لماذا كل هذا الاهتمام بالعشر الأواخر من رمضان؟

لماذا كل هذا الاهتمام بالعشر الأواخر من رمضان؟

 الجمعة ١١ أغسطس ٢٠١٢

الشيخ عبدالله الحسيني خطيب جامع العدلية

الاستعداد للعشر الأواخر.. أسبابه ووسائله :

أيها المسلمون المباركون: ها قد مضى من شهر رمضان المبارك الكثير، ومع كل ذلك ما زال الباب مشرعاً، والخير متاحاً، والفرصة مواتية، فقد بقي في الشهر بقية، وما أدراكم ما هذه البقية، إن ما تبقى من العشر الأواخر يفتح أمام المجتهدين آفاقاً للكمال، وفنوناً للأعمال، فهيا إلى بساتينها، وسراعاً إلى رياحينها، أسوة بالصائم المجتبى، والحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن لماذا كل هذا الاهتمام بالعشر الأواخر من رمضان؟!

لأن فيها ليلة القدر أعظم ليالي العام، وإحياؤها بالعبادة خير من عبادة ألف شهر بنص القرآن الكريم، قال الله عز وجل: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»، يعني أنك عبدت الله سبحانه بما يزيد على ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر تقريباً عبادة متصلة، صلاة وصياماً، صدقة وقياماً، ذكرا وقرآناً، ومن أجل ذلك حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيما تحذير من تفويت هذه الليلة النفيسة فقال: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حرُم الخير كله، ولا يُحرم خيرَها إلا محروم).

لأن القرآن الكريم نزل في هذه الليالي العظيمة ولاسيما ليلة القدر، قال الله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ».

لأنها من المواسم الشرعية التي تكثر فيها البركة، قال الله سبحانه: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ»، والملائكة تتنزل في ليلة القدر ومعهم جبريل عليه السلام، قال الله تعالى: «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرلاوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ»، وهم فيها أكثر من عدد الحصى، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى)، فتتنزل معهم الخير والبركة والرحمة والمغفرة، وهذا يعني أيضاً أن الدعاء فيها مستجاب، والملائكة تؤمن على دعائك.

لأن فيها ليلة تكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب لما يقوم به المسلم من طاعة الله، ولا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءً أو أذى، قال الله عز وجل: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).

لأن من قام هذه الليالي المباركة تصديقاً بالله وبوعده وطلباً للأجر والثواب غُفرت له الذنوب السابقة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه).

لأن الله سبحانه يعتق من النار في كل ليالي رمضان المبارك، والعتق في العشر الأواخر منه أعظم وأكبر وأجل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة).

لأنها تتيح للمسلم فرصة ثمينة ليتدارك ما فاته، ويختم له بخير، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم).

إذا كانت العشر الأواخر بهذه المنزلة الرفيعة، إذن كيف نستعد لها استعداداً جيداً يليق بها ويؤهلنا لإدراك فضيلة ليلة القدر؟!

هناك استعداد واجب ينبغي لنا أن نلتزم به في شهر رمضان المبارك وغيره، وذلك من خلال أداء ما أوجب الله علينا من العبادات القولية والفعلية، ومن أهمها: الصلاة المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة، وزكاة الفطر، وكذلك اجتناب جميع ما حرم الله علينا من الأقوال والأفعال، فلا يعقل أن نتقرب إلى ربنا بترك المباح كالطعام والشراب، ولا نتقرب إليه بترك ما حُرِّم علينا في كل حال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وقال: (رب قائم حظه من قيامه السهر، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش)، والصائم مأمور بحفظ لسانه حتى وإن تعرض للأذى من غيره، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم).

كما أن هناك استعداداً مستحباً يستعد به المسلم، طلباً لمزيد من الأجر والثواب، وإدراكاً لفضيلة ليلة القدر، ويتمثل في الهدي النبوي في العشر الأواخر من رمضان، فإليكم هذا الاستعداد النبوي:

أولاً: أن نخصّ جميع زمان العشر الأواخر من رمضان ليله ونهاره بمزيد من الاجتهاد والعبادة والأعمال الصالحة، فعن أمنا أم المؤمنين عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)، وقالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره) وفي لفظ: (وجدّ وشدّ المئزر).

ثانياً: أن نحيي الليل بصلاة التراويح أو القيام، قالت أم المؤمنين عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله)، وقال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ولنغتنم ثواب قيام ليلة كاملة بأن نصليها تامة مع الإمام حتى ينتهي منها، قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة).

ثالثاً: أن نكثر من قراءة القرآن الكريم وتدبره ليلاً ونهاراً، فعن ابن عباس: (أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن)، وهكذا كان السلف الصالح يقرؤون القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، وكان بعضهم يختم القرآن كل ليلة من ليالي العشر.

رابعاً: أن نعتكف في المسجد، فعن أم المؤمنين عائشة قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده)، وحقيقة الاعتكاف: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، ومذهب جمهور الفقهاء بأن الاعتكاف يتحقق ولو نوى المسلم مكث جزء من الزمن في المسجد سواء كانت المدة قليلة أم كثيرة، وإن كان المستحب والأكمل والأفضل لديهم ألا يقل عن يوم وليلة، وقد صحّ عن الصحابي الجليل يعلى بن أمية أنه كان يقول: (إني لأمكثُ في المسجد الساعة، وما أمكثُ إلا لأعتكف).

خامساً: أن نكثر من الجود، فعن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)، والجود معناه الاستكثار من سائر أنواع الخير، كالإنفاق، وحسن الخلق، وبر الوالدين، وبذل الخير، ونشر العلم، وصنائع المعروف، والجهاد في سبيله، وقضاء حوائج الناس، وتحمل أثقالهم، وإفطار الصائمين، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)، والعمرة في رمضان، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عمرة في رمضان تقضي حجة معي)، ومن أروع أمثلة الجود: مناصرة المستضعفين ودعمهم، أروا الله من أنفسكم خيراً، ادعموهم بما تجود به أنفسكم السخية وقلوبكم النقية، وانصروهم مادياً ومعنوياً ولاسيما أهل الشام، ولا تخشوا إلا من الله، فهذا والله أوان الجود في شهر الجود، قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، ومن نصر مسلماً نصره الله في موطن يحب فيه نصرته، فالله الله في أهلنا بالشام الذين يسطرون ملحمة بطولية عظيمة بدمائهم وأرواحهم نيابة عن الأمة، فانصروهم ينصركم الله.

سادساً: أن نكثر من الدعاء والاستغفار، فعن أم المؤمنين عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلةٌ القدر، ما أقول فيها ؟ وفي لفظ: بم أدعو؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، لذلك كانت عائشة تقول: (لو علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر، لكان أكثرَ دعائي فيها أن أسألَ الله العفو والعافية)، وقد أمر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرجل: (سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة)، والدعاء مستحب مستجاب أثناء الصيام، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الصائم حتى يُفطر)، وخصوصاً قبل الإفطار، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد)، فينبغي علينا أن نكثر من الدعاء بصلاح ديننا ودنيانا وآخرتنا، ولا ننس أن نخصّ إخواننا المسلمين في كل مكان بدعوات صالحات، ولاسيما فلسطين وسوريا وبورما.

سابعاً: أن نشارك أهلنا وأقاربنا ومعارفنا ومن حولنا معنا في الطاعات، ونعينهم عليها، ونحثهم إليها، فعن أم المؤمنين عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، وفي هذا جانب تربوي عظيم، فبإصلاح أسرنا تصلح مجتمعاتنا، وبإفسادها تفسد.

هكذا كان استعداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للعشر الأواخر، يتهجد في لياليها، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها.

وفي خطبته الثانية قال فضيلة الشيخ الحسيني: أيها المسلمون المباركون: إن أردنا حقاً أن نصادف ليلة القدر، ونربح خيرها، فلنحرص على الجد والاجتهاد والمثابرة في سائر الأيام العشر الأخيرة المتبقية، وكأنهن جميعاً ليلة القدر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر مننعم هذه الليلة في أوتار العشر الأواخر أرجى، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وهي في السبع الأواخر أقرب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر)، وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى وأكد ما تكون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان متحريها، فليتحرها في ليلة سبع وعشرين)، وقال: (تحروها ليلة سبع وعشرين)، وعن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا نبي الله، إني شيخ كبير عليل، يشق علي القيام، فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر، فقال: (عليك بالسابعة)، وكان أبي بن كعب يحلف على أنها ليلة سبع وعشرين ولا يستثني، وهذا في الغالب، وليس دائماً.

وإنما أخفى الله تعالى عنا هذه الليلة المباركة لنجتهد في تحريها، ونتزود من العبادات التي تقربنا إلى الله، وحتى يتميز الجاد الحريص عليها من المتهاون المفرط فيها، فلنجتهد في جميع أيام وليالي هذه العشر طلباً لليلة القدر، اقتداءً بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم حتى نتعرض لنفحات الله عسى أن تصيبنا نفحة من نفحاته، فلا نشقى بعدها أبداً، فالسعيد والله من استعد لهذه العشر، واغتنم أثمن لحظات العمر، وفاز بجائزة ليلة القدر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء الفائزين.

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: