مواقف وعبر: ربَّيْنَ فأحْسَنَّ التربية

مواقف وعبر:
ربَّيْنَ فأحْسَنَّ التربية

تاريخ النشر :٣ أكتوبر ٢٠١٤

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

كلما شاهدت عظيما يتكلم قلت رحم الله أمك التي استطاعت تربيتك هذه التربية العظيمة، وفي المقابل كلما شاهدت أحدهم يتكلم في غرور، ويدعي العلم والجهل باد في كل كلامه وتصرفاته رغم أنه يُقدَّم إلينا على أنه من النخبة قلت في نفسي لو نجحت أمك في تربيتك ما بديت بهذا السوء وهذا الغرور والعبث والجهل.Dr. Nazmi K.

فالأم العظيمة هي مخضن العظماء ومربية الأسوياء، والأم التافهة هي هي أصل كل مصيبة وبلاء تصيب الأبناء، وقد عبر أحدهم عن ذلك أبلغ تعبير عندما سألوه قبل شنقه ماذا تريد قال: أريد أن تشنق أمي قبلي لأنها السبب في هذا الموقف المخزي، عندما أحضرت لها أول شيء سرقته فأخذته مسرورة ولم تنهرني ولم تربيني على الأمانة.

– ومواقف اليوم مواقف لأمهات عظيمات ربين فأحسن التربية وروضن فأحسن الرياضة ووجهن فأحسن التوجيه الموقف الأول:

بطلة هذا الموقف امرأة صالحة عدها ابن الجوزي ضمن المشهورات من نساء الكوفة، كانت تتكسب من مغزلها وتنفق على ابنها، كانت محبة للعلم، وتعرف قيمته في رفع شأن الإنسان وكانت تقول لابنها: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، وتابعت تعليمه وتحصيله وتقول له: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك؟ فإن لم يزدك علمك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك، استجاب الولد سفيان لتوجيهات أمه وسلك طريق العلم، وكانت تقول له: (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة) (رواه مسلم)، اجتهد الطالب سفيان في تحصيل العلم وتطبيق آداب طالبه حتى أصبح أحد أئمة الإسلام وعُبادهم، ساد الناس بعلمه وعمله وورعه وخشيته لله، وطاعته لأمه فرفع الله ذكره مصداقا لوعده تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). المجادلة (11).

– أصبح سفيان من أعلام علماء أمة الإسلام، أثنى عليه كبار العلماء فقال عنه عبدالله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، الثوري (أي سفيان بطل موقفنا) أفضلهم، وقال عنه يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل منه، وقال عنه شعبة: ساد الناس بالورع والعلم وهو كابن عباس في زمانه، وكان الإمام أحمل بن حنبل يقول: أتدرون من الإمام؟! الإمام سفيان الثوري ولا يتقدمه في قلبي أحد.

– هذا العالم الجليل الورع الذي تتلمذ على يديه كثير من العلماء، كان ثمرة طيبة لأم صالحة أحسنت التربية، وأحسنت التوجيه.

– ظل سفيان يعلم الناس ويدلهم على الخير حتى توفي سنة (161هـ) وله أربع وستون سنة، مات سفيان وترك علمه صدقة جارية له ولأمه ينتفع به المسلمون حتى يأذن الله. رحم الله هذه الأمة الواعية الذكية الصالحة وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (علو الهمة لنساء الأمة، محمود بن محمد حبابة، دار الإيمان بالإسكندرية – مصر (ص304) (د.ت).

العبر: هذه الأم العظيمة لم تطلب من طفلها أن يسعى لينفق عليها ولم ترضى له مهنة لا ترفع من شأنه، بل كفلته بمغزلها وأمرته بمجالسة العلماء، فرفعت من شأنه وربت للأمة هذا العالم الجليل.

– لم تطلقه في الشوارع كالجرو المسعور يسرق، ويشرب المخدرات، ويضرب المارة كما يفعل أطفال الشوارع في كبرى العواصم العربية، ولم ترسل به إلى المدرسة لتستريح من تربيته.

الموقف الثاني:
في المدينة المنورة كان يعيش فروخ مع زوجته في سعادة، وعندما أذن مؤذن الجهاد داعيا المسلمين للخروج في سبيل الإسلام في إقليم خراسان، خرج فروخ مع المجاهدين وترك لزوجته ثلاثين ألف دينار ذهبا وجنينا في بطنها، طالت غيبة فروخ وانقطعت أخباره، ووضعت زوجته ذكرا أسمته ربيعة.

– عكفت الزوجة الصالحة على رعاية ابنها وتربيته وتعليمه وتوجيهه ليكون نافعا لنفسه وللإسلام وللمسلمين، وكانت تعلم فضل العلم فهو يرفع شأن صاحبه، كما قال تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» المجادلة (11)، فدفعت ابنها ليسير في طريق العلم طالبا وكانت تقول له: يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتك فإن الله سبحانه وتعالى يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بماء السماء.

– استجاب ربيعة لرغبة أمه وأخلص في طلب العلم وأمه ترعاه وتحنو عليه وتسانده وتوجهه وهو ينتقل من حلقة حديث إلى حلقة فقه، ومن حلقة الفقه إلى حلقة السيرة، ومن السيرة إلى اللغة وعلومها، ولم يبخل عن نفسه بعلم حتى كبر وصار من علماء المدينة المنورة المعدودين، وصارت له حلقه علم يحضرها كثير من العلماء وطلاب العلم، ومن أشهر تلاميذه الإمام مالك بن أنس رحمهما الله إمام دار الهجرة وعالم العراق الإمام أبو حنيفة النعمان، وعاش ربيعة حياته للعلم متعلما وعالما ومستمعا ومحبا وأمه تسانده بالمال والحنان والدعاء والتوجيه.

– بعد سبع وعشرين سنة عاد والد ربيعة فروخ إلى المدينة وأعطى زوجته أربعة آلاف دينار وقال: ضعيها مع المال الذي عندك، وجلس يستريح.

– خرج ربيعة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس في حلقته يعلم الناس الخير، وبعد أن استراح فروخ خرج للصلاة في المسجد النبوي فوجد الناس قد اجتمعوا في حلقة عظيمة حول عالم، فقال فروخ: من هذا الرجل؟

قالوا له: ألا تعرفه؟! إنه ربيعة بن فروخ عالم المدينة، فرح فروخ فرحا غامرا وعاد إلى زوجته، وقال لها لقد رأيت ابني في حالة ما رأيت أحدا من أهل العلم عليها.

فقالت زوجته: أيهما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم مكانة ابنك بين العلماء؟! قال فروخ: بل ما هو فيه من العلم، قالت: فإني أنفقت المال كله على تعلميه، فقال فروخ: والله ما ضيعتِه.

العبر:
هذه المرأة المسلمة علمت مكانة العلم والعلماء في رفع البيوت وخطورة الجهل في هدمها، فاختارت لابنها طريق العلم، وصبرت على تربيته لتضرب للأمهات أنموذجا يحتذى في التربية والتوجيه وحفظ البيوت والأبناء وغيبة الآباء.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: