ذكر الله أهميته وفضله (9)

ذكر الله أهميته وفضله (9)

تاريخ النشر :٣ أكتوبر ٢٠١٤

بقلم: أ. د. محمد أحمد طه علي •

ب ـ ومن الطرق التي حث القرآن المؤمنين فيها على الذكر: قوله تعالى «اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون» العنكبوت 45.
قال صاحب زاد المسير (ولذكر الله أكبر) فيه أربعة أقول: أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين.
والثاني: ولذكر الله أفضل من كل شيء سواه وهذا مذهب أبي الدرداء وسلمان وقتادة.
والثالث: ولذكر الله في الصلاة أكبر مما نهاك عنه من الفحشاء والمنكر، قاله عبدالله بن عون.
والرابع: ولذكر الله العبد ـ ما كان في صلاته ـ أكبر من ذكر العبد لله، قاله ابن قتيبة.
وأنا أميل إلى الرأي الأول للأحاديث الدالة على ذلك منها:
عن أبى هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بى وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). رواه البخاري.
ـ وروى أحمد في المسند عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات).

جـ – ومن الطرق التي حث القرآن فيها المؤمنين على الذكر مدح جماعة من الناس بذكر الله ليقتدى بهم، وفيما يلي بيان ذلك:
1ـ وصف الله المتقين بصفات عظيمة منها أنهم إذا هموا بمعصية أو وقعوا فيها تذكروا ربهم فهابوه فيرجعون عن ذنبهم ويستغفرون ربهم قال تعالى: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين* الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين* والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون* أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين» آل عمران 133ـ 136.
يقول شيخنا محمد الغزالي في إحدى خطبه (وذكر الله يخامر قلب المؤمن عندما يزله الشيطان إلى ذنب يرتكبه في جنب الله…. انه لا يبقى في وهدته التي انزلق إليها انه لا يبقى في سقطته التي جره الشيطان عندها انه يذكر ان له ربا يغفر الذنب ويقبل التوب….

ولذلك فهو ينهض من كبوته ويطهر نفسه ويعود إلى ربه ويستأنف الطريق إليه ـ والفارق بين مؤمن يذنب وفاسق يذنب ان المؤمن سرعان ما يعود ومض الايمان إلى ضميره إذا استطاع الشيطان أن يكشف نوره بشيء من الظلمة أو بنفث من الدخان ـ أما الفاسق فإنه يبقى على ظلمته ما يرى فيها من بصيص نور فيبقى على نجاسته ما يعرف طريق التطهر ـ قال تعالى: «إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون* وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون». الأعراف 201، 202. (أ. هـ موضوع الخطبة هذا هو الذكر).

2ـ مدح الله أولي الألباب بأنهم يذكرون الله على كل حال ويتفكرون في كونه العظيم ويتضرعون إليه بأنواع الابتهالات والدعوات قال تعالى: «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار للآيات لأولي الألباب* الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار». آل عمران 190ـ 191.
ففي هذه الآيات وصف أولي الألباب بأنهم يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود والاضطجاع فلا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته ـ ويتدبرون في ملكوت السماوات والأرض في خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات قائلين (ربنا ما خلقت هذا باطلا) أي ما خلقت هذا الكون وما فيه عبثا من غير حكمة ـ أي ننزهك يا الله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم.

3ـ وصف الله أصحاب الإيمان الحقيقي بصفات كريمة، أولى هذه الصفات ذكرهم لله عز وجل وتأثير ذلك في قلوبهم قال تعالى «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم» الأنفال 2ـ4. والمعنى أن المؤمنين إذا ذكر اسم الله فزعت قلوبهم لمجرد ذكره، استعظاما لشأنه وتهيبا منه جل وعلا (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) أي تليت عليهم آيات القرآن ازداد تصديقهم بالله (وعلى ربهم يتوكلون) أي ولا يرجون غير الله ولا يرهبون سواه وفي {تفسير البحر المحيط} أخبر عنهم باسم الموصول بثلاثة مقامات عظيمة وهي (مقام الخوف، مقام الزيادة في الإيمان، مقام التوكل على الرحمن) ولا تنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى: «الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن القلوب»، (الرعد 38)، لأن المؤمنين لهم أحوال مع الله فإذا ذكروه سبحانه متذكرين تقصيرهم وهفواتهم في جنب الله ارتعدت فرائسهم واضطربت قلوبهم خوفاً من خالقهم أما إذا ذكروا فضل الله عليهم وإحسانه إليهم هدأت نفوسهم استقرت قلوبهم، هكذا حالهم مع الله بين خوف ورجاء.

• أستاذ التفسير وعلوم القرآن/ جامعة الأزهر.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: