الأمة المنصورة

الأمة المنصورة

تاريخ النشر :٢٧ يونيو ٢٠١٤

عبدالرحمن علي البنفلاح

العنوان قد يشجع بعض المتشائمين على الاعتراض، وربما على السخرية مما ذهب إليه الكاتب، فأي نصر يتحدث عنه بعض الكتاب الإسلاميين والأمة الإسلامية ترزح تحت نير الاستعمار السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي؟.
وقد يتساءل سائل متعجل ويقول: عرفنا الاستعمار السياسي والعسكري والاقتصادي، فماذا عن الاستعمار الاجتماعي، وهل في الاجتماع استعمار؟
ونقول لهذا المتعجل: نعم في الاجتماع استعمار حين ترزح الأمة تحت عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان جاءت مع فلول المستعمر، فصارت بتقادم الزمن عادات وتقاليد للأمة الإسلامية لا تستطيع منها فكاكاً.

والآن نعود إلى حديثنا عن الأمة المنصورة الذي قد يحسبه بعض المتشائمين من المسلمين أمنية تداعب خيال الكاتب وأمثاله ممن ينحو هذا المنحى، وإلا فكل المعطيات على الأرض وفي واقع المسلمين تؤكد أن الأمة الإسلامية أمة مهزومة لا منصورة، ومتخلفة لا متقدمة، فمن أين جاء الكاتب بهذا القدر من التفاؤل؟!

أسئلة يحق لمن لا يرى رأينا، ولا ينحى منحانا أن يطرحها، فهي أسئلة مباحة بل مشروعة من أجل المساهمة في نهضة الأمة، والبحث لها عن حلول لما تعاني منه من مشاكل.
يوزن النصر عادة بما تحققه الأمة في المجالات المختلفة العسكري منها والاقتصادي والحضاري، فالأمة المنصورة هي: الأمة المتقدمة علمياً وحضارياً وسياسياً واقتصادياً، أما أمتنا في وضعها الراهن، فهي أمة مهزومة متخلفة في كل هذه المجالات.

ولكن هل هذه المقاييس هي وحدها التي نستدل بها على تقدم الأمة أو تخلفها، أم أن هناك مقاييس أخرى يمكن أن تدلنا على حظ الأمة من التقدم والبقاء، نقول وبالله التوفيق: إن بقاء الأمة الإسلامية كل هذا الزمن الطويل وهي تواجه الأعداء من كل جانب، حتى من داخلها إذ ظاهر بعض حكامها أعداءها وناصروهم عليها ورغم كل ذلك فإنها بقيت مستعصية على الزوال، أبية على الطاعة لغير الله تعالى، وغير خاضعة لغير شريعته الغراء، ومن أدلة أنها منصورة: أن الإسلام الذي تدين به ومنذ أن بزغ فجره الصادق وهو في تقدم وانتشار لا يصده عن غايته الشريفة صاد، ولا يعطل مسيرته أحد من البشر، ورغم ما يشاع عنه من أنه دين العنف والإرهاب فإن ذلك يزيد في انتشاره، ويؤكد ذلك ما قال الله تعالى عنه من أنه سيظهر على الدين كله ولو كره المشركون، قال تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» سورة التوبة/33.

وكان كثير من الناس يتوقعون، بل يؤكدون أن الإسلام سوف يخسر كل يوم أرضاً جديدة، ويخرج منه أفواج جديدة حتى لا يصيبهم ما أصاب المسلمين، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً، فرغم ما تعاني منه الأمة الإسلامية من ضعف وتخلف وهوان على الناس فإن الاسلام يتقدم تقدماً حثيثاً، والأمة في تخلف مستمر، وفي ضعف دائم، ولا نجد لذلك تفسيراً إلا أن تقدم الإسلام وقوة انتشاره ذاتية فيه وليست مرتبطة بأهله، ولو كان انتشاره وتقدمه متوقف على تقدم أهله وقوتهم لما دخل في الإسلام أحد، ولوقف انتشاره منذ زمن بعيد، منذ أن بدأ المسلمون يتخلفون عن ركب الحضارة الإنسانية، وتدب بينهم الصراعات، ويبطش قويهم بضعيفهم، ويمنع غنيهم عطاءه وبذله عن فقيرهم، وأخذ كل حاكم مسلم يستعين بأعداء دينه على إخوانه، ورغم ذلك فقد علمنا ديننا ألا نيأس ولا نقنط من رحمة الله تعالى، قال تعالى:« قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم» سورة الزمر/53.

إذاً، فالأمة الإسلامية، أمة منصورة، وهي ليست أمنية نتمناها، بل لأن الله تعالى أراد لها أن تنتصر، وأن تبقى حتى نهاية الحياة، فهي أمة القيامة بمعنى أن القيامة سوف تقوم عليها بعد أن تؤدي مهمتها التي وكلت إليها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله تعالى، ومن مهماتها أيضاً الشهادة على الناس يوم القيامة، وتخلفها الآن لا يعني أنه مصير لا رجاء في تغييره، بل هو حالة أصابت الأمة ولها أسبابها، فإذا انتفت هذه الأسباب عادت الأمة إلى ما كانت عليه من النهضة والتقدم، وهي تملك أسبابهما.

نعم الأمة الإسلامية، أمة منصورة بكل هذه المعطيات وإن تأخر هذا النصر وإن شابه ما شابه من شكوك عند بعض المسلمين لأنهم لا ينظرون إلى الأفق البعيد، ولا إلى نبوءات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي تحدث عن دورات الزمن، وأن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة قادمة لا محالة ذلك لأن النبع الصافي لتعاليم السماء لم يعكره ولم يلوثه من يبذلون جهدهم، ويستفرغون وسعهم من أجل تعطيل مسيرة الإسلام المظفرة.

الأمة الإسلامية، أمة منصورة لأن الله تعالى كتب لها الخلود حين كتب الخلود لكتابه ووحيه المعجز، فقال سبحانه:« إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» سورة الحجر/9. وإلا كيف نفسر تداعي الأمم عليها منذ أزمان بعيدة من أجل القضاء عليها، ووقف حركة الإسلام، بل حتى مِنْ بعض مَنْ هم محسوبون عليها مِمِنْ يلون أمورها، ورغم كل ذلك فهي باقية، ودينها ينتصر كل يوم حتى في أحلك ساعات الليل والنهار، لأن الله تعالى تعهد بإظهاره، وإتمام نوره في ثلاث آيات وهي: الآية (33) من سورة التوبة والآية (28) من سورة الفتح، والآية (9) من سورة الصف، في هذه الآيات الثلاث تعهد الحق سبحانه وتعالى بإظهار الدين، ونصر الشريعة، ولن تقف قوة في الأرض مهما عظمت لكي تعطل هذا النصر، وذلك الظهور، وأما الأمة الإسلامية وما هي فيه من تخلف عن ركب الإسلام، فإن هذه حالة طارئة وسوف تلحق الأمة بركب الإسلام إن عاجلاً أو آجلاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: