إنه شهر المغفرة

 إنه شهر المغفرة
٩ يونيو ٢٠١٦
عبدالرحمن علي البنفلاح

عبدالرحمن بن على البنفلاح

عبدالرحمن البنفلاح

من المغفرة ألا يكلفنا الله تعالى ما لا نطيق، ومن المغفرة أن يلتمس لنا العذر حين لا نقدر على ما كلفنا به إذا كان فوق طاقتنا، ومن المغفرة أن يتوب علينا حين نضطر إلى فعل ما نهانا عنه دفعا لخطر أعظم. يقول تعالى: «قل لا أجد في ما أُوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أُهلَّ لغير الله به فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإنّ ربك غفور رحيم» (الأنعام/145).

لقد جمعت الآية في ختامها المغفرة والرحمة، ومن الرحمة ألا يضطرك الله تعالى إلى المخالفة إلى ما أمرك به أو نهاك

عنه، ومن المغفرة أن يرفع الحرج عنك حين تكون بين خيارين الهلاك المحتم وأكل شيء من الحرام أنت مضطر إليه من دون مبالغة أو عدوان، وهذا ما قررته الآية الجليلة حين عددت المحرمات من الأطعمة ثم رفعت الحرج عمن يتناول شيئا منها اضطرارا وليس اختيارا، فجمع الله تعالى في ختام الآية بين رحمته ومغفرته -جل جلاله- وقد تكون المغفرة والقول المعروف أفضل في ميزان العبد من صدقة يتبعها أذى، قال سبحانه: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يبتعها أذى والله غني حليم» (البقرة/263).

wallpapers-for-ramadan-40.jpg

رمضان بدايته رحمة، وأوسطه مغفرة، وقلنا إن المغفرة عن أمر نهاك الشارع الحكيم عنه، ثم اضطرتك أحوالك إلى مخالفته، فيرفع الحرج عنك، ثم يغفر لك، هذه المخالفة المأذونة منه سبحانه وكأن الصائم في بداية رمضان لم ينهكه الصوم بعد، ولم يتعرض إلى حالات الاضطرار المسموح فيها بالمخالفة، أو يتناول شيئا مباحا في غير رمضان، لكنه حرم فيه، فإذا هو وسط الشهر اشتد به التعب، وبلغ به الجهد مبلغا عظيما، وقد يضطر بسبب المرض أو السفر أو أعذار أخرى يحددها الطبيب المسلم، ويرى فيها ما يوجب الإفطار، إما ليتناول دواء أكثر من مرة في اليوم، وهذا قد يصادف ساعات الصيام، وإما أن يكون في مواصلة الصيام زيادة للمرض، واستعجال له، فجاءت المغفرة التي يحتاج إليها من خالف أمرا من أمور الإسلام قد أمر به أو نهي عنه واضطر إليه، فكان موقع المغفرة في أيام الشهر هو الوسط.

وتتجلى المغفرة كعطاء من الله تعالى لعبصاده الصائمين حين يأكل الصائم أو يشرب ناسيا، فإنّ الشريعة ترفع الحرج، ويقال له: صومك لك، وإنما أطعمك الله تعالى وسقاك، فكان الطعام والشراب الذي تناوله الصائم ناسيا مكافأة له من مولاه سبحانه على حسن التزامه، وتمام طاعته لله تعالى، وهذا من بركات رمضان.

وتفضل الشريعة للمسافر أن يفطر أثناء السفر حتى وإن كان السفر مريحا؛ لأنّ الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه. عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» ابن حبان في صحيحه.

وذلك لأنّ الله تعالى يحب أن يتجلى يسر الإسلام وسماحته ورفقه بعباده، وأن يعرف غير المسلمين أن الشريعة الإسلامية ليست نصوصا جامدة، وليست سيفا مسلطا على رقاب العباد، بل هي رحمة ومغفرة ، وهذا ما يجب على المسلم إظهاره للناس، وألا يرد خيرا ساقه الله تعالى إليه، فالغاية ليست الصيام أو الصلاة أو الزكاة أو الحج، بل الغاية تحقق الطاعة وإظهار المسلم ولاءه لخالقه سبحانه، فقد يكون ذلك في صورة ركعات يركعها، أو أيام يمتنع فيها عن المباحات طاعة لمولاه سبحانه، أو قدرا من المال يدفعه إلى الفقراء والمساكين، فيغالب الشح والبخل في نفسه، إنها تجليات الطاعة في شكل أفعال عبادية، يتقرب بها العبد إلى مولاه سبحانه ليظهر الولاء والطاعة والخضوع له جل جلاله.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: