أولو النهى

أولو النهى
تاريخ النشر : الجمعة ٢٤ أغسطس ٢٠١٢
عبدالرحمن علي البنفلاح

عند تلاوتي لقوله تعالى: «أُتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون» (العنكبوت/٤٥).

توقفت عند كلمة (تنهى) وتساءلت: لماذا لم يقل الحق تبارك وتعالى: تمنع؟

ومن خلال تلاوتي لمجمل القرآن الكريم التقيت عبارة (أولي النهى) مرتين، الاولى في الآية (٤٥) من سورة (طه) في قوله تعالى: «كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى».

والتقيتها ثانية في الآية (١٢٨) من نفس السورة في قوله تعالى: «أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى».

وحين بحثت عن معنى (أُولي النهى) في التفاسير وجدتها تعني ذوي العقول من الناس، وتساءلت كذلك: ما علاقة عبارة أو جملة (أولي النهى) بالفعل(تنهى)؟

ووجدت الجواب في أن الفعل (تنهى) هو تفعيل للعقل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، وأنه لو جاء فعل ( تمنع) بدل (تنهى) ثم يؤدي العبد الصلاة ثم يجترح الفواحش، لتساءل الناس عن صدق موعود الله تعالى الراكعين الساجدين، ولكن الحق تبارك وتعالى جعل الفعل (ينهى) وهو من عمل العقل، ومن عمل أولي النهى، أي أصحاب العقول الراجحة، وأن إعمال العقل في مكونات الصلاة من تكبير وركوع وسجود وخشوع تؤدي بالإنسان إلى الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، إذ لا يليق بالمسلم الذي يضع وجهه الشريف على الأرض خضوعاً وخشوعاً لله تعالى، ثم يردد في إخبات : الله أكبر مرات عديدة في كل ركوع وسجود وقيام، ثم لا يستشعر بأن الله تعالى أكبر من كل شيء، أكبر من الدنيا وما فيها، وهو سبحانه الكبير المتعال.

وحتى يكون للمسلم نصيب من القبول، وكفل من الحسنات، فلابد من أن ينتهي عن الفواحش والمنكرات بإرادته الحرة، ونتيجة إعمال عقله الراجح المستيقن بعظمة الخالق عز وجل، وإذا كان الإنسان إذا وقف أمام عظيم أو ذي جاه من البشر يلتزم أخلاقاً حسنة، وسلوكاً قويماً يفرضه عليه المقام، فما بالكم بمن يقف أمام ملك الملوك، الحق سبحانه وتعالى؟ فإن عقله الراجح، وإدراكه السليم يفرضان عليه أن ينفعل لما تحدثه الصلاة فيه من أثر في بناء أخلاقه، وفي التزامه.

إذاً، فأولي النهى هم أصحاب العقول الراجحة الواعية التي تنهى أصحابها عن مخالفة ما يؤمنون به، أو أن يخالف قولهم فعلهم، لأن هذا ليس من شيمة المؤمن الصادق، قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون(٢) كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون(٣)» (سورة الصف). وحتى نكون من أصحاب النهى، أي أصحاب العقول الراجحة، والإدراك السليم لابد أن نفعّل عباداتنا، وأن يكون لها أثر في تعاملاتنا مع الناس، في العقيدة لابد أن نوحد الله تعالى ولا نشرك به شيئاً، وأن نأخذ عنه أوامره ونواهيه بنفس الإخلاص في التوحيد.

في الصلاة لابد أن تنهانا عن الفحشاء والمنكر، وعن سيئ القول والفعل.

وفي الزكاة لابد أن تطهر قلوبنا من الشح والبخل والأثرة.

وفي الصيام يجب أن نحقق من خلاله التقوى، وهي جماع كل خير.

وفي الحج لابد أن يتطهر الحاج من الرفث والفسوق والجدال في الحج وفيما بعد الحج .

كل هذا من عمل أولي النهى، فناسب أن يأتي التوجيه في القرآن الكريم للمصلين بقوله تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر…» لأن فعل (ينهى) وثيق الصلة بعبارة أولي النهى وليس فعل ( يمنع).

وهذا يعني أن أفعال الإنسان وأقواله مرتبطة بعقله الراجح، وإدراكه السليم .

الرابط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: