أنوار من السماء

 أنوار من السماء
٧ يونيو ٢٠١٦
عبدالرحمن علي البنفلاح

عبدالرحمن بن على البنفلاح
عبدالرحمن البنفلاح

اعتاد المسلمون على استقبال شهر رمضان المبارك بالأقوال من دون الأفعال أو الأحوال, فصاروا يدبجون الخطب والأحاديث, ويقوم الكتاب بكتابة المقالات والخواطر عن فضل شهر رمضان على باقي شهور السنة, ويتحدثون عما جرى فيه من أحداث عظام أعظمها على الإطلاق نزول القرآن فيه, في ليلة يتيه الزمان بها على ليالي الزمان كله, وهذا الأسلوب ليكفي لنَفِي لرمضان حقه علينا بعد أن كشف لنا قدراتنا وإمكانياتنا في عمل الطاعات والانتهاء عن المعاصي.

في رمضان نحن لا نكتفي بالامتناع عن المحرمات فهذا هو ديننا في غير رمضان, أما في رمضان فالأمر يتجاوز المحرمات إلى الحلال من الطعام والشراب والعلاقات الزوجية الحميمة.
وإذا كان الامتناع عن المحرمات في رمضان وغير رمضان له ما يبرره فلماذا يمتنع المسلمون الصائمون عن الحلال في نهار رمضان, إنه تجاوز للمألوف إلى غير المألوف, فمن المألوف أن يمتنع المسلم عن المحرمات ويتجنب المعاصي لأنّ الله تعالى أمره بذلك ونهاه عن كل فعل أو قول لا يرضى الله تعالى عنه, أما غير المألوف والذي يحتاج إلى بيان فهو أن يمتنع المسلم في رمضان عن الحلال من الأطعمة والأشربة والعلاقات الزوجية التي أباحها الله تعالى له في غير رمضان, والسر في ذلك أن يكون دافع المسلم في الامتناع عن الحلال في رمضان هو حب التقرب إلى الله تعالى, وطاعة لمولاه سبحانه, واتباعا لأمره ونهيه من دون أن يكون السبب وراء ذلك هو حصول المضرة او الضرر من تناول هذه الأمور التي منعه الله تعالى عن إتيانها في وقت محدود يمتد بين المغرب والفجر.
إذاً فرمضان ليس شهرا عاديا, هو كذلك في عدد أيامه, وساعاته, ودقائقه, وثوانيه, لكنه ليس كباقي الشهور في أحداثه وعطائه.
هو شهر تنزل فيه أنوار السماء إلى الأرض, فأضاءت الوجود كله, وكان ذلك في ليلة من ليالي العمر ليس لجيل الأمة الأول الذي شرف بوجود رسول الله (صلى الله عليه وسلم), وليس لجيل القرون الأولى وهي خير القرون في حساب الزمان والمكان والإنسان, انها ليلة العمر للأمة الإسلامية جميعها, بل هي ليلة العمر بالنسبة الى البشرية جمعاء, من آمن بالقرآن ومن لم يؤمن به, فهو الحق من الله تعالى رضي من رضي وأبى من أبى فلن يزيد القرآن شرفا ومكانة رضاء الراضين ولن ينقص من مكانته وشرفه رفض الرافضين له.

في ليلة, هي سيدة الليالي على الإطلاق, بدأت أنوار الوحي المعظم والمقدس تتنزل من السماء على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان هذا القلب العظيم الرحيم أهلا لهذا الشرف العظيم من قيوم السموات والأرض.

وقبل أن تلامس أنوار الوحي الأرض ملأت قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنوار الرسالة العصماء فامتلأ هذا القلب العظيم بالرحمة والشفقة والرأفة للإنسان على عمومه, وشغلت هذه الأنوار القدسية قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المهموم بأمر البشرية التائهة, وضلالاتها العمياء فكان يدعو ربه في الغار الذي كان يتحنث فيه الليالي ذات العدد يسأل ربه سبحانه سبيل النجاة لهذه البشرية التي كانت تتخبط في دياجير الظلام وضلالات الشرك. في رمضان, وفي ليلة مباركة التقت السماء بالأرض فكان ذلك إيذانا بتنزل الرحمات وشيوع البركات على الإنسان الذي شغلته الدنيا بزخارفها, وأهمته الملذات بسعارها, فبدأت أبواب السماء تتفتح لترسل أشعتها النورانية إلى هذا الإنسان التائه, وكان كل ذلك في شهر رمضان المبارك الذي وفّر لنا فرصا للعودة والإنابة والتوبة بعد الزلة, فهل نستفيد من هذه الفرص أم تضيع من بين أيدينا كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟!!.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: