أحكام مختصرة في سنة الفجر

أحكام مختصرة في سنة الفجر

عبدالله محسن الصاهود – feqheyat@

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

1- فضل سنة الفجر؟
أ-قال صلى الله عليه وسلم ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) (رواه مسلم )

قال ابن عثيمين:
الدُّنيا منذ خُلقت إلى قيام الساعة بما فيها مِن كُلِّ الزَّخارف مِن ذَهَبٍ وفضَّةٍ ومَتَاعٍ وقُصور ومراكب وغير ذلك، هاتان الرَّكعتان خيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ هاتين الرَّكعتين باقيتان والدُّنيا زائلة. الشرح الممتع (4-70)

ب-قالت عائشة:(لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر)) (رواه مسلم والبخاري)

2-ماهي خصائص سنة الفجر؟
قال ابن عثيمين:
تختصُّ هاتان الرَّكعتان بأمور:
أولاً: مشروعيتهما في السَّفر والحضر.
ثانياً: ثوابهما؛ بأنهما خير من الدُّنيا وما فيها.
ثالثاً: أنه يُسَنُّ تخفيفهما، فَخَفِّفْهُمَا بقَدْرِ ما تستطيع، لكن بشرط أن لا تُخِلَّ بواجب.
رابعاً: أنْ يقرأ في الرَّكعة الأُولى بـ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}
وفي الثانية: بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
أو في الأُوْلَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136]
و{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا} [آل عمران: 52]
الشرح الممتع (4-71)

3-ما المشروع قراءته بعد الفاتحة في سنة الفجر ؟
قال ابن باز:
أ-سنة الفجر يقرأ فيها بعد الفاتحة :
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) في الأولى و ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) في الثانية.
ب-وإن قرأ مع الفاتحة في الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآية من سورة البقرة
وفي الثانية:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ )الآية من سورة آل عمران. فكل ذلك قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
ت-وإن قرأ غير ذلك فلا بأس. مجموع الفتاوى (11/405)

4-حكم صلاة ركعتي سنة الفجر بالفاتحة بدون قراءة سورة أخرى مع الفاتحة؟
قال ابن عثيمين:
لا حرج أن تقتصر على الفاتحة في ركعتي الفجر.
مجموع الفتاوى (13/ 155)

5-حكم الإطالة في ركعتي سنة الفجر؟
قال ابن عثيمين:
لو أراد أحد أن يُطيل رَكعتي سُنَّة الفجر بالقراءة والرُّكوع والسُّجود، لكونه وقتاً فاضلاً بين الأذان والإِقامة لا يُرَدُّ الدُّعاء فيه، قلنا: خالفتَ الصَّواب؛ لأن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُخفِّف هاتين الرَّكعتين. الشرح الممتع (1-407).

6-حكم من فاتته سنة الفجر؟
قال ابن باز:
أ-يخير بين أدائها بعد الصلاة .
ب-أو تأجيلها إلى ما بعد ارتفاع الشمس .
لأن السنة قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين جميعا، لكن تأجيلها أفضل إلى ما بعد ارتفاع الشمس.
مجموع الفتاوى (11/ 373)

قال ابن عثيمين:
يجوز للإنسان إذا فاتته سنة الفجر قبل صلاة الفجر
أ-أن يقضيها بعد الصلاة إذا انتهى من التسبيح الوارد خلف الصلاة
ب-وله أن يؤخر القضاء إلى الضحى. مجموع الفتاوى (14/ 282)

7-هل يستحب أن يبدأ بالسنة أم صلاة الفجر إذا فاتته الصلاة ؟
قال ابن باز:
يبدأ بسنة الفجر ثم يصلي الفريضة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما نام هو وأصحابه في بعض الأسفار عن صلاة الفجر.
مجموع الفتاوى (11/ 377).
ج: من غلبه النوم فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس فليصل الفجر كما كان يصليها من قبل ويصلي سنة الفجر قبلها. اللجنة الدائمة (6/ 13)

8-هل تسقط سنة الفجر في السفر؟
قال ابن باز:
أ-المشروع ترك الرواتب في السفر ماعدا الوتر وسنة الفجر
ب-أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر وهكذا ذوات الأسباب مجموع الفتاوى (11/ 391)

9-هل تكفي سنة الفجر عن تحية المسجد ؟
قال ابن باز:
المشروع في مثل هذا أن يصلي الراتبة وتكفي عن التحية.
مجموع الفتاوى (11/ 375)

قال ابن عثيمين:
أ-تحية المسجد لا تجزئ عن سنة الفجر إذا نواها عن التحية وحدها ب-ولكن إذا نوى سنة الفجر سقطت تحية المسجد.
مجموع الفتاوى (14/ 278)

ج :إذا دخل المسجد وصلى سنة الفجر أجزأته عن تحية المسجد، وإن نواهما معا فحسن. اللجنة الدائمة (7/ 271)

10-هل يؤدي الإنسان راتبة الفجر بعد صلاة الفجر أو يؤخرها حتى يزول وقت النهي؟
قال ابن عثيمين:
يجوز للإنسان أن يصلي سنة الفجر بعد صلاة الفجر بعد الذكر المشروع للصلاة . مجموع الفتاوى (14/ 275)

11-إذا صلى الإنسان صلاة الإشراق وقد فاتته سنة الفجر فهل تجزئ عن سنة الفجر؟
قال ابن عثيمين:
قد نقول إنها لا تجزئ لأن المقصود أن يصلي الإنسان ركعتين خاصتين بالإشراق، وهذا أحوط، وعلى هذا فيصلي سنة الفجر، ثم ركعتي الإشراق. مجموع الفتاوى (14/ 276)

12-هل ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر في اشتراط دخول الوقت؟
قال ابن عثيمين:
ركعتا الفجر مثل صلاة الفجر فلا تصلى سنة الفجر إلا بعد طلوع الفجر. مجموع الفتاوى (14/ 276)

13-حكم من ترك سنة الفجر متعمدا هل يقضيها؟
إذا تركها عمداً حتى فاتَ وقتُهَا فإنه لا يقضيها، ولو قضاها لم تصحَّ منه راتبة؛ وذلك لأَنَّ الرَّواتب عبادات مؤقَّتة، والعبادات المؤقَّتة إذا تعمَّد الإنسانُ إخراجَها عن وقتها لم تُقبل منه. الشرح الممتع (4-73)

14-هل من السنة الاضطجاع بعد سنة الفجر؟
أ-الذي يظهر: أنها سنة في حق من يحتاج إليها، مثل أن يكون الإنسان متعباً، فيحب أن يستريح بالاضطجاع من أجل أن يقوى على صلاة الفجر.
ب-وأما من لا حاجة له إليها فلا، وكذلك من يخشى أنه إذا اضطجع نام ولن يقوم إلا بعد طلوع الشمس، فلا يضطجع. (لقاء الباب المفتوح)

المــراجــــــع:
مجموع فتاوى العلامة ابن باز
مجموع فتاوى اللجنة الدائمة
مجموع فتاوى العلامة ابن عثيمين
لقاء الباب المفتوح للعلامة ابن عثيمين
الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين.

تويتر وانستقرام: feqheyat@

الرابط الأصلي

هل يجزئ الغسل عن الوضوء ؟

هل يجزئ الغسل عن الوضوء ؟

السؤال
هل غسل الجمعة للنساء يجزئ عن الوضوء ؟ وهل الغسل المستحب كالعيدين يجزئ عن الوضوء ؟

نص الجواب

الحمد للهShower
إذا اقتصر المغتسل على القدر المجزئ من صفة الغسل ، وهي مبينة في جواب السؤال رقم (10790) والتي يكتفي فيها بتعميم الماء دون أن يأتي بالوضوء قبل الغسل.

فإن كان الغسل واجبا لرفع الحدث الأكبر ، من جنابة أو حيض أو نفاس ، فهذا الغسل يجزئ عن الوضوء ، على الصحيح من أقوال أهل العلم ، لأن الحدث الأصغر يندرج في الحدث الأكبر ، فإذا ارتفع الأكبر بالغسل لزم ارتفاع الحدث الأصغر أيضا.

أما إن كان الغسل مسنونا ، كغسل الجمعة والعيدين ، ( رجلاً كان أم امرأة ) فلا يجزئ هذا الغسل عن الوضوء .
جاء في “شرح مختصر خليل” للخرشي (1/175) :
” فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزأه ، وهذا في الغسل الواجب ، أما غيره فلا يجزئ عن الوضوء ، ولا بد من الوضوء إذا أراد الصلاة ” انتهى .

وجاء في “حاشية الصاوي على الشرح الصغير” (1/173-174) :
” غسل الجنابة يجزئ عن الوضوء ..وأما لو كان غير واجب – كغسل الجمعة والعيدين فلا يجزئ عن الوضوء ، ولا بد من الوضوء إذا أراد الصلاة ” انتهى .

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، كما في “مجموع فتاوى ابن باز” (10/173-174) :

” إذا كان الغسل عن الجنابة , ونوى المغتسل الحدثين : الأصغر والأكبر أجزأ عنهما , ولكن الأفضل أن يستنجي ثم يتوضأ ثم يكمل غسله ; اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم , وهكذا الحائض والنفساء في الحكم المذكور .

أما إن كان الغسل لغير ذلك ; كغسل الجمعة , وغسل التبرد والنظافة ، فلا يجزئ عن الوضوء ولو نوى ذلك ; لعدم الترتيب , وهو فرض من فروض الوضوء , ولعدم وجود طهارة كبرى تندرج فيها الطهارة الصغرى بالنية , كما في غسل الجنابة ” انتهى .

وقال أيضا ” مجموع الفتاوى ” (10/175-176) :
” السنة للجنب : أن يتوضأ ثم يغتسل ; تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم , فإن اغتسل غسل الجنابة ناويا الطهارة من الحدثين : الأصغر والأكبر أجزأه ذلك , ولكنه خلاف الأفضل , أما إذا كان الغسل مستحبا ; كغسل الجمعة , أو للتبرد ، فإنه لا يكفيه عن الوضوء ; بل لا بد من الوضوء قبله أو بعده ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) متفق على صحته .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقبل صلاة بغير طهور ) أخرجه مسلم في صحيحه .

ولا يعتبر الغسل المستحب أو المباح تطهرا من الحدث الأصغر إلا أن يؤديه كما شرعه الله في قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 .
أما إذا كان الغسل عن جنابة أو حيض أو نفاس ونوى المغتسل الطهارتين دخلت الصغرى في الكبرى ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق على صحته ” انتهى .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في “لقاء الباب المفتوح” (رقم109/سؤال14) :

” إذا اغتسل بنية الوضوء ولم يتوضأ فإنه لا يجزئه عن الوضوء إلا إذا كان عن جنابة , فإن كان عن جنابة فإن الغسل يكفي عن الوضوء ، لقول الله تبارك وتعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) المائدة/6 ، ولم يذكر وضوءاً .

أما إذا كان اغتسل للتبرد أو لغسل الجمعة أو لغسل مستحب فإنه لا يجزئه ؛ لأن غسله ليس عن حدث .

والقاعدة إذاً : إذا كان الغسل عن حدث – أي : عن جنابة – أو امرأة عن حيض أجزأ عن الوضوء ، وإلا فإنه لا يجزئ ” انتهى بتصرف يسير .
والله أعلم .

الرابط الأصلي

حكم وضوء من يغسل اليدين من الرسغين إلى المرفقين ولا يغسل الكفين

حكم وضوء من يغسل اليدين من الرسغين إلى المرفقين ولا يغسل الكفين

السؤال
بعض المسلمين أثناء الوضوء عند غسل اليدين يغسلون من الرسغ إلى المرفق دون إدخال الكفين في الغسل، فما حكم ذلك ؟

نص الجواب

الحمد لله
أولا :
الأعضاء التي يجب غسلها في الوضوء جاءت مبينة في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 ، فأوجب الله تعالى غسل اليدين إلى المرفقين بعد غسل الوجه ، وهذا لا يتحقق إلا بغسل اليدين من أصابع الكفين إلى المرفقين ، فمن اقتصر على غسلهما من الرسغين إلى المرافق لم يكن أتى بهذا الفرض .

وأما غسل الكفين أول الوضوء فهذا غسل مسنون ، ولا يجزئ عن الفرض عند جمهور العلماء ، خلافا للحنفية .
وجمهور العلماء على أنه يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء ، فيغسلها على الترتيب الوارد في الآية : غسل الوجه ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين .

وعليه ؛ فلا يصح الاكتفاء بغسل الكفين في أول الوضوء عن إعادة غسلهما مع اليد ، لأن ذلك يؤدي إلى اختلال الترتيب ، بإدخال غسل الوجه أثناء غسل اليدين ، والواجب أن يكون غسل اليدين كله واقعا بعد غسل الوجه .

والحاصل : أن من توضأ فغسل كفيه ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ثم غسل يديه من الرسغين إلى المرفقين لم يصح وضوؤه عند أكثر أهل العلم .

وقد سئل الشيخ ابن جبرين حفظه الله : ما حكم من يغسل يده من الرسغ إلى المرفق ، دون غسل الكف ، مكتفيا بغسلها أول الوضوء ، وهل يلزمه إعادة الوضوء ؟

فأجاب : “لا يجوز في الوضوء الاقتصار على غسل الذراع فقط دون الكف بل متى فرغ من غسل الوجه بدأ بغسل اليدين ، فيغسل كل يد من رؤوس الأصابع إلى المرافق ، ولو كان قد غسل الكفين قبل الوجه ، فإن غسلهما الأول سنة ، وبعد الوجه فرض ، فمن اقتصر في غسل اليدين من الرسغ إلى المرفق فما أكمل الفرض المطلوب ، فعليه إعادة الوضوء بعد التمام ، أو عليه غسل ما تركه إن كان قريبا ، فيغسل الكفين وما بعدهما ” انتهى من “اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين” ص 77 .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” وهنا نقف لننبه على ما يغفل عنه كثير من الناس حيث كانوا يغسلون اليد من الكف إلى المرفق ظناً منهم أن غسلها قد تم قبل غسل الوجه، وهذا غير صحيح، ولا بد أن تغسلها من أطراف الأصابع إلى المرفقين ” انتهى من “اللقاء الشهري” (3/330) .
والله أعلم

الرابط الأصلي

ماهي أركان الوضوء، واجباته، وسننه؟

ماهي أركان الوضوء ، وواجباته ، وسننه ؟

نص الجواب

الحمد لله
أولا :
أركان الوضوء وفروضه ستة :
1- غسل الوجه – والفم والأنف منه .
2- غسل اليدين إلى المرفقين .
3- مسح الرأس .
4- غسل الرجلين إلى الكعبين .
5- الترتيب بين أعضاء الوضوء .
6- الموالاة بينها . ( أي متابعة غسل الأعضاء بلا فاصل زمني طويل بينها ) .الوضوء

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 .

انظر : “الروض المربع مع حاشية ابن قاسم ” (1/181-188) .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” المراد بفروض الوُضُوء هنا أركانُ الوُضُوء. وبهذا نعرف أن العُلماء ـ رحمهم الله ـ قد ينوِّعون العبارات، ويجعلون الفروضَ أركاناً، والأركان فروضاً ” انتهى من “الشرح الممتع” (1/ 183) .
وقد قدمنا أن الفرض هو الواجب في قول جمهور أهل العلم ، انظر السؤال رقم : (127742).

فواجبات الوضوء هي أركانه ، وهي فرائضه ، وهي ما يتكون منها الوضوء ولا يوجد إلا بها .

أما التسمية على الوضوء : فذهب الإمام أحمد إلى وجوبها .
وذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة من سنن الوضوء وليست واجبة ، وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم :(21241) .

ثانيا :
سنن الوضوء كثيرة متعددة ، قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :

سنن الوضوء هي:

أولاً: السواك ، ومحله عند المضمضة ؛ ليحصل به والمضمضة تنظيف الفم لاستقبال العبادة والتهيؤ لتلاوة القرآن ومناجاة الله عز وجل .

ثانياً: غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء قبل غسل الوجه ؛ لورود الأحاديث به ، ولأن اليدين آلة نقل الماء إلى الأعضاء ؛ ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء .

ثالثا: البداءة بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه ؛ لورود البداءة بهما في الأحاديث ، ويبالغ فيها إن كان غير صائم .
ومعنى المبالغة في المضمضة : إدارة الماء في جميع فمه، وفي الاستنشاق: جذب الماء إلى أقصى أنفه .

رابعا: تخليل اللحية الكثيفة بالماء حتى يبلغ داخلها، وتخليل أصابع اليدين والرجلين.

خامسا: التيامن، وهو البدء باليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى.

سادسا: الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل الوجه واليدين والرجلين ” .
انتهى من “الملخص الفقهي” (1/ 44-45) .
ومن السنن أيضا : مسح الأذنين عند جمهور العلماء ، وذهب الإمام أحمد إلى وجوب مسحهما ، وقد سبق بيان ذلك في الفتوى رقم : (115246) .

ويستحب أن يقول بعد الوضوء : ( أشْهَدُ أنْ لا إله إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيك لَهُ ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَوَّابِينَ ، واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ ) .
ولمعرفة صفة الوضوء الكامل انظر الفتوى رقم : (11497) .
والله أعلم .

الرابط الأصلي

ما حكم التسمية في الوضوء ؟

السؤال
ما حكم التسمية في الوضوء ؟.

نص الجواب

الحمد لله

اختلف العلماء في حكم التسمية في الوضوء .الوضوء

فذهب الإمام أحمد إلى وجوبها ، واستدل بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) رواه الترمذي (25) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي . انظر : المغني (1/145).

وذهب جمهور العلماء منهم الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد إلى أن التسمية سنة من سنن الوضوء وليست واجبة .

واستدلوا على عدم وجوبها بأدلة :

1- منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ رجلاً الوضوءَ فقال له : ( تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ) رواه الترمذي (302) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (247) . وهذا إشارة إلى قول الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 . وليس فيما أمر الله التسمية . انظر : المجموع للنووي (1/346) .

وقد روى أبو داود (856) هذا الحديث بلفظ أكمل من هذا ، وأوضح في الدلالة على عدم وجوب التسمية في الوضوء .

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لا تَتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ . . . الحديث .

فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم التسمية ، مما يدل على عدم وجوبها . انظر : السنن الكبرى للبيهقي (1/44) .

2- ومنها : أن كثيراً من الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا فيه التسمية ، ولو كانت واجبة لذُكرت .

انظر : الشرح الممتع (1/130) .

وهذا القول اختاره كثير من الحنابلة كالخرقي وابن قدامة .

انظر المغني (1/145) والإنصاف (1/128) .

واختاره من المعاصرين الشيخان محمد بن إبراهيم ، ومحمد بن عثيمين رحمهما الله .

انظر : فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (2/39) ، الشرح الممتع (1/130 ، 300) .

وأجاب هؤلاء عن الحديث الذي استدل به من قال بوجوب التسمية بجوابين :

الأول : أن الحديث ضعيف .

ضعفه جماعة من العلماء منهم الإمام أحمد والبيهقي والنووي والبزار .

سئل الإمام أحمد عن التسمية في الوضوء ، فقال : ليس يثبت في هذا حديث ، ولا أعلم فيها حديثاً له إسناد جيد اهـ المغني (1/145) .

انظر : السنن الكبرى للبيهقي (1/43) ، المجموع (1/343) ، تلخيص الحبير (1/72) .

الجواب الثاني : أن الحديث إن صح فمعناه : لا وضوء كامل . وليس معناه لا وضوء صحيح .

انظر : المجموع (1/347) ، والمغني (1/146) .

وعلى هذا ؛ فالحديث –إن صح- فإنه يدل على استحباب التسمية لا وجوبها . والله أعلم .

وعلى هذا لو توضأ المسلم ولم يسم فوضوؤه صحيح ، غير أنه فَوَّت على نفسه ثواب الإتيان بهذه السنة ، والأحوط للمسلم ألا يترك التسمية على الوضوء .

الرابط

هل يجب قراءة القرآن بعد الفاتحة؟

قراءة القرآن بعد الفاتحة في الصلاة ليس بواجب لا في الفرض ولا في النافلة، ولا في الجهر، ولا في السر، ولا لمسبوق، ولا لغيره .

عن عطاء قال: قال أبو هريرة : في كل صلاة قراءة، فما أسمعَنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعْناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم، ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل.

رواه البخاري (738) وعنده “وإن زدت فهو خير”، ومسلم ( 396 ) .سورة_الفاتحة

قال النووي :

قوله “ومن قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل”: فيه دليل لوجوب الفاتحة، وأنه لا يجزى غيرها .

وفيه استحباب السورة بعدها ، وهذا مجمع عليه في الصبح والجمعة والأولييْن من كل الصلوات وهو سنة عند جميع العلماء ، وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة وهو شاذ مردود .

وأما السورة في الثالثة والرابعة فاختلف العلماء هل تستحب أم لا وكره ذلك مالك رحمه الله تعالى واستحبه الشافعي رضي الله عنه في قوله الجديد دون القديم والقديم هنا أصح .

” شرح مسلم ” ( 4 / 105 ، 106 ) .

وقال الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ :

وقراءة السورة ( بعد الفاتحة ) على قول جمهور أهل العلم سنة و ليست واجبة لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.

” الشرح الممتع ” ( 3 / 103 ) .

وإذا قمت بعد تسليم الإمام لإتمام صلاتك ، فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن ما أدركته مع الإمام هو أول صلاتك راجع سؤال رقم ( 23426 ) ، فإن كان بقي من صلاتك الركعة الثالثة والرابعة فإنك تقرأ فيهما بالفاتحة فقط ، وإذا كان بقي من صلاتك الركعة الثانية وما بعدها فإنك تقرأ في الثانية بالفاتحة وسورة ، وفيما بعدها بالفاتحة فقط .

ويجوز للمصلي أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة غير أنه يفعل ذلك أحياناً ، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بحديث رقم ( 452 )

 والله أعلم .

الرابط الأصلي

صحة حديث ضحك الله لمن يقوم في ليلة باردة من فراشه

صحة حديث ضحك الله لمن يقوم في ليلة باردة من فراشه

السؤال
‏فى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله ليضحك إلى رجل قام فى ليلة باردة من فراشه ولحافه ، فتوضأ ، ثم أقام الصلاة ، ويقول للملائكة : ما حمل عبدي على هذا الصنع ؟ فيقولون : ربنا ! رجاء ما عندك ، وشفقه مما عندك. ‏فيقول الله : فإنى قد أعطيته ما رجا ، وأمنته مما يخاف ، ورزقته ما يتمنى ) فما صحة هذا الحديث ؟

نص الجواب

الحمد لله

أولا:Qiyam-1
الحديث المذكور حديث صحيح ، موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.

وقد جاء مرفوعا ، من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، بإسناد حسن، لكن ليس فيه لفظ الضحك، بل فيه: (عجِب ربنا):

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَجَاءً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ) .

رواه أحمد في مسنده (3949) وابن حبان في صحيحه (2558) وابن خزيمة في “التوحيد” (799)

وقد ساق المنذري رحمه الله الحديث المرفوع أولا، ثم الموقوف، في “الترغيب والترهيب” (630) ، ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في “صحيحه”.

ورواه الطبراني موقوفاً بإسناد حسن ” انتهى .

ولفظ الحديث الموقوف عند الطبراني : عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:

” أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُ إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يُقَرِّبُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُ إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّارِ، إِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَلِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ .

أَلَا وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةٌ، وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ لِلْخَيْرِ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، فَمَنْ وَجَدَ لَمَّةَ الْمَلَكِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ ، وَمَنْ وَجَدَ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ) البقرة/268 إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .

قَالَ: أَلَا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ :Qiyam-2

رَجُلٍ قَامَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مِنْ فِرَاشِهِ وَلِحَافِهِ وَدِثَارِهِ ، فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى صَلَاةٍ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: مَا حَمَلَ عَبْدِي هَذَا عَلَى مَا صَنَعَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا رَجَاءَ مَا عِنْدَكَ، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا رَجَا ، وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ .

وَرَجُلٍ كَانَ فِي فِئَةٍ ، فَعَلِمَ مَا لَهُ فِي الْفِرَارِ، وَعَلِمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللهِ ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: مَا حَمَلَ عَبْدِي هَذَا عَلَى مَا صَنَعَ؟، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا رَجَاءَ مَا عِنْدَكَ ، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَكَ .

فَيَقُولُ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا رَجَا وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ ” أَوْ كَلِمَةً شَبِيهَةً بِهَا “.

رواه الطبراني في “الكبير” (8532) .

وقد حكم الشيخ الألباني رحمه الله في “صحيح الترغيب” على المرفوع بأنه حسن لغيره، وعلى الموقوف بأنه صحيح لغيره. وينظر: “السلسة الصحيحة”، رقم (3478) .

وفي حاشية المسند، ط الرسالة (7/62): ” إسناده حسن إلا أن الدارقطني صحح وقفه” انتهى.

وينظر كلام الدارقطني في “العلل” (5/267) .

ثانيا:
جاء في هذا المعنى، وفيه التصريح بالضحك: حديث أبي الدرداءِ رضي الله عنه عن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال: (ثلاثةٌ يحبُّهم اللهُ، ويضحكُ إليهم، وَيستبشرُ بهم:

الذي إذا انكشفتْ فِئةٌ قاتلَ وراءها بنفسه لله عز وجل، فإمّا أنْ يُقتَلَ، وإمّا أنْ ينصرَه اللهُ ويكفيَه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟!

والذي له امرأة حَسَنَةٌ، وفراشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيَقُومُ من الليلِ، فيقولُ: يَذَرُ شهوتَه وَيذكرني، ولو شاء رَقَدَ.

والذي إذا كان في سفرٍ، وكان معه ركب، فسهروا، ثم هَجَعُوا، فقام من السَّحَرِ في ضرَّاءَ وسرَّاءَ).

قال المنذري رحمه الله في “الترغيب والترهيب” (629): “رواه الطبراني في “الكبير” بإسناد حسن” انتهى.

والحديث حسنه الألباني وعزاه إلى الحاكم أيضا.

ثالثا:
قد جاء في إثبات الضحك أحاديث كثيرة، منها ما هو في الصحيحين.

منها ما روى البخاري (2826) ، ومسلم (1890) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلاَنِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ).

ومنها ما روى البخاري (806) ، ومسلم (182) في آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وفيه: (فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالمِيثَاقَ، أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ).

وفي رواية: ( فَيَقُولُ : وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لاَ أَكُونَنَّ أَشْقَى خَلْقِكَ فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ).

وصفة الضحك صفة ثابتة لله تعالى، الله أعلم بكيفيتها.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في “كتاب التوحيد” (2/ 563): “باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه، جل ثناؤه، لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا؛ إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي صلى الله عليه وسلم مصدقون بذلك، بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا، مما استأثر الله بعلمه” انتهى.

والله أعلم.

الرابط الأصلي

سجود السهو

سجود السهو
د. يوسف بن عبدالله الأحمد

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم، أما بعد.سجود

فهذا الموضوع يحتاجه الناس كثيراً ، ولا يكاد أن يمر علي يوم إلا ويأتيني فيه سؤال ، فأحببت بيان أحكامه وفق القول الراجح بدليله .
و قد ثبت في سجود السهو أحاديث كثيرة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، فلعل الأنسب أن أبدأ  بها ، ثم بذكر ما تدل عليه من فوائد .

1. عن عَبْدَاللَّهِ بن بُحَيْنَةَ رضي الله عنه : ” أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ ” متفق عليه .

2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : ” صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ ـ أي الظهر أو العصر ـ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا . قَالَ : فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ . فَقَالَ : أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ . فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ . فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ـ أي محمد بن سيرين ـ :ثُمَّ سَلَّمَ ؟ فَيَقُولُ : نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ ” متفق عليه.

3. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه : ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ ، وَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ . فَقَالَ : أَصَدَقَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ” أخرجه مسلم .

4. عن عَبْدُاللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قال : ” صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ ـ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا : صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا ، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ : إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي ، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ” متفق عليه .
وفي رواية لهما : ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ، فَقِيلَ لَهُ : أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : صَلَّيْتَ خَمْسًا . فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ ” . وفي رواية لمسلم بلفظ :” صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : لَا . قَالُوا : فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا . فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ “.

5. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ” أخرجه مسلم .

6. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ :سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ” أخرجه أحمد و أبوداود و الترمذي وقال : ” هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ “. وصححه النووي في المجموع (4/107) وصححه من المعاصرين الألباني ( صحيح سنن الترمذي ح399).

ومن فوائد هذه الأحاديث :

أولاً : أن سجود السهو واجب على من سها في صلاته بزيادة أو نقص أو شك ، في الأركان والواجبات. قال ابن تيمية بعد أن أورد الأدلة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره في السجود : ” وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة ، وليس مع من لم يوجبهما حجة تقارب ذلك “.(مجموع الفتاوى 23/28).

ثانياً : مشروعية التكبير لسجود السهو . قال ابن الملقن : ” يشرع التكبير لسجود السهو ، وهذا مجمع عليه”. (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام 3/294) .

ثالثاً : إذا تكرر السهو في الصلاة فإنه يكفيه بسجود السهو مرة واحدة . فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول ، والجلوس له ولم يكرر سجود السهو ، كما في حديث عبدالله بن بحينة . قال ابن دقيق معلقاً على هذا الحديث : ” فيه دليل على عدم تكرار السجود عند تكرار السهو ؛ لأنه قد ترك الجلوس الأول والتشهد معاً ، واكتفى لهما بسجدتين “. (إحكام الأحكام ص283)

رابعاً : إذا كان سجود السهو بعد السلام ، فيشرع له سلام آخر بعده . وهو الراجح من قولي العلماء لظاهر حديث أبي هريرة وعمران وابن مسعود رضي الله عنهم .

خامساً : من شك في صلاته فعليه أن يتحرى الصواب أولاً ، فإن ترجح له أحد الأمرين عمل به . وإن لم يترجح له شيء بنى على اليقين وهو الأقل ؛ ويدل عليه مجموع حديث عبدالله بن مسعود ، وحديث أبي سعيد ، وابن عوف رضي الله عنهم “.

سادساً : هل يكون سجود السهو قبل السلام أو بعده ؟ خلاف بين العلماء:

القول الأول: أن محل السجود كله قبل السلام . وهو قول الزهري ، و مكحول ، و الأوزاعي ، والليث بن سعد ، و مذهب الشافعية .

القول الثاني: أن محل السجود كله بعد السلام . وهو مذهب الحنفية ، وقول الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والثوري .

القول الثالث: أن الأصل في السجود أن يكون قبل السلام ،إلا ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد السلام فإنه يسجد بعده . وهو المشهور عن الإمام أحمد .

القول الرابع: أن الأصل في السجود أن يكون بعد السلام ، إلا في حالين فيكون المصلي مخيراً فيهما بالسجود قبل السلام أو بعده : إذا نسي الجلوس للتشهد الأول ، وإذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً . وهو قول ابن حزم .

القول الخامس: أن ما ثبت في السنة من السجود قبل السلام أو بعده فإنه يفعل كما ورد ، وما عدا ذلك فإن المصلي مخير بين السجود قبل السلام وبعده . وهذا قول الشوكاني .

القول السادس : أن المصلي مخير بين السجود قبل السلام وبعده مطلقاً . وهو قول بعض الشافعية ، واختيار الصنعاني .

القول السابع : إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام ، وإن كان عن زيادة سجد بعد السلام . وهو مذهب المالكية . وهذا القول جزء من القول الذي يليه .

القول الثامن: إذا كان السهو عن نقص سجد قبل السلام (1). وإذا كان عن زيادة سجد بعد السلام . وإذا كان عن شك فإنه يتحرى الصواب ؛ فإن غلب على ظنه شيء عمل به وسجد بعد السلام ، وإن لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين وهو الأقل ، وسجد قبل السلام . وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

وهذا أرجح الأقوال وأقربها إلى الصواب وبه تجتمع الأدلة ولا تتعارض . فالنبي صلى الله عليه وسلم سجد قبل السلام جبراً للنقص حين ترك التشهد الأول ؛ كما في حديث عبد الله بن بحينة. وسجد بعد السلام حين زاد في الصلاة ركعة خامسة كما في حديث عبدالله بن مسعود ، وسجد بعد السلام أيضاً حين زاد سلاماً بعد الثانية في صلاة الظهر كما في قصة ذي اليدين . وأمر بالسجود قبل للسلام عند الشك في عدد الركعات بعد البناء على اليقين كما في حديث أبي سعيد ، وحديث ابن عوف رضي الله عنه. وأمر بالسجود بعد السلام إذا شك ثم تحرى و عمل بما ترجح له بعد التحري . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث ، لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص “.(مجموع الفتاوى23/25).

مناقشة الأقوال الأخرى:

أما القول الأول فهو مخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود بعد السلام.

والقول الثاني مخالف أيضاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود قبل السلام.

والقول الثالث جعل الأصل في السجود قبل السلام ، وهذا يحتاج إلى دليل خاص.

والقول الرابع جعل الأصل في السجود بعد السلام ، و دليلهم حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم ” أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه. و في إسناده عندهم زهير بن سالم العنسي ، وهو ضعيف . قال عنه الدارقطني : ” منكر الحديث ” . وقال عبد الحق الأشبيلي عن هذا الحديث في الأحكام الوسطى (2/29): ” و ليس إسناده مما تقوم به حجة ” . وقال النووي في المجموع (4/155) : ” حديث ضعيف ظاهر الضعف “.

و على فرض صحته فإنه محمول على الأحوال التي يكون السجود فيها بعد السلام جمعاً بينه وبين الأحاديث الأخرى التي ثبت فيها السجود قبل السلام من فعل النبي صلى الله عليه وسلم و أمره.

و تتمة القول الرابع: أنه ذكر حالين يكون المصلي فيهما مخيراً بعد السلام. وكيف يكون مخيراً والنبي صلى الله عليه وسلم سجد قبل السلام في الحال الأولى، وأمر بالسجود قبل السلام في الحال الثانية، والصواب الاقتداء بفعله وامتثال أمره .
والقول الخامس شبيه بالقول الراجح إلا أنه جعل المصلي مخير بالسجود قبل السلام أو بعده في كل صورة لم يرد فيها دليل خاص . فمثلاً : النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثلاثاً وسلم ، ولما نُبه أتى بركعة وسجد بعد السلام كما في حديث عمران صلى الله عليه وسلم. فلو صلى الإمام ركعة في صلاة الفجر ثم سلم ناسياً ، ثم نُبه ، فهل يسجد بعد إتيانه بالركعة بعد السلام إلحاقاً بنظيرها في حديث عمران وقصة ذي اليدين . أو يكون مخيراً لأنها صورة جديدة ؟!. الأقرب أن يسجد بعد السلام ـ وهو الراجح كما سبق ـ لأن إلحاق النظير بنظيره أولى من إفراده بحكم آخر من غير دليل صريح عليه .

أما القول السادس وهو القول بالتخيير مطلقاً ، فضعيف أيضاً ، إذ كيف يكون المصلي مخيراً والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسجود قبل السلام في أحوال ، وأمر به بعد السجود في أحوال أخرى ؟. ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بالسجود ، أو أمر بالسجود قبل السلام وبعده في حال واحدة ، أو أنه فعل ذلك . قال شيخ الإسلام : ” ولم ينقل عنه في صورة واحدة أنه سجد تارة قبل السلام وتارة بعده ، ولو نقل ذلك لدل على جواز الأمرين ” ثم قال :” الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق ، فلا يجعل بعض السجود بعده ، وبعضه قبله ، إلا لفرق بينهما “. (مجموع الفتاوى 23/21ـ22).
أما القول السابع فهو جزء من القول الثامن .

سابعاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما في الأحاديث السابقة ـ تكلم بعد ما سلم وقبل أن يأتي بما بقي من صلاته وسجود السهو . وغيَّر مكانه ، وخرج من المسجد ، وأن الصحابة تكلموا ، و توشوشوا ، وخرج بعضهم من المسجد وهم يتكلمون قبل أن يتموا صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم . ثم أتم النبي صلى الله عليه وسلم ما أخل في صلاته ، ولم يجعل هذا الفصل بالكلام ، والخروج من المسجد ، و مضي قدر من الوقت مبطلاً للصلاة بل أتم عليه.

وقد اختلف العلماء في من سها في صلاته وسلم ناسياً ثم خرج من المسجد أو تكلم أو طال الفصل قبل أن يتم صلاته ويسجد للسهو ، هل يبدأ من جديد لطول الفصل ، أو يتم صلاته ويسجد للسهو ولو طال الفصل ؟ خلاف بين العلماء .

القول الأول : أن الضابط هو البقاء في المسجد فإذا خرج وجب عليه إعادة الصلاة .

وهذا القول لا دليل عليه ، ثم هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين خرجوا من المسجد .

القول الثاني : أن الضابط هو الكلام؛ فإذا تكلم في غير مصلحة الصلاة وجب عليه الإعادة .

وهذا القول لا دليل عليه أيضاً ، ثم إن الصحابة تشوشوا ، وخرج السَرَعان وهم يتكلمون، والنبي صلى الله عليه وسلم دخل بيته، كل ذلك قبل أن يسجدوا للسهو، ويبعد جداً أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته ويخرج الصحابة من المسجد بصمت تام دون مخاطبة الآخرين. ثم لو كان الكلام في غير مصلحة الصلاة قبل السجود مبطلاً لها لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ولسأل الصحابة الذين شوشوا وخرجوا من المسجد أن من تكلم في غير مصلحتها فعليه الإعادة. فلما لم يحصل شيء من ذلك كان مؤكداً لضعف هذا الضابط .

القول الثالث : أن الضابط هو طول الفصل ، فإذا طال الفصل وجب عليه الإعادة ، وطول الفصل ضابطه العرف .

وهذا القول أيضاً لا دليل عليه . لأن طول الفصل لم يرد اعتباره أصلاً في أحاديث سجود السهو . فكيف يضبط بالعرف ، وهو لم يرد ؟!.

والذي يظهر من الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر طول الفصل لمنع الإتمام على ما سبق من صلاته وسجود السهو، فدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيته ، وخروج السرعان من المسجد يأخذ وقتاً ليس بالقليل ، ولو كان طول الفصل معتبراً في منع البناء لبينه النبي صلى الله عليه وسلم .
القول الرابع : أنه يتم صلاته ويسجد للسهو ولو طال الفصل أو تكلم أو خرج من المسجد. وهذا أقرب الأقوال كما يظهر من مناقشة الأقوال السابقة. قال ابن تيمية: ” وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد وإن خرج من المسجد وتباعد ، وهو قول للشافعي وهذا هو الأظهر، فإن تحديد ذلك بالمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع، لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط، فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ولم يدل على ذلك دليل شرعي ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه، بل قد دخل هو صلى الله عليه وسلم إلى منزله وخرج السرعان من الناس كما تقدم”. ( مجموع الفتاوى 23/43). وقال أيضاً عن خروج السرعان من المسجد : ” لا ريب أنه أمرهم بما يعملون . فإما أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد، فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد، وقولهم قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. وإما أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة، وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير، والخروج من المسجد . وأما أن يقال : إنهم أمروا باستئناف الصلاة: فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل ، ولا ذنب لهم فيما فعلوا “. ( مجموع الفتاوى 23/40ـ41) .

ثامناً : هذا التفصيل في السجود قبل السلام وبعده هل هو على الوجوب أو على الاستحباب ؟
قال شيخ الإسلام رحمه الله : ” ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة إلى أن النزاع إنما هو في الاستحباب ، وأنه لو سجد للجميع قبل السلام ، أو بعده جاز .

والقول الثاني : أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله ، وما شرعه بعده لا يفعل إلا بعده . وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة وهو الصحيح .. فهذا أمر فيه بالسلام ثم بالسجود ، وذلك أمر فيه بالسجود قبل السلام ، وكلاهما أمر منه يقتضي الإيجاب .. .

ولكن من سجد قبل السلام مطلقاً ، أو بعده مطلقاً متأولاً فلا شيء عليه ، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له ، ولا إعادة عليه “. ( مجموع الفتاوى23/36ـ37) .

مسألة : من نسي التشهد الأول وذكره أثناء الصلاة ، فلا يخلوا من حالين :
الحال الأولى : أن يتذكر التشهد الأول بعد ما استتم قائماً في الركعة الثالثة . فهذا يتم صلاته ، ويسجد للسهو قبل السلام جبراً لنقص هذا الواجب .
الحال الثانية : أن يتذكره أثناء النهوض ، وقبل أن يستتم قائماً ؛ فالواجب عليه أن يرجع فيجلس للتشهد ، ولا يلزم في هذه الحالة سجود سهو .
والدليل على هذا التفصيل ما رواه قيس بن أبي حازم قال : ” صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فقام من الركعتين قائماً ، فقلنا سبحان الله ، فأومأ وقال : سبحان الله ، فمضى في صلاته ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس ، ثم قال : صلى بنا رسول الله فاستوى قائماً من جلوسه فمضى في صلاته ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس ثم قال : إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس ، فإن لم يستتم قائماً فليجلس ، وليس عليه سجدتان ، فإن استوى قائماً فليمض في صلاته وليسجد سجدتين وهو جالس ” أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/440) قال : ” حدثنا ابن مرزوق ( وهو إبراهيم بن مرزوق بن دينار الأموي ) قال : حدثنا أبو عامر ( وهو عبدالملك بن عمرو العقدي ) ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن المغيرة بن شبيل ، عن قيس بن أبي حازم به ” وهذا إسناد جيد . قال الألباني في الإرواء (2/110) : ” إسناده صحيح ، رجاله كلهم ثقات ”

مسألة : قال ابن المنذر : ” وأجمعوا على أن ليس على من سها خلف الإمام سجود . وانفرد مكحول وقال عليه ” . ( الإجماع لابن المنذر ص8 ) و انظر المغني (2/439).
ولم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا ينفردون بسجود السهو خلف إمامهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، والسهو في الصلاة لا يسلم منه البشر ، مع كثرة المصلين خلف النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ، واستمرار الصلاة خلفه أكثر من عشر سنوات فيبعد جداً أن لا يقع من أحدهم سهو وهو مؤتم . ولو سجدوا لنقل إلينا لتوافر دواعي النقل .

مسألة : إذا سجد المصلي للسهو بعد السلام ؛ فإنه يسلم بعد سجود السهو ، ولا يتشهد على الصحيح من قولي العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في سجود السهو من قوله وفعله وليس في شيء منها حديث صحيح أنه تشهد أو أمر به . قال النووي عن التشهد بعد سجود السهو : ” لم يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء” اهـ.

أما حديث عمران بن حصين رضي الله عنه : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد سجدتين ، ثم تشهد ، ثم سلم ” أخرجه أبو داود والترمذي . فإن قوله ” ثم تشهد ” زيادة شاذة تفرد بها أشعث بن عبدالملك عن محمد بن سيرين . وقد رواه جمع من الثقات عن ابن سيرين دون هذه الزيادة . وممن حكم بشذوذها البيهقي وابن عبدالبر وابن حجر ، ومن المعاصرين الألباني في الإرواء (2/128).

قال ابن حجر : ” وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ، ووَهَّموا رواية أشعث لمخالفته غيرَه من الثقات عن ابن سيرين ، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد ، وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضاً في هذه القصة : قلت لابن سيرين : فالتشهد ؟ قال : لم أسمع في التشهد شيئاً .اهـ فصارت بزيادة أشعث شاذة ، ولهذا قال ابن المنذر : لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت . لكن ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي ، وعن المغيرة عند البيهقي ، وفي إسنادهما ضعف . فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن .قال العلائي : وليس ذلك ببعيد ، وقد صح عن ابن مسعود من قوله . أخرجه ابن أبي شيبة ” (الفتح 2/79).

فالتشهد عند ابن المنذر و العلائي محتمل للتحسين ، لكنهما لم يجزما به . والأصل في العبادات هو المنع حتى يتبين ثبوت الدليل .

مسألة : قال ابن قدامة : ” ولا يشرع السجود للسهو في صلاة جنازة .. ولا في سجود تلاوة .. ولا في سجود سهو . نص عليه أحمد . وقال إسحاق : هو إجماع ” ( المغني 2/444).

وبهذا ينتهي الموضوع والحمد لله وصلى الله على رسول الله .

الصلاة

——————
(1)  والمراد بالنقص هنا ترك الواجب : كترك التشهد الأول ، والجلوس له ، وتكبيرات الانتقال ، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع ، وقول سبحان ربي الأعلى في السجود ، وقو ربي اغفر لي في الجلوس بين السجدتين . فمن ترك شيئاً من ذلك فإنه يجبر بسجود السهو قبل السلام