دروس من سُورَة المُطَفِّفِينَ – 1

بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم
الدرس : 1 – سورة المطففين

معنى التطفيف وعقابه

1984-10-26
فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي

الميزان

السورة التالية تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

قال بعض علماء التفسير: هذه السورة تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض، وقد جاءت بين السور المكية التي تتحدث عن الإيمان بالله عزَّ وجل، فلو دققت في موضوع هذه السورة لوجدته مغايراً لكل السور المكية التي جاءت قبلها والتي جاءت بعدها.

قال بعض علماء التفسير إن هذه السورة جاءت بهذا الشكل تأكيداً إلى أن التقصير في حقٍ صغيرٍ من حقوق البشر موجبٌ للهلاك، فكيف التقصير بأكبر حقٍ من حقوق الإله!! إذا طففت في الوزن أو في الكيل فهذا موجبٌ للهلاك يوم القيامة، فكيف إذا أنكرت الخالق؟ فحكمة مجيء هذه السورة في الجزء الأخير من كتاب الله حيث الحديث عن السماوات والأرض، والحديث عن اليوم الآخر، والحديث عن عظمة الله عزَّ وجل، وكلُّكم يعلم أن السور المكية ترسِّخ الإيمان بالله عزَّ وجل، فكيف جاءت هذه السورة وسط سور عديدة تتحدَّث عن الله عزَّ وجل بينما هذه السورة تتحدث عن علاقة جزئية جاريةٍ بين الناس، ألا وهي التطفيف؟

قال بعض علماء التفسير: إذا كان التقصير اليسير في حقّ إنسانٍ يوجب الهلاك، فكيف بالتقصير الكبير في حق الله عزَّ وجل؟ ما حقُّ الإنسان عليك؟ لا شيء، حقُّه أن تعطيه بضاعةً بهذه القيمة، فإذا قللت من نوع البضاعة، أو من وزنها، أو من كيلها، أو من حجمها فقد قصَّرت في حقِّه ولو كان هذا التقصير طفيفاً، أما حقُّ الله عليك وقد خلقك من نطفةٍ وسخَّر لك الشمس والقمر والنجوم فكيف تنكره؟! وكيف تجحد فضله؟ وكيف تعصي أمره؟ وكيف لا تنتظر حسابه؟ إنها مفارقة حادة، فإذا قصَّرت تقصيراً يسيراً في حق إنسان فهذا موجبٌ للهلاك، فكيف إذا قصَّرت في حق الله الذي خلقك ولم تكن شيئاً؟! هذا موجبٌ للشقاء الأبدي.

معنى التطفيف :
ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

المطففون جمع مُطَفِّف، والمطفف اسم فاعل من طفَفَ، وطفف ثنائي مضعَّف مثل زلزل، قلقل، عسعس، طفف.. فطفف بمعنى قَلَّل، والشيء الطفيف الشيء القليل.
أي لو أن الإنسان وزن وزنة ولم تتوازن العين بالعين فهذا مطفف، ومِنَ الذي يُذهِب العدالة أو يجرحها تطفيفٌ بتمرة، فإذا كنت قد بعت كيلو غراماً من التمر وكان الوزن أقل من الوزن الصحيح بتمرة واحدة فهذا مما يجرح العدالة، فالتطفيف له أمثلة كثيرة ولا سيّما في عصرنا.

فأنا بقدر الإمكان قد جمعت بعض الأمثلة التي نعانيها، والتي وصلت إلى علمي، والمخفي أعظم، بعض الأمثلة التي نعاينها، هذه سورة من كتاب الله:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

تعالج الأمثلة التي نعاني منها، وزيادة، مثلاً كم من الأبنية التي انهارت بسبب وضع المتعهّد إسمنتاً أقل من الكمية التي فرضها المهندس؟ فالمتر المكعب من الخرسانة المسلحة يلزمه وضع سبعة أكياس من الإسمنت، فقام هو بوضع خمسة فقط، وبعد فترة من الزمن انهار البناء، فإذا مات ثلاثون أو أربعون شخصاً، وكان ثمنُ كل بيت مليوناً فأصبح لا شيء، هذا الشيء الكبير مَن المسؤول عنه؟ وبرقبة مَنْ؟ برقبة المطفف، فالتطفيف قد يكون بالإسمنت، وهناك تطفيفٌ بالحديد كذلك، وهناك تطفيف بفترة صلاحية الإسمنت، فيكون قد مضى على انتهاء صلاحيته فترة زمنية طويلة فأصبح بلا مفعولٍ، ويبيعه بالسعر نفسه للإسمنت الجيد، فلدينا تطفيف عدد وتطفيف نوع، هذا النوع ليس بهذا السعر فهذا تطفيف بالأسعار، أحياناً الذين يشترون من الفلاَّحين بعض الحاجات، يشتريها أحدهم بوضعٍ ويبيعها بوضعٍ آخر، فقد ذكر لي شخص أن الجوز يشترى بالمنخل فيُنْخَل مع البائع أوقيتان فيضعهما عنده، ويحاسب الفلاح على الصافي، ويبيع الجزء الذي وضعه عنده لبائعي الحلويات، فهذا تطفيف، ويقول لك: هذا عرف ومصلحة، وهكذا الترتيب.

تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية :
كل عملية تنقيص وزن، أو تنقيص كيل، أو تنقيص نوع، وكل عملية غش، وكل عملية عدم إتقان، فقد وجدتُ أن تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً يقوم مصلِّح السيارات بتوفير جزء من الوقت، فيسرع في إصلاح السيارة، فيسبب كارثة لأصحاب هذه السيارة، فلا يضبط عمله قبل أن يسلِّم هذه السيارة لأصحابها، فيسبب حادثاً كبيراً يموت فيه خمسة أشخاص مثلاً، فهو مطفف لا يحاسب على هذا التقصير، ولكن يحاسب على موت هؤلاء الخمسة بسبب التقصير:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

فبتقديره أنّه وفَّر الوقت ويتسامر مع ضيف يتسامر عنده، وقال لصانعه: ركب وشدَّ البراغي على الإطارات، وجاء صاحب السيارة فقال له: السيارة جاهزة فخذها، هذا مطفف، وأحياناً يوفِّر جهده فهو كذلك مطفف.

أحياناً الطبيب يعطي المريض إبرة من الماء المقطَّر، فيأخذ من المريض أجرته خمسة وعشرين، وثمن الإبرة خمس عشرة ليرة، فقبض أربعين ليرة من جرائها، ولكن الماء المقطَّر ثمن الإبرة منه عشر قروش، أو ربع ليرة، وقد أوقع المريض تحت الوهم، ويظن نفسه قد انتعش بهذه الإبرة وشعر بنشاط وهي إبرة من الماء المقطَّر ولا قيمة لها، فهذا تطفيف وهو أحد أنواع السرقة. أحياناً أحد المحامين يعلم جازماً أن هذه الدعوى خاسرة، لأن كل القوانين والاجتهادات وآراء محكمة النقض ضد هذه القضية، ومع ذلك يقبل تسلُّم الدعوى، على نيَّة أن يتقاضى أجراً إلى أن يُفضَح الأمر، فتطول الفترة إلى خمس أو ست سنوات، ويكون قد ابتزَّ موكله ابتزازاً فاحشاً وحراماً، وهذا المحامي داخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً طبيب يأتيه مريضٌ، فلم يفهم مرضه ولم يستطع تشخيصه، وله زميلٌ مختصٌ بهذا المرض، فيعطي المريض مسكِّنات على أن يراجعه بعد أسبوع مثلاً، فهذا التصرف كلَّه ابتزاز، وهذا الطبيب داخل في مفهوم هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وكان عليه أن يرشده إلى زميله الطبيب المختص ليعالجه.

التقليل من التطفيف :
من التطفيف التقليل إذا قلَّلت حقَّ هذا الإنسان شيئاً يسيراً فأنت مطفف، فإذا قلَّلت الكمَّ، أو قللت النوع، أو قللت العدد، أو غششت، أو لم تتقن، فعدم الإتقان والغشّ والتقليل والإساءة من التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وأحياناً الطبيب يكلِّف المريض بإجراء ثمانية تحاليل مثلاً، والمريض بحاجة إلى تحليل واحد، ويكون هذا الطبيب متفقاً مع محلل اتفاقاً شفوياً أن المطلوب من التحاليل هو المكتوب في أول القائمة وما تبقى من الثمانية غير مطلوب، وهذا الفرق نتقاسمه بيننا مناصفة، ويقول لك: الحياة شطارة، من قال لك إنَّها شطارة؟ هذه سرقة، فهذا المريض بحاجة إلى تحليل نسبة الكوليسترول فقط، فيكتب له الطبيب ثمانية تحاليل، ويزكي له محللاً لثقته به، وينصحه بالذهاب إلى مختبره. هذا المحلل حلّل أول مادة، وألقى الباقي في الحاوية، وطلب منه مئة وعشرين ليره سورية، في حين أن التحليل كلّفه عشر ليرات، والمئة مناصفة، فيعدَّ هذا الطبيب نفسه ذكياً، وهو يصلي أيضاً:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أمثلة أخرى من حياتنا اليومية عن التطفيف :
يشتري صافياً، ويبيع قائماً، فأحياناً تكون للعبوة وزن كبير وهذا تطفيف أيضاً، أنت ماذا اشتريت؟ اشتريت صافياً، وكيف بعت؟ بعتَ قائماً، أحياناً يوزن شيء ثمين بورق سميك، أصبح سعر كيلو الورق بمئة وخمسين ليرة، فهذا تطفيف كذلك، لأنه باع الورق بسعر البضاعة المباعة.
أحياناً تكون أشياء توزن بالمثاقيل، والمروحة تشتغل، فهذه المروحة يتوجه هواؤها إلى كفة البضاعة فترجح:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أحياناً يقول لك: صلِّح لنا هذه القطعة من الذهب، فتقص من طرفين وتلحم، هذا الوزن الذي نقص من القطعة ثمنه يساوي خمسين ليرة مثلاً، فهذا داخل في التطفيف، ويقول: هذا عرف، من قال بهذا؟ إذا كلفك أحد الناس بتصليح قطعة ذهبية، فمن الممكن أنْ تقص قطعة من هنا وقطعة من هناك وتلحمها، وهذا الفرق قد يكون حلقة في سلسلة يبلغ سعرها خمسين ليرة أو خمسة وعشرين، إن الله قال: تطفيف، ولم يقل تكفير، حتى لو كان ثمنها ليرة واحدة.

بعض المصلِّحين يفتح خزان الوقود بالسيارة، ويأخذ منه صفيحتين لغسل المحرك، فيضع صفيحة من البنزين في سيارته، ويغسل المحرك بالصفيحة الأخرى، وثمن صفيحة البنزين أربعمئة ليرة، فهذا داخل في اسم:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

بائع الأقمشة عندما يشتري القماش يشتريه مرخياً، تجد القماش منحنياً على المتر، وإذا أراد بيعه يظل يشده حتى آخر مدى له، وهذا داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

فأنت اشتريت القماش مشدود فبعه مشدوداً، وإذا اشتريته مرخياً فبعه مرخياً، وفي الشراء يُتساهل، فإذا زاد مقدارٌ فلا يدخل الزيادة في الحساب، ويقول لك: طول الثوب ثمانية وعشرون متراً فقط، وعندما يبيع الثوب نفسه يبيعه بطول ثمانية وعشرين متراً وأربعين سنتيمتراً، فهذا أيضاً داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

معظم مصالح العباد داخلة في هذه الآية :
أحياناً يكون هناك تعهد لتقديم طعام مثلاً لأُناس فقراء، أو تقديم هدايا للذين يلتهمون الطعام، وتقدَّم نصف الكمية، بالتعهد يكون المقدار مئتا غرام من اللحم بالصرة مثلاً، ويقدم مئة غرام من اللحم فقط بدل المئتين، ويكون هذا التعهد لمئتي شخص أو لخمسمئة، فيكون الفرق كبيراً، هذا في قوت العباد، واسمه كذلك تطفيف، فأنت قد أخذت ثمن الصرة خمس ليرات أو عشر ليرات مقابل مئتي غرام من اللحم، أو مئة غرام، وليس خمسين غراماً، ويقول لمَن يعترض: من استلم مني رضي بذلك، لكن الله لا يرضى عن ذلك، فدخل في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أكثر المطاعم إن طلبت أوقية من اللحم يعطيك مئة وخمسين غراماً فقط، لماذا؟ ونصف هذه الكمية المقدمة دهناً، وهذا الدهن يُمزج بالرئة الحمراء لتصبغ الدهن باللون الأحمر، فالرئة توضع مع الدهن، ويصبح كل لون اللحم أحمر، ويضع مئة وخمسين غراماً، ويقول لك: ثمن الأوقية أربعون ليرة، أو نحوها، فهؤلاء أصحاب المطاعم دخلوا في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وحتى يربح صانع الطحينة ليرة واحدة زيادة عن السعر يضع فيها إسبيداج ويقول لك: هذه طحينة بيضاء أغلى بليرة ونصف، فهذا السبيداج يدخل في صناعة الدهانات، والطحينة طعام المسلمين، يدخل إلى المعدة، ويسبب أمراضاً خبيثة، ولا يُهضم، ويذهب إلى الكلية فيتعبها ويسبب لها التهاباً، ولكنه باع الكيلو غرام منها بإحدى عشرة ليرة ونصف، والسعر التمويني عشر ليرات، ولكن الأجود أغلى قليلاً، فوضع مادة الإسبيداج وباع بإحدى عشرة ليرة ونصف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

الآية التالية تشمل كل مصالحنا :
كأن هذه الآية تشمل كل مصالحنا، فمعظم مصالح العباد الآن داخلة في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

ولقد قال لي أحد الأشخاص: إنَّهم يضعون في الزعتر نشارة الخشب، فالحليب إذا غُش بالماء فالماء لا يؤذي، أما النشارة فتؤذي وكذلك الإسبيداج يؤذي، وكذلك يضع أصحاب معامل السكاكر أصبغة البلاط في السكاكر بدلاً من الأصبغة الصحية، فهم كذلك دخلوا في الآية الكريمة:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

وأصحاب محلات قطع الغيار يبيعونك قطعة مقلدة على أنها أصلية، فالغش تطفيف، وتقليل الكمية تطفيف، وهبوط النوعية تطفيف، وعدم إتقان الخدمة تطفيف.
وضع لك لتثبيت لوح زجاج مسمارين فقط، واللوح طويل فكسر لوح البلور من طرفه، وثمنه ثمانون ليرة، ولتثبيته يحتاج لأربعة مسامير تثبّت بشكل محكم، فإذا كان كذلك لم ينكسر البلور، وهذا داخل في التطفيف.
فالخلاصة هي أن ربنا عزَّ وجل يعلم أن هذا الموضوع حسّاس وله سورة بكاملها.

ترك المكافأةِ من التطفيف :
يخلط الزيت النباتي مع البلدي، هذا غش وتطفيف، ويخلط السمن الحيواني الرديء المستورد مع السمن البلدي، وهذا أيضاً تطفيف، ويوضع زيت الكاز مع البنزين فيسبب المتاعب للسائقين، وهذا أيضاً تطفيف، وهذا موضوع آخر، وقد جاء في المثل العربي: ترك المكافأة من التطفيف، فلو أردت أن أذكر شواهد أخرى على التطفيف في حياتنا اليومية لانتهى الدرس كله ولن ننتهي من ذكر الشواهد، إذاً إنْ لم يكن هناك خوفٌ من الله عزَّ وجلَّ فهذا الأمر جد خطير، قال الله سبحانه لموسى: يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني.
فهذا الذي لا يخاف الله عزَّ وجلَّ يفعل كلَّ شيء، أي مهما كان الذنب خطيراً يفعله، هذا التطفيف الذي تحدثت عنه من تقليل كمية، أو من تخفيض نوعية، أو عدم إتقان، أو إهمال، أو توفير وقت أو جهد أو غش، هذا كله داخلٌ في التطفيف وخطره كبير.

هناك شيءٌ: ترك المكافأةِ من التطفيف، إذا خدمك إنسان خدمةً، وأنت لم تكافئه فهذا من التطفيف، كلَّفت إنساناً بعمل، وقدمه لك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، له مصلحة، وله أولاد، وله وقت وجهد، وهو أحب أن يكرمك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، فأنت عليك أن تكافئه بهدية، ترك المكافأةِ من التطفيف.

((مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)).

[النسائي عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

متى لك الحق أن تقول للذي أسدى إليك معروفاً: جزاك الله خيراً؟ في حالة واحدة؛ إن لم تجد ما تكافئه به فادع له، فترك المكافأةِ من التطفيف.

إذا تركت المكافأة ولم ترد على الإحسان بإحسانٍ مثله، فإن أعارك أحدٌ شيئاً فأرجعه له متقناً، وهناك أشخاصٌ يزيدون، استعار كتاباً يجلده ولو بغلاف من النايلون، ولو بغلاف لونه أزرق، وأرجعه إليه مجلداً، إنّ هذا شجعك على العمل الصالح، أمّا هذا الذي يمنع الخير فهو الذي يُسيء لصانعي الخير، فإذا أسأت لصانع الخير فقد منعت الخير، وترك المكافأةِ من التطفيف.

التطفيف المعنويّ أيضاً يدخل في الآية :
هناك تطفيفٌ معنويٌّ أيضاً يدخل في الآية، الابن أحضر لزوجته غسالة، فالأم أقامت النكير عليه، لماذا؟ تقول له: إنها لا تستحق، هي صبية، وهي تستطيع أنْ تشتغل، فلا تعوِّدها الكسلَ، أما إذا الصهر أحضر لابنتها غسالة فإنها تقول: الله يرضى على فلان! الله يرضى عليه! أكرم بنتنا!! لماذا هذه التفرقة في المعاملة؟ أكثر شيء يقع في المرأة أنها تدلِّل ابنتها، فإذا نامت متأخرة فلا مانع، ولا شيء عليها، أما إذا كان عندها كِنَّة في البيت، وكان رأسُها يتألم، ونامت باكراً فالويل لها، تقول لزوجها: هذه كسلانة، وإنها تتمارض، ولا تشكو من شيء، إنها مثل القردة، لماذا هذا الكلام؟!

إذا كان عندك صانع تعامله معاملة قاسية، أما ابنك فتخاف عليه من الهواء لماذا؟ وهذا أيضاً تطفيف، تنقصه حقه، ترك المكافأةِ من التطفيف.

هناك تطفيف ماديّ وتطفيفٌ معنويّ، وهناك تطفيف غش، وتطفيف عدم إتقان، وهناك تطفيف تنقيص وزن، وهناك تطفيف تنقيص كيل، وهناك تخفيض المستوى النوعي، هذا كله مِن التطفيف، الله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أما كلمة “ويل ” فقد فسرها المفسرون بأنها الهلاك، الهلاك للمطففين، فإذا طففت بحق إنسان قليلاً فالويل لك، فكيف إذا تركت حق الله كله؟ لا تنسوا أن هذه السورة وردت في سياق السورٍ المكية، كلها تتحدث عن حق الله عزَّ وجلَّ، فإذا قصرت في حق البشرِ قليلاً فالويل لك، فَكَيفَ إذا تركتَ أو أنكرتَ أو جحدْتَ حق الله كلَّهُ؟!!
إذاً كلمة “ويل” أي الهلاك، ومرةً فسرتها لكم كما لو أن سائقاً يهبط بسيارته في طريق منحدر شديد جداً، على اليمين وادٍ سحيق وعلى اليسار وادٍ سحيق، وينتهي الطريق بمنعطف خطر، وشعر أن المكبح قد تعطل ولا زال منطلقاً، قد يضرب نفسه ويقول: انتهينا ومتنا. كلمة “ويل” أي تحقق الهلاك، وليس عنده شك ولا بنسبة واحد في المليون أنه انتهى، وقد رأى الوادي الأول والثاني، والسرعة مذهلة، والمنعطف خطير، وليس معه مكبح، فأصبح عنده يقينٌ قطعيٌّ، ولا مجال للشك إطلاقاً مِن أنه انتهى، أرأيتم الناس الذين في هذه الحالات، ومن دون وعي يستخدم أحدهم الفعل الماضي، فإنه يقولُ لك: هلكنا، قل سنهلك! لا، بل يقول لك: هلكنا، وقُضِي علينا، وبشكل لا شُعوري، هذه الفطرة، لقد أيقن بالهلاك.

كلمة (ويل) دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين وهذا الدعاء قرارٌ قطعي :

قال بعض المفسرين: كلمة “ويل” دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين، وقال بعضهم: دعاء الله قرار، إما أنهم هلكوا، وإما أن الله قضى عليهم بالهلاَك، ودعاء الله عزَّ وجلَّ غير دعاءِ البشر، فدعاءُ البشر يُستجاب وربما لا يستجاب، لكن دعاء اللهِ قرارٌ قطعي..

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أي أن المطففين خسروا وهلكوا، وانتهى أمرهم، وكلٌ منا لا يزالُ حياً، وما دام الإنسانُ حياً فباب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )). [الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الرابط الأصلي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: