لقد عقَّنِي والدي

 لقد عقَّنِي والدي
عادل هندي * – مكتب القاهرة
adelabdo1984@hotmail.com

وبعد:
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(سورة التحريم:6)..

لقد سمعنا ونسمع كثيرًا عن عقوق الأبناء للآباء وقليلاً ما نسمع عن عقوق الآباء لأبنائه؛ وذلك لانشغالنا بالواجبات ونسيانا للحقوق، فلو أنّا أدَّينا الواجبات أُدِّيَت إلينا الحقوق .. فكيف ذلك؟!!!

إنّ على كل أب وأمٍّ- قبل أن يشكو عقوق ولده له- أن يراجع نفسه هل يمارس العقوق تجاه ولده أم لا؟!! فكله سلف ودَيْن!!

وقد قال(صلى الله عليه وسلم): “رحم الله والدًا أعان ولده على بره” والحديث في مصنف ابن أبي شيبة، وقد ضعَّفه البعض، والمعنى صحيح وله شواهد.. وهذا يعني أنه: إذا أراد الأب أن يرى من ولده بِرًّا به وطاعة له، فليكن هو بارًّا بولده أولاً… ولا يعني كلامنا أننا نصرِّح للأبناء بالعقوق.

ومقالتي هذه رسالة من الأبناء إلى الآباء: يتساءل كل ابن: يا أبتِ لِمَ عققتني؟!! وغرضنا تصويب الأخطاء وتعديل السلوكيات؛ حرصًا على مجتمع نظيف طاهر متعاطف متعاون وعامل وجادّ.

أولاً: لقد عقَّني والدي حين أساء اختيار أمي
إنّ من أهم ما يبرّ به الأب ولده أن يختار له أمًّا صالحة؛ لأنها أكثر من تؤثر في ولدها، الذي يعيش معها فترة طويلة في البيت… وأهمية الاختيار نابعة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم”. رواه ابن ماجه من حديث عائشة. فأول طريق البرّ بالأبناء– أيها الآباء-أن تختاروا الزوجات الصالحات وذوات الدين، وتخيروا لنطفكم فإن العرق دساس.

ثانيا: لقد عقَّني والدي حين أساء تربية أمّي
إنه كما قلنا بأن العرق دساس، فإن الخُلُق –كذلك- دسَّاس، ويعتقد بعض الأزواج أن تربيته لا تكون إلا لولده، والأصل أن تربية الولد تبدأ من تربية النفس والذات ثم تربية الزوجة. ولتعلم أن ولدك الجنين في بطن أمه سيخرج –إن شاء الله بارًّا بك وبأمه إذا أحسنت تربيتها وأعددتها إعدادًا صالحًا.

ومن الطريف أن كثيرًا من علماء الصحة النفسية وعلماء التربية يؤكدون أن المرأة الصالحة كلما كانت طائعة وصالحة كانت أكثر استقرارًا، وكلما سمعت قرآنًا وهى في حملها خرج المولود هادئ الطبع، وطَيِّب النفس، فلتُعِدّ– أيها الأب- زوجتك إعدادًا صالحًا؛ لاستقبال ولدك.

ثالثًا: أبي العزيز: لقد عققتني حين أسأت اختيار اسمي هذا…
إنّ من أخطر نماذج عقوق الآباء لأبنائهم تسمية أبنائهم بأسماء خبيثة ولها معانٍ قبيحة، أو تسميتهم بأسماء المغنيين والمشاهير بالفسق، ولذا: فإن اختيار اسم الولد مهمّ أن يكون اسمًا حَسَنًا؛ لأنه سيُنادى به بين الناس في الدنيا وينادى به يوم القيامة:

ولقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ابنه فأحضر عمر الولد و أنّبه على عقوقه لأبيه و نسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد : يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه ؟ قال : بلى ، قال : فما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال عمر : أن ينتقي أمه و يحسن اسمه و يعلّمه الكتاب أي “القرآن ” . قال الولد : يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس… و قد سمّاني جُعْلاً أي ” خنفساء ” و لم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً . فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الرجل وقال له : جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، و أسأت إليه قبل أن يسيء إليك… (فمن العقوق إذا سوء اختيار الأم –الزوجة- وإساءة اختيار اسم الولد).

رابعا: لقد عقَّني والدي حين: أهمل تربيتي واهتم بما يسميه (لقمة العيش) وعقني  حين أبعدني عن الدين:
كما أن الله تعالى أمر الأبناء بالبر بآبائهم، فقد أمر المولى عز وجل الآباء بحسن صلتهم بأنبائهم بإعانتهم بالتربية على طاعة ربهم ومولاهم الخالق القدير: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }(سورة طه: 132)، ولقد وضح المبدأ سابقًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(سورة التحريم:6).. فكما أنك أيها الأب تخاف على أهلك وولدك من برد الشتاء وحرِّ الصيف فلا بدّ أن تخاف من نار جهنم، فتحيط ولدك بالرعاية والكفالة والتربية والاهتمام ومتابعته مع ربه … وهذا يتطلب منك أن تكون أنت مع ربك طيبًا ومتميزًا بطاعته سبحانه!!!

إنَّ حُسْن التربية وتعليم الضروريات من أمور الدين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع” رواه أبو داود.

وإن انشغال كثير من الآباء –في هذه الأيام العصيبة-عن أبنائهم يُعَدّ عقوقًا بأولادهم؛ وأتساءل إذا كان غرضه لقمة العيش فمن يأكلها والولد ضائع تائه وبعيد عن ربه.

خامسا: لقد عقَّني والدي حين أعانني على الفساد وأبعدني عن الدين والصالحين:
نرى كثيرًا من الآباء المحترمين: لو التزم أبناؤهم وساروا مع أصحاب لهم صالحين ومتمسكين بالدين وشعائره يزداد خوفه على ولده، لدرجة أن يحارب ولده بالبعد عن الصالحين، وقد رأيت ذلك بعيني –هدى الله الجميع- .

ومن أخطر ما يحدث أيضًا أنك تجد الأب أو الأم يعاون ولده على المعصية وهو لا يدري، وأقصّ لك قصة عجيبة كل العجب: هذه فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها أرسلت لي رسالة تقول فيها:

“أنا فتاة في 24من العمر لم أتزوج بعدُ ولم يتقدم أحد لخطبتي أبدًا، و هذه الأيام توبخني أمي وتطلب مني أن أدخل إلى الشات وأن أتعرف على رجال إذا أردت أن أتزوج وإلا فسأبقى هكذا وأنا لا أحب أن أفعل ذلك مخافة أن أشرك بالله فماذا أفعل أرجوك؟” ….. لا تعليق!!!

فإذا كـــان ربُ البيتِ بالدفِ ضاربًا فشيمـةُ أهلِ البيتِ كلهم الرقصُ

ومن صور إعانة الأبناء على الفساد: توفير وسائل الإعلام المدمرة في البيت وخارجه للأبناء، وأكثر ما يغيظني ويشعرني بالعجز والرغبة في النصيحة والدعوة داخل البيوت والتحذير على المنبر من مثل هذا الذي يستفزني: هذا أب يجلس مع أبنائه أمام التلفاز والقنوات الفضائية ومعه أولاده ما بين ذكور وإناث، ويجلس معهم ليشاهد هذا الفيلم الخبيث ومناظره معروفة من الفواحش التي ترتكب والفسق الذي يُفْعَل… أيها الأب إنه فيلم خليع وكله مجون وفسق أين غيرتك؟!! أين أنت؟!! فلنتق الله ولنخش الله…

سادسًا: لقد عقَّني والدي حين أساء فهم لماذا ينجب؟!! وأساء أكثر حين اشمأز بأن وُلِدت له أنثى:
كثيرًا من الآباء ينظرون إلى إنجاب الأبناء على أنه: (عِزْوَة وسند) ويكثرون من الإنجاب –أحيانا- بهذه النية، والتي تُعد عقوقًا فوق أن نِيَّتَه بهذه الصورة جاءت على غير هدي الصالحين؛ لأنه لم يستحضر نية صالحة عند الإنجاب، وقد أخطأ الرجل أكثر حين اشمئز من أن جاء مولوده أنثى، كعادة أهل الجاهلية.. والأوْلَى أن يكون هناك فهم أكثر من ذلك …  فأصل الزواج كله قائم على ما ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: (إني لأكره نفسي على إتيان المرأة، رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده وتعبده). فما أجمل أن نكون باريين بأبنائنا بهذه النية الصالحة.

سابعًا: من أخطر ما يعقني به أبي (الدعاء على الأبناء)
إنّ كثيرًا من الآباء -وخاصة الأمهات- يعتقدون أن أنجح وسائل التشفي في أبنائهم إذا أغاظوهم أو أرهقوهم أن يدعوا عليهم، وذلك شيء خطير، فبدلاً من أن تسمع: (يسَّر الله حالك يا بني – فتح الله لك الأبواب المغلقة- فرَّج الله همَّك –حبَّب الله فيك خلقَه … من هذا القبيل) ولكن : لا : بل تُفاجأ بسماع أدعية (ربنا يهِدَّك – ربنا ينتقم منك – ربنا يلعنك…… وهكذا).

وقفة:
بينما كنت أكتب هذه السطور  تذكرت قصة حدثت في بلد مجاورة لبلدنا، ورأيناها رأي العين: كانت هناك أم قد دعت على ولدها من غيظها وقالت له: (أشوفك متقطع أمام عيني قطع قطع – يمر عليك قطار أو عربية) والمفاجأة بعد أقل من أسبوع: تفاجأ بجثة ولدها هذا وقد دهسته وفرمته سيارة وكان قطعا قطعا …. ولا حول ولا قوة إلا بالله). إن من الدعوات المستجابة دعوة الوالد والوالدة لـ أو على أبنائهم… وأنا أعلم أنها لم تكن تريد ذلك!! ولكنها رسالة من الله تعالى لكل هؤلاء الذين يعقون أبناءهم بالدعاء عليهم.

فلماذا لا نجعل  ألسنتنا عامرة بالدعاء للأبناء من باب البرِّ بهم؟!! ولنعوِّد ألسنتنا على الأدعية الطيبة، حتى ولو كان الولد أو البنت متعبة أو أفعاله أو أفعالها تغيظ، ولنقل مثلا: (ربنا يهديك – ربنا يسامحك – ربنا يعف عنك  – ربنا يفتح قلبك للهداية – ربنا يشرح صدرك بالإيمان …. وهكذا).

ثامنا: لقد عق الأب ابنه حين أدخله دارًا للتربية أو التعليم وهو يعلم أنها مؤسسة بعيدة عن الدين وتعلم الأبناء الأفكار الخبيثة وتعودهم على الاختلاط والانفتاح المرذول .

فهذا الذي يُدْخِل ولده الصغير حضانة أو مدرسة أو جامعة مختلطة ولا تعلم أمور الدين، أو على الأقل تعطيه مفاتيح الخير … فإن ذلك عقوق عظيم لأبنائنا.
فإننا كما أننا مطالبون بإطعام أبنائنا الطعام الحلال الطيب، فإننا كذلك مطالبون بإطعامهم الفكر الإسلامي الوسطي الطيب.

تاسعًا: من العقوق : الاستهانة بالألفاظ والمعاملات السلوكية المرذولة أمام الأبناء
الأصل أنه لا يكون هناك أفعال أو أقوال مرذولة، ولكن إذا بليتم فاستتروا عن الأبناء؛ لئلا يخرج مثلَك، ومن بين ما جاءني من استشارات تتحدث عن هذه النقطة: هذا الرجل صاحب الــــــ 45 سنة يقول:

“منذ صغرى وأنا أرى والدي يسيء معاملة أمي من سبٍّ وشتم وإهانة وخيانة وتقدير أي امرأة غيرها، وتوبيخ على أي شيء مهما كانت تفاهته، وتحميلها مسؤولية أي تقصير أو أي خطأ أمام معارفنا، وكنت أمقت أخلاق والدي السيئة، ولكنني بعد مرور ما يقارب ربع قرن على زواجي أجد نفسي نسخة مكررة من أبى، فهل هذه وراثة لا يد لي فيها؛ أم أنني كان يمكنني تجنب تلك الصفات، خاصة وأن زوجتي تصبر حتى لا يخرب البيت؟” ….   وصدق القائل: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوَّده أبوه…. ألا يعدَّ النطق بالألفاظ السيئة والتصرفات البذيئة أمام الأبناء عقوقًا، وأعظِمْ به من عقوق؟!!!!

عاشرًا: لقد عقَّني والدي حين رباني بمبدأ الخوف والرهبة منه
إنّ ذلك الأب الذي يربي أبناءه بالخوف، فلا تجد منه إلا صوتًا عاليًا مرتفعًا وتسمع داخل بيته صراخًا شديدًا بين الحين والآخر –حقيقة شيء محزن للغاية- وهى طريقة سيئة في التربية… ومن آثارها :
إخراج جيل مهزوم نفسيًا، سلبي ، انطوائي، أو عدواني– وهكذا يفسد المجتمع كله بتلك الطريقة…

وأخيرًا: هكذا عقّنِي والدي، وكان أوْلَى به أن يهتم ببرِّي لا بعقوقي، وعلى الرغم من ذلك، فأنا على طريق البرِّ به سائر، ولن أبرح قدمه ولا رأيه ما حييت، ولن أكون عاقًّا به؛ لعلمي بخطورة العقوق، وكذا لأني أحب أبي وأتمنى أن يتقي الله فيَّ وأن يحسن تربيتي وإخوتي الصغار… والله المستعان..

التـوقيــــع
الابــن البــــار بأبيــــه

*م*معيد بجامعة الأزهر الشريف، وباحث في العلاقات الإنسانية والشخصية الإيجابية،
وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية، وعضو نقابة القراء المصرية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: