المجرم الأثيم التائب لربه الغفور الرحيم

المجرم الأثيم التائب لربه الغفور الرحيم (1)رب اغفر لي

أقلعت الباخرة “كوثر” مراسيها، وأطلقت من صفارتها البخارية تحية الوداع؛ وقد حفل المرفأ بالجموع الزاخرة جاءوا من أطراف القطر يودعون إخوانهم الذين تحملهم “كوثر” إلى ضيافة الله عند بيته المحرم وأخذ ركاب كوثر يلوحون لإخوانهم بالمرفأ بأيديهم ومناديلهم، ويجيبهم الآخرون بمثل ذلك ، وعزفت الموسيقا تحية الوداع، ومخرت كوثر تشق عباب البحر؛ وأخذت أنا أتخلل أولئك الواقفين عليها؛ وأتفرس وجوههم، فإذا بها يعلوها الفرح والسرور، بما أنعم الله عليهم من هذه الرحلة السعيدة على باخرة جمعت كل أسباب الرفاهية والراحة، ميممين شطر الكعبة مهوى أفئدتهم، يتعلقون بأستارها، راجين من الله أن يجبر كسرهم؛ ويغفر ذنبهم، ويبيض صحفهم، ويجيزهم جائزة الضيافة: رضواناً منه وجنات تجري من تحتها الأنهار.

رأيت منهم من فاضت من عينه دمعة سرور، أو دمعة ذكرى لأهل وولد، لم تلبث أن قلصت بها العين، ثم عادت تشع بالفرح؛ وتنم عن سعادة دونها كل سعادة وأخذ هذا الجمع الحاشد يتفرق في نواحي الباخرة تاركا مكانه الذي كان يرقب منه من على المرفأ لغيابهم عن نظره؛ إذ بعدت الباخرة وسارت في اليم شوطا بعيداً.

وبقي رجل لم يبرح مكانه، ولم يتحول عن موضعه الذي وقف فيه من ساعة، ونظرت إلى هذا الرجل أتبين شأنه فإذا به قد وخط الشيب عارضيه. مما دل على أنه تجاوز الأربعين قد لبس عمامة نظيفة متقنة اللف، وتزيا بزي أهل العلم.

تأملت الرجل عن كثب فإذا بعينيه تائهتان في الأفق البعيد بنظرة ساهمة، وقد هطلت منهما دموع غزار، ولا تزالان تجودان بهذا الدمع السخين، وقد اصطبغ وجهه بشحوب تعلوه كدرة، صورت لي ما في نفسه من حزن عميق.

وقفت بجانبه – وقد طالت وقفته – حتى تأكدت أنه في شبه غيبوبة لا يدري معها بشيء مما حوله، فرثيت للرجل؛ وأخذتني عليه شفقة كاد قلبي يتفطر معها من أجله، وأخذت أهوّن عليه بقولي: إن السفر في هذا البحر جميل، وعلى مثل هذه الباخرة أجمل، وإن منظر البحر والباخرة تمخر فيه متعة للنفس وسلوة من كل هم؛ وإنك ذاهب إلى البقاع المقدسة تتمتع فيها بالطواف حول الكعبة، والصلاة في المسجد الحرام؛ وإنك عما قريب ستعود بسلامة الله إلى أهلك وولدك الذي تركتهم في حفظ الله ورعايته، وهو نعم الخليفة في الأهل والمال والولد.

لم يحرك شيء من كلماتي نفس هذا الرجل الحزين، ولم يحوّل نظرته الساهمة الطويلة عن الأفق البعيد، ولم ينبس ببنت شفة، ولم يزد على أن تأوه آهة تخيلت أنها صدعت كبده؛ وحطمت قلبه.

خليت الرجل ونفسه: وانتحيت منه مكاناً غير بعيد أرقب ماذا يصنع، وأفكر في أمره العجب، من يكون؟ وما همه؟ وأي جحيم في قلبه أرسل منه تلك الآهة الحارة؟ وأي فجيعة حلت بهذا المسكين؟

جالت بنفسي كل هذه الأسئلة وعقدت العزم وصممت على أن أعرف خبيئة هذا الرجل وأبذل كل ما أملك للترفيه عن نفسه وإنقاذه مما هو فيه.

أخذت ألاحظ الرجل في كل حركاته، وأتابعه أينما ذهب، فإذا به يحرص دائماً أن ينتحي مكاناً قصياً عن الناس، فيبحث كل جوانب الباخرة وكل بقعة فيها فلا يجد طلبته لكثرة من بـ”كوثر” من ركاب، حتى إذا أعياه التعب في البحث، جاء في زاوية وجلس منكمشًا مطرقا ساكتاً، سابحاً في بحار أفكاره العميقة.

وعرفت من طول ملاحقتي له ومتابعتي إياه أنه معروف لموظفي المركب ولكثير من ركابها، وأنهم يحيونه تحية الإجلال والاحترام؛ وبعضهم يستوقفه ليسأله عن بعض أحكام الدين، فيجيبه الرجل متململاً، ويختصر له الجواب اختصار من يريد أن يفر من عدو يلاحقه، ويقول له آخر: لماذا لا تعظ الناس كعادتك كل عام؟ وعهدنا بك تملا القلوب والأسماع بوعظك. فيجيبهم في ضجر وتبرم أيضًا: إن في الباخرة واعظًا هو خير مني وأفقه وأفصح ثم لا يلبث أن يفر من بين أيديهم مسرعًا.

زادني كل ذلك حيرة في شأن الرجل، وحرصاً على استكناه حقيقة أمره: رجل معروف بالعلم، والوعظ، ومعروف أنه يعظ كل عام!! إذاً فهو يحج كل عام، فليست هذه أول مرة يفارق فيها أهله حتى يكون همه وحزنه لتلك الفرقة؛ وإذاً فهو متعود السفر فليس حزنه من السفر، فلا بد أن يكون هناك شيء وراء ذلك.

حاولت جاهداً أن أخلو بهذا الحزين فلم تمكني كثرة الزحام، وخفت أن تنقضي الرحلة؛ ويتفرق الناس في جدة فيفوتني الرجل، وتفوتني أمنيتي في معرفة ما انطوت عليه نفسه، فصممت على أن أرقبه في الليل؛ عله يخرج لبعض شأنه وقد نام الناس، فأجد خلوة أتحدث إليه فيها بما لعله يجعله يبثني بعض شكواه.

جلست من غرفته غير بعيد، فإذا به بعد أن هدأ الناس؛ ونامت العيون، خرج من غرفته وتوجه إلى مكان مظلم؛ واستند على حافة المركب، وأرسل نظراته الساهمة في الأفق البعيد؛ وأخذ يتأوه ويتوجع بأشد ما يتصوره متصور؛ وأخذ يبكي بصوت مكبوت خافت؛ ويتمتم بكلمات مقطعة؛ حملتني نفسي على أن أدنو منه بحيث أراه وأسمعه، ولا يراني ولا يسمعني حتى لا أقطع عليه مناجاته لعل أن يكون فيها بعض السلوى لنفسه.

فسمعته يقول: يا رب أنا المجرم الأثيم، يا رب أنا الخائن الغادر، يا رب أنا المخادع الماكر، يا رب أنا الخبيث القذر، يا رب أنا الدنيء الذميم، ولكنك أنت يا رب واسع المغفرة، وقابل التوب؛ أنت الذي تقول ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53] جئتك يا رب منيباً إليك فاراً إلى عفوك ورحمتك، هارباً من شديد عقابك، فهل ستقبلني.. أم تردني خائباً؟ فهل ستغفر لي أم تطردني مذموما مدحوراً؟ فإن طردتني فأنا لذلك أهل بما كسبت يداي، وإن رحمتني وقبلت توبتي فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة وأنت أرحم الراحمين أخذ يناجي ربه بتلك المناجاة، ويبكي أشد البكاء وأحره؛ وقد هدأ وسكن كل شيء حتى لا تسمع إلا صوت آلات الباخرة، وصوت هذا المسكين الحزين.

تركته كذلك حتى مضى ساعة وأكثر، وهو لا يتعب من طول القيام، ولا يحس ببرودة الجو؛ ولا يهدأ له نفس، ولا ينقطع له بكاء، حتى كاد أن يغشى عليه فيما أرى وأعتقد، وخفت على الرجل أن يزداد به الأمر فيتهالك حتى يسقط فيذهب في اليم، أو يصيبه بعض الأذى في جسمه، وأخذتني عليه شفقة بلغت مني كل مبلغ، وذهبت في كل ذرة من لحمي ودمي حتى شاركته آلامه وأحزانه، وإن كنت لا أعلم سبب ذلك.

فرغ الرجل من مناجاته لربه وأخذ يتأوه، آهات تمزق النفس، وتشقق الفؤاد، ثم عاد أدراجه إلى غرفته، فقمت أمامه واعترضته في طريقه، وقلت: لقد عجبت من أمرك أشد العجب، وأخذتني بك غاية الرحمة والشفقة، فهل لك أن تفضي إلي ببعض أمرك لعلي أواسيك أو أسليك أو أتوجع لك بمثل ما تتوجع فيهون عليك أمرك، فإني أخشى أن يقتلك ذلك الحزن؟.

فقال: إليك عني يا أخي، فو الله إني لأجد في أحزاني وآلامي هذه بعض السلوى وأسأل الله أن يزيد في تلك الأحزان والآلام حتى تطفئ سراج حياتي، وتعجل رحيلي عن هذه الدار، فلقد تنكر لي كل شيء فيها. فما أجد لذة في طعام ولا شراب ولا أهل ولا ولد. وإني لأمشي وما أشعر أين ولا إلى أي قصد أمشي، وأتكلم ولا أحس لماذا أتكلم. ولقد أصبح شقاء الحياة عندي نعيما ونكد العيش راحة. لأني أعتقد أنه من عذاب الله وانتقامه العادل مني في هذه الحياة على ما جنيت من إثم وما أتيت من جرم دونه كل جرم.

فقلت له: وما هو ذلك الجرم؟

فقال: ذلك ما لا يعلمه – ولن يعلمه – إلا الله وحده. وسأكتمه في نفسي يحز فيها بشديد الآلام. ويهد منها ركنا بعد ركن حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.

قلت: يا أخي هون عليك فإنك قادم على رب كريم يفرح بتوبة عبده إذا أخلص وعمل صالح. ولقد سمعت منك الليلة وشهدت ما أعتقد أن الله قد قبل توبتك وغفر خطيئتك؛ فلا تتعاظم على رحمة الله ذنباً فإنه تعالى يقول ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110] ولعلك قرأت من كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم ما تعلم به سعة باب التوبة.

فقال: أيها الرجل لا تغرر ربي فأنا أعرف بنفسي الخبيثة منك، فطالما تابت ثم نقضت، وطالما عاهدت ثم نكثت؛ فقبحاً لتلك النفس المجرمة، وبعداً لها من نفس خسيسة، لا تقدر معروفا ولا تشكر على إحسان، ثم تأوه وانفجر بالبكاء الأليم.

فسألته عن اسمه ومن أي البلاد؟ فقال: اسمي المجرم الأثيم؛ وبلدي دار الذلة والصغار وإن رحمة الله قريبة من المحسنين، وإنما يكتبها للمتقين وأنا من المجرمين؛ وإن كنت أرجو أن ينالني فضله فيجعلني من المحسنين.

فما وسعني إلا أن أدعو الله أن يلطف به وأن يشمله بعفوه العميم، ويغمره برحمته الواسعة، وأن ينفحه بنسمة من روحه في ساعة إجابة ورضا وقبول، وعاهدته على أن أدعو له متعلقًا بأستار الكعبة، وفي ساعة عرفة؛ وفي كل موطن عند المشاعر المحرمة، وأن يدعو لي هو كذلك بهذه النفس الحزينة المعترفة بذنبها، المنيبة إلى ربها.

فما رأيت أصدق من هذا المسكين؛ ولا أخلص منه في ركب كوثر الوافدين إلى بيت الله الحرام.

مجلة الهدي النبوي ، السنة الأولى ، العدد التاسع ، ذو الحجة سنة 1356 هـ

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/66921/#ixzz3ivUyDYMK

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: