الغراب الباحث

 الغراب الباحث
٢٧ مايو ٢٠١٦
عبدالرحمن علي البنفلاح

عبدالرحمن بن على البنفلاح

عبدالرحمن البنفلاح

أول جريمة قتل حدثت في التاريخ، هي قتل قابيل لأخيه هابيل، ولا يعنينا هنا السبب أو الدافع وراء هذه الجريمة التي ليس لها مثيل إذ هي الأولى من نوعها، ودشن بها قابيل عالم الجريمة، وسن سنة سيئة في قطع الأرحام، وتمزيق شمل الأسرة، وهي وإن لم تكن أسرة كبيرة على اعتبار أنها الأسرة الأولى على وجه الأرض، وهي بداية العمران البشري، المهم لقد استنّ قابيل سنة سيئة سوف يكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين،

وقال العلماء: إن كل جريمة قتل حدثت وتحدث بعد ذلك على ابن آدم الأول كِفل منها، وهذا مصداق قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} النحل/25.

وكما أن لرواد الخير نصيبًا من أجور من سار على منهاجهم، وترسم سبيلهم، فكذلك لرواد الشر الذين جعلوا من أنفسهم أسوة سلوكية سيئة لمن جاء بعدهم.

وقصة ابني آدم، وما دار بينهما، والحالة التي كانا عليها، فقابيل كان يخوض صراعًا مريرًا بين نفسه اللوامة ونفسه الأمارة بالسوء، أما هابيل، فهو مطمئن النفس، مرتاح الضمير، رأى فيما يجري له على يد أخيه بلاءً قابله بالصبر والاحتساب، ولقد صور القرآن الكريم هذه المشاعر السلبية والإيجابية أبلغ تصوير، وذلك في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27) لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين(30)} المائدة.

إذن، فقابيل قتل أخاه هابيل في أمر ليس لهابيل يد فيه، فكلاهما تقربا إلى الله تعالى بقربان، والله تعالى تقبل القربان الذي كان خالصًا له سبحانه، وكان ذلك قربان هابيل، وذلك لأن هابيل كان من المتقين، وهذا يعني ضمنًا أن قابيل لم يكن من المتقين، وأنه لم يبلغ هذه الدرجة التي بلغها هابيل.

لقد بلغ قابيل حدًا في الشر دفعه إلى التفكير في الخلاص من أخيه بالقتل، وبدأ يخطط ويرسم لتنفيذ أول جريمة في التاريخ، وبين من؟!! بين أخوين شقيقين، ولم يشعر قابيل ساعة تنفيذ الجريمة بأي مشاعر تجاه أخيه، بل مضى في التخلص من أخيه، وإزاحته من طريقه.

في هذين الانموذجين قدم الحق تبارك وتعالى مثالين على الشر والخير، المثال الأول: هو الطائع المخبت التقي الذي يلهج لسانه بذكر الله تعالى، ولا يفكر إلا في الخير، وإذا نزل به بلاء من ربه سبحانه صبر واحتسب، والمثال الثاني:

هو العاصي الذي بلغ في عصيانه حدًّا دفعه إلى سفك دم أخيه، وتقطيع أواصر الأخوة بينه وبين أخيه، وكأن البشرية سوف تراوح بين هذين المثالين، مثال الخير ومثال الشر، ولكن بقي سؤال مهمّ وهو: ماذا يصنع قابيل بسوءة أخيه، وكيف الخلاص منها؟!

لقد حمل جثة أخيه على ظهره، وأخذ يجوب الصحراء حائرًا ماذا يصنع بها، وشعر بالندم على فعلته، ولم يرد أن يتركها طعامًا للسباع، فبعث الله تعالى له غرابًا يهديه إلى الحل، ولم يكن ذلك من أجل قابيل، فهو لا يستحق ذلك، ولكنه تكريم لهابيل الصابر المحتسب، قال تعالى: {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} المائدة/31.

لقد استوقفتني كلمة «يبحث» في قوله تعالى: {يبحث في الأرض}، وقلت أليس من المناسب والغراب إنما كان يريد دفن الغراب الميت الذي كان يحمله أن تأتي كلمة «يحفر» بدل كلمة «يبحث»، وأخذت أتتبع كلمة «يبحث» ورأيت أنه لما كانت الأرض لا تصلح جميعها للدفن، وإنما هناك أرض تصلح للدفن وأخرى لا تصلح للدفن، فكان الغراب يبحث عن الأرض المناسبة للدفن، من هنا كانت كلمة «يبحث» أنسب للدلالة على ذلك من كلمة «يحفر»، ولما هداه الله تعالى إلى الأرض المناسبة بدأ يحفر، ثم دفن جثة الطائر!

إن هذا الغراب بعثه الله تعالى لمهمة أراد إبلاغها لأبناء آدم، وفي هذا درس بليغ ألا يستنكف الإنسان من أن يأخذ الدرس والموعظة ممن هم دونه في الخلق أم في المكانة.
إنه حقًّا ليس غرابًا عاديًا، بل هو غراب باحث، هداه الله تعالى لاختيار الأرض الصالحة للدفن ليعلم أبناء آدم هذا الدرس البليغ.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: