُم، ولا تدعوا على أموالكُم، لا تُوافقُوا من اللهِ تعالى ساعة نيْلٍ فيها عطاء فيستجيب لكم](رواه مسلم).

فكم من دعوة خرجت من أب أو أم على أحد الأبناء فصادفت ساعة إجابة فكانت سببا في ضلال أو ضياع أو عقوق أو حتى موت.
جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك يشكو عقوق ولده. فقال له ابن المبارك: أكنت تدعو عليه؟ قال: نعم. قال. أنت أفسدته.

وانظر إلى هذا الرجل وقارن بينه وبين الفضيل بن عياض الذي كان يدعو الله لولده، ويقول: اللهم إني اجتهدت في تربية ابني علي فلم أقدر، فربه أنت لي. فكان ابنه من أفضل الناس، وأعبدهم، وأخوفهم من ربه سبحانه.

فعود نفسك أن تدعو له بدلا من أن تدعو عليه، فإذا فعل ما يغضبك فادع له: الله يهديك، الله يصلحك، الله يتوب عليك. فإن صادفت إجابة سعد بدعوتك، وسعدت أنت بهدايته.
اللهم أصلح أبناءنا وأبناء المسلمين، وأنبتهم نباتا حسنا يا أكرم الأكرمين.

رابط الموضوع