آداب الباحث عن الحق

آداب الباحث عن الحق
محمد بن سرّار اليامي @Abn_srar
http://saaid.net/Doat/alyami/80.htm

 الحمدلله وحده والصلاةوالسلام على من لانبي بعده .. أمابعد

فإن لطالب الحق والباحث عنه المنقب في الزواياوالخباياعنه له آداباومنهجا ، أجمل فيما يلي مختصر كلام أهل العلم في أهمها، ومن أهمها ما يأتي:

أولا: قبول قول المخالف إذا كان الحق في جانبه: فمن أهم آداب طلاب العلم: (الإنصاف بالإقرار بصواب المخالف).

وذلك باعتماد قوله بغض النظر عن شخصه أو فكره في غير المسالة محل النظر، (فلا يرد الحق لمجرد أن قائله مبطل، فالعبرة بالقول لا بالقائل)، يقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: ” الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها وتؤخذ عنه فينتفع بها وأن الشخص قد يعلم الشيء ولا يعمل به وأن الكافر قد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ولا يكون بذلك مؤمنا وبأن الكذاب قد يصدق” .

ولنا في منهج الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- تطبيقا عمليا لهذا المنهج، حيث يقول في بيان منهجه في التفسير: ” ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل ، من غير تعصب لمذهب معين ولا لقول قائل ، معين لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله ، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلاّ كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا ، ألا ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلاما حقا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعا من تصديقها في الحق الذي قالته” .

ومن الفضل في هذا الباب أن نلتزم ذلك ولو ساء خلق المخالف، فمن قواعد الإنصاف أنه ( لا ينكر صواب المخالف ولو ساء طبعه).
ولا يقتصر الأمر في الإنصاف على قبول قول المخالف عند ثبوت صدقه، بل على طالب العلم أن يلتزم العدل في المراتب الأقل، وذلك (بالإقرار بقرب المخالف من الحق أو البعد عنه)، يقول ابن سعدي -رحمه الله-: ” إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها منه” .

وليعلم طالب الحق أن (الإقرار بفضل المخالف لا ينقص قدر المقر به) ، وليكن له في قول محمد ابن الحسن -رحمه الله- مثالا، فعن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس – قلت: على الانصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن – صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم – يعنى مالكا. قلت فمن أعلم بالسُّنة – صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتقدمين – صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الاصول فعلى أي شيء يقيس؟! .

وانتهاج هذا المنهج اللطيف الشريف ربما يحمل المخالف إذا أخطأ من وجه دون وجه أن يعود إلى الحق، لأن (بيان فضل المخالف يخفف من وطأة تخطئته)، وقد كان من فضل الذهبي -رحمه الله- في هذا الباب أنه ترجم لأحد الوضاعين فقال فيه: “وهو أحد الكذابين الوضاعين، مع كونه كان محدثا، إماما في السنة والرد على المبتدعة” .

فالتزام ما سبق بيانه مفتاح لعلاج ما (يغلب على الأتباع من غمط مخالفيهم)؛ فحالهم كما يقول ابن عبد البر: ” وكلهم يتجاوز الحد في الذم، وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير” .

ثانيا: (قبول الحق من أي كان): فمن العدل عند طلب الحق: (قبول الحق من الحبيب والبغيض)، يقول ابن القيم -رحمه الله-: ” فعلى المسلم أن يتبع هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو وحبيب وبغيض وبر وفاجر، ويرد الباطل على من قاله كائنا من كان” .

وكذلك: (قبول الحق حتى من غير المسلم)، يقول ابن تيمية -رحمه الله-: ” فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني -رافضي- قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق” .

وكذلك: (قبول الحق ولو من المنافق، ورد الباطل ولو من الحكيم): وفي هذا يقول معاذ ابن جبل -رضي الله عنه-:
“اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه،ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا” .

وهذا الذي أوردناه يتطلب من الباحث عن الحق الطالب له دربة طويلة على لزوم العدل،والإنصاف،والتحري حتى تحصل له ملكة تجريد الأقوال عن الأشخاص فلا يمتدح من يحبه بعمل شنع به على من يبغضه، وهذا مما يشنع منه لأن (قبول الحق يقتضي عدم الكيل بمكيالين).

ثالثا: ومن آداب طالب الحق : تمني وصول المخالف إليه: فعلى طالب الحق (إنصاف المخالف حتى لو كان بتمني وصوله للصواب)، وهذا من الآداب التي يجب عليه تحصيلها فيكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينا لا خصما ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق .

وليعلم طالب الحق أن (تمني الصواب للمخالف من علامات التعقل والإخلاص والصدق)، ومن ثم فلا يليق به (لا الفرح بالذلة ولا التصيد للأخطاء)، وإنما الذي يليق به هو التزام ما نصح به الشيخُ بكر أبو زيد احيث قال: ” التزم الإنصاف الأدبي بأن لا تجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه… وأما البحث عن هفواته وتصيدها؛ فذنوب مضافة” ، وليكف الباحث عن الحق في هذا الباب الاقتداء بما كان من (مسارعة السلف لاتباع الحق ولو نطق به الخصم) ، قال العز بن عبد السلام -رحمه الله- متعجبا من تعصب أهل زمانه: ” وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل عن الشافعي – رحمه الله – أنه قال: ما ناظرت أحدا إلا قلت: اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعه” .

رابعا: من آداب الحث عن الحق: (قابلية الرجوع إلى الحق إذا ظهر على يد المخالف)، فـ (استعداد الرجوع إلى الصواب دليل الإخلاص للحق)، وقد ضُرب بأصحاب أبي حنيفة المثل في الرجوع عن الحق؛ حتى إن أبا يوسف -رحمه الله- لما أرشده الإمام مالك -رحمه الله- إلى وجه الحق في مسألة رجع عن رأيه وقال: ” لو رأى صاحبي – يعني أبا حنيفة- مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت” مما يدل على أن الرجوع للحق من أشرف أخلاق العلماء.

فليكن شعار طلاب الحق : (إذا اتضح الحق رجعنا وإن خفي لم ننازع المخالف)، يقول ابن تيمية -رحمه الله- في هذا المعنى: ” الحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا؛ كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما” .

وليعلم طلاب العلم أنه (لا حرج على المعذور)، فالمجتهد إذا اجتهد في مسألة ثم تبين الحق في خلافها “لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه ولكن إذا عرف الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذي بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق وذلك هو الشرع المنزل من عند الله وهو الكتاب والسنة وهو دين الله ورسوله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله لا يجاهدون على قول عالم ولا شيخ ولا متأول” .

وليتذكر طالب الحق أنه (لا عذر لمن عرف الحق في أن يدعه)، وقد (كان الصحابة يرجعون إلى الصواب)، فقد احتج ابن عباس على علي رضي الله عن الجميع فيما رآه من حرق المرتدين بعد قتلهم، بحديث ” من بدل دينه فاضربوا عنقه” فبلغ علي ذلك فأعجبه. ، ورحم الله الإمام المجدد: محمد بن عبد الوهاب التميمي الذي جعل من ” الرجوع إلى الحق خير من التمادي للباطل”شعارا له..هذه مجمل آداب في قبول الحق والرجوع إليه والبحث عنه،كتبتها لنفسي ولمن طلبها مني في غير ما مجلس..وفق الله الجميع لصلاح النيةوالعمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينامحمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا..

حرره : محمد بن سرار اليامي
عضوهيئةالتدريس بكليةالشريعة بجامعة نجران
١٤٣٧/٧/١٢من الهجرة
0554794790
@Abn_srar

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: