كثرة الفتن علامة على قرب الساعة

كثرة الفتن علامة على قرب الساعة؛

فلماذا يحاسب الله أصحابها إذا كان الله قد أراد أن يكونوا علامة لها؟


السؤال :

سؤالي حول علامات يوم القيامة الصغرى ، فهناك العديد من العلامات ، مثل : العنف ، وسفك الدماء ، وشيوع الفوضى ، وانتشار المعازف ، وهذا يعني أن الله يريد أن تحدث كل هذه العلامات حتى تقوم الساعة ، مما يعني أنّ البشر لا يد لهم في ذلك ، وقد أعطى الله للبشر حرية الاختيار في أفعالهم ، فتخيل لو أن البشر جميعًا أسلموا ، فمعنى ذلك أن هذه العلامات لن تقع ، وبالتالي لن تأتي الساعة ، وما أحاول أن أوضحه هنا هو : أنّ الله لا بد له أن يخلق بعض الأشرار من الناس حتى تقع هذه العلامات ، فلماذا سيحاسبهم الله تعالى إن كان الهدف من خلقهم وقوع هذه العلامات؟


الجواب :
الحمد لله
أولا: هذه الشبهات والوساوس في مسائل القدر؛ على المسلم أن يحتمي منها بقاعدة عامة قررها الوحي؛ وهي أن الله لا يظلم أحدا ، ولا يظلم شيئا ولو مثقال ذرة.

قال الله تعالى: ( وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء /39 – 40.

وقال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يونس /44.
وقال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فصلت /46.

ولهذا على المسلم أن يصرف ذهنه عن هذه المسائل ، فالله تعالى قد تولاها بعدله وفضله؛ كما أن العقل وحده لا يستطيع أن يدرك تفاصيلها؛ لأنها من علم الغيب .

ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من غير تنقيب في تفاصيل ذلك.

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
” ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها . لا يقال : لم؟ ولا : كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها.

ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك ، وأحكم له ، فعليه الإيمان به ، والتسليم له ، مثل حديث : ( .. الصادق والمصدوق ) ، وما كان مثله في (القدَر) .

ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع ، واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءا واحدا ، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.

لا يخاصم أحدا ، ولا يناظره ، ولا يتعلم الجدل، فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن : مكروه منهي عنه ، ولا يكون صاحبه -إن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدل ، ويسلم ويؤمن بالآثار ” انتهى من “أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” (ص 157).

والعلاج لمثل هذه الشبهات:

أن يتعوذ المسلم من الشيطان الرجيم ويكف فكره عن هذه الشبهات.
عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) رواه البخاري (3276) ، ومسلم (134).

لأن اشتغال العقل بأمور الغيب من غير هدى من الوحي هو مضيعة للوقت ولا توصل إلى حق؛ بل تقعد الإنسان وتشغله عما هو أهم من أمور دينه ودنياه؛ وهذا خلاف ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ) رواه مسلم (2664).


ثانيا: يجب التنبه إلى أن علامات الساعة المتعلقة بتصرفات الناس : لا تخرج عن الحكمة العامة التي من أجلها خلق الله البشر ، وهي : الاختبار والابتلاء.
قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات /55 – 56.

وقال الله تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك /1-2.

فمن سيعاقبه الله من أصحاب فتن آخر الزمان من القتلة وغيرهم؛ إنما يعاقبه الله على أنه لم يحسن العمل ، بعد أن بلغه شرع الله تعالى، وآثر مخالفته طوعا ، واتباعا لهواه .

وليس حاسبهم على أنهم كانوا علامة للساعة؛ لأن هذا الوصف في ذاته ليس سببا للعقاب؛ بدليل أن من علامات الساعة ما هو محمود ، كبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكنزول عيسى عليه السلام وقتله للدجال، وكالفتوحات التي تمكّن للمسلمين في آخر الزمان.

ثم كون ظهور هذه المنكرات من علامات الساعة هو حجة على أصحابها ، وليس عذرا لهم يتمسكون به؛ لأن من علم من أصحاب الفتن هذه أن ما يباشره من محرمات علامة على الساعة، كان هذا أدعى له لأن يقلع ويتوب.

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى:

” قال العلماء رحمهم الله تعالى: والحكمة في تقديم الأشراط ، ودلالة الناس عليها : تنبيه الناس من رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم ، بالتوبة والإنابة ، كي لا يباغَتوا بالحول بينهم وبين تدارك الفوارط منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم ” انتهى من “التذكرة” (3 / 1217).


ثالثًا : ارتباط علامات الساعة بقضية القضاء والقدر : هو جزء من ذلك الركن الركين من أركان الإيمان الذي هو الإيمان بالقضاء والقدر ، وليس الأمر خاصا بعلامات الساعة ، بل كل ما يقع في الدنيا وما سيقع فيها ، إنما يقع لأن الله تعالى قدَّر وقوعه ، ولولا ذلك لم يقع .

ومع هذا ، فكل أحد يشعر في نفسه بالاختيار الكامل في أفعاله ، كالطاعة والمعصية ، والسعي والكسل ، وسائر ما يأتي الناس في معاشهم ؛ فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ ، (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) يس/12 .

ومع ذلك فالإنسان له الحرية الكاملة في الاختيار وسيحاسبه الله على ذلك الاختيار .

فكذلك علامات الساعة ، من علاماتها : انتشار الفواحش وظهورها ، ولكن هذا ليس عذرا لأحد أن يرتكب الفواحش .

فهو حين ارتكبها ارتكبها بكامل إرادته واختياره ، وعلى هذا سيتم الحساب .


وأساس الأمر : أن الإنسان مكلف بطاعة الله تعالى واجتناب معصيته ، أما القدر فنؤمن به ، ولا نجعله عذرا لنا أو لغيرنا في ارتكاب ما حرم الله تعالى .

فالذي يرتكب المعصية ويحتج بالقدر ، يقال له :
هل أنت حين ارتكبت المعصية ، فعلتها باختيارك أم كنت مجبرا عليها ؟
فلاشك أنه سيقول : فعلتها باختياري . وهذا أمر يعلمه كل إنسان من نفسه ، لا ينبغي أن يكون محل إنكار أو نقاش.
فيقال : وعلى هذا الاختيار سوف تحاسب ، ولم يجبرك أحد على فعل الفساد .


قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
“ومن الأدلة على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال لمن احتج بالقدر: إن أمامه الآن طريقين، طريق خير، وطريق شر، وهو قبل أن يدخل طريق الشر، هل يعلم أن الله قدر له أن يدخل طريق الشر؟

لا يعلم بلا شك، وإذا كان لا يعلم فلماذا لا يُقَدِّر أن الله قدر له طريق الخير؟! لأن الإنسان لا يعلم ما قدره الله إلا بعد أن يقع؛ لأن القضاء كما قال بعض العلماء: ” سر مكتوم “، لا يعلم إلا بعد أن يقع ونشاهده .

فنقول للعاصي: أنت أقدمت على المعصية، وحين إقدامك لا تعلم أن الله قدرها لك، فإذا كنت لا تعلم ، فلماذا لا تقدر أن الله قدر لك الخير فتلج باب الخير؟!

وأيضاً : أن نقول له: أنت في شؤون دنياك تختار الخير أم الشر؟

فسيقول: الخير، فنقول له: لماذا لا تختار في شؤون الآخرة ما هو خير؟!

ومثل ذلك: إذا قلنا له: أنت الآن ستسافر إلى المدينة قال: نعم.

فقلنا له: هناك طريقان طريق اليسار غير مسفلت، وفيه قطاع طريق، وأخطار عظيمة، وأما الطريق الأيمن فهو مسفلت وآمن فمن أين ستسافر؟ بالتأكيد أنه سيقول: من الأيمن .

فنقول له: لماذا في أمور الدنيا تذهب إلى الأيمن الذي فيه الخير والنجاة؟! لماذا لا تذهب مع الطريق الأيسر، الذي فيه قطاع الطريق وغير معبد وتقول: هذا مقدر علي؟!

فسيقول: أنا لا أعلم المقدر ، ولكن بنفسي أختار الطيب.

فنقول: لماذا لا تختار في طريق الآخرة ما هو طيب؟!” انتهى من رسالة “أركان الإيمان” .


نسأل الله تعالى أن ينجينا وإياكم وجميع المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والله أعلم.


موقع الإسلام سؤال وجواب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: