هداية الدلالة

هداية الدلالة

تاريخ النشر :٣ أكتوبر ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

تأتي كلمة «الهداية» في القرآن الكريم على معنيين، الأول: الدلالة على الطريق، والثاني: المعونة والتمكين، ومن لا يُقبل على الأولى لا تتحقق له الثانية، كما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي(رحمه الله تعالى).

وحديثي اليوم عن هداية الدلالة التي هي قاسم مشترك بين الناس جميعاً، وليست حكراً على المسلمين وحدهم، فهي للمسلم ولغير المسلم، فمن أقبل عليها، ورضي بها، وسلك سبلها كان حقاً على الله تعالى أن يهبه الهداية الثانية، هداية المعونة والتمكين.عبدالرحمن بن على البنفلاح

وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على هذا اللون من الهداية، منها قوله تعالى: «وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون» سورة فصلت/17.
هديناهم: أي دللناهم على طريق الحق وطريق الباطل، فاختاروا الباطل على الحق، والعمى على الهدى، وساروا فيه، وتنكبوا كل سبب يوصلهم إلى صراط الله المستقيم.

وطريق الباطل مليء بالمعاصي، والإنسان فيه عرضة لأن تتخطفه الشياطين، أو تهوي به إلى هاوية سحيقة، ولن يجد له من ولي ولا نصير يرد عنه غوائل الشر التي تتلون له بألوان الطيف لتغريه بالمعاصي، وتسد عليه منافذ الفرار من قبضة الشيطان التي تمكنت منه حين اختار طريق الغواية سبيلا، وهو يعلم أنه طريق محفوف بالمهالك والمغريات، وأنه يندر أن ينجو منه أحد إلا من رحمه الله تعالى، وألهمه الصواب، وأيقظه من سباته.

ولقد ضمن الحق تبارك وتعادل هداية الدلالة لجميع الناس، وذلك حين أشار عند نزول القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في شهر رمضان، أن هذا القرآن فيه هداية للناس جميعاً، قال تعالى: «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» سورة البقرة/ 185.

فالقرآن العظيم عند نزوله إنما نزل لهداية البشر جميعاً، الهداية الأولى هي هداية الدلالة، وذلك حين تضافرت الأدلة العقلية والنقلية على توضيح سبل الهداية والرشاد، ودعت الناس جميعاً إلى الإقبال على الحق، والانضواء تحت لوائه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..» سورة البقرة/256.

فمن الناس من أقبل، ومنهم من أعرض، فالذين أقبلوا صاروا أهلاً لأن يزيدهم الله تعالى هدى ويؤتيهم تقواهم كما قال سبحانه: «والذين اهتدوا زادهم هدىًً وآتاهم تقواهم» سورة محمد/17.

أما من أعرض منهم ونأى بجانبه، فهؤلاء تركهم وشأنهم، فاستولت عليهم الشياطين، وصاروا من حزب الشيطان، وأعضاء هذا الحزب هم الخاسرون، الذين خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

إذن، فعند بداية نزول القرآن على رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنبأ الله تعالى رسوله(صلى الله عليه وسلم) أن هذا القرآن ليس حكرًا على العرب وحدهم، بل هو هدى للناس جميعاً، وفي هذا إشارة بالغة الدلالة على عالمية الإسلام، وإلى المهمة الجليلة التي ندب الله تعالى رسوله ومصطفاه لها، وهي دعوة الناس جميعاً إلى الإيمان بالله والتصديق برسوله، دليل ذلك قوله تعالى:
«قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون» سورة الأعراف/158.

كان هذا عند نزول القرآن ليعلم القاصي والداني أن هذا القرآن المعجز إنما نزل لجميع الناس، العرب وغير العرب، وأن الله تعالى جمع فيه كل الهدايات، وأنه موجه إلى الناس جميعاً، فمن آمن به واتبع النور الذي أنزل معه هدي إلى صراط الله المستقيم، ومن أعرض عنه ضل ولم يكن أهلاً لهداية المعونة والتمكين التي لا يملكها إلا الله تعالى، فقد تكرر في أكثر من موضع في القرآن نفي هداية التمكين عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وإثبات هداية الدلالة له، من مثل قوله تعالى: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين» سورة القصص/56.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: