اليوم الآخر عند حكام المسلمين

اليوم الآخر عند حكام المسلمين
09 أكتوبر
أخبار الخليج – 9 أكتوبر 2011

في الحديث المشهور الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عندما جاء جبريل عليه السلام على هيئة رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلم المسلمين أمور دينهم.

سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (رواه مسلم برقم «8»).

ونحن لا نشك في إيمان الحكام المسلمين بالله وملائكته، وكتبه، ورسله.. ولكن الذي يشغلنا حقا هو إيمان هؤلاء الحكام أو بعضهم باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب أو جزاء، وما فيه من جنة ومن نار، ومن صراط وان الطائعين سوف يحاسبون حسابا يسيرا ثم ينقلبون الى أهليهم مسرورين وان العصاة المستبدين والطغاة المتمردين عن منهج السماء سوف يحاسبون حسابا عسيرا.

هل حقا يؤمن الحكام المسلمون أو بعضهم باليوم الآخر وبمتعلقاته، أم هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟ يأخذون ما يعجبهم ولا ينغص عليهم حياتهم، ويدعون ما يذكرهم بمسئولياتهم تجاه شعوبهم وبما أوجبه الله تعالى على الحكام ومن يلي من أمر المسلمين شيئا من رعاية لحقوق شعوبهم، والدفاع عن مصالحهم حتى لو أدى ذلك إلى ان يفقدوا راحتهم، أو حتى كراسي السلطة، المهم ان يلقوا الله تعالى وهم محافظون على حقوق شعوبهم مدافعون عنها.

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع الموازين بالقسط لاختيار الولاة ومن هذه الموازين انه لا يعطيها من يطلبها يقول صلى الله عليه وسلم: «يا عبدالرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك ان أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها فآت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» (متفق عليه، رواه البخاري برقم «6722»، ومسلم برقم «1652» واللفظ للبخاري).

وأبى، صلى الله عليه وسلم، على أبي ذر رضي الله عنه ان يعطيه الإمارة لأنه امرؤ ضعيف، عن أبي ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم» (رواه مسلم، أخرجه برقم «1826»).

ولقد حذر، صلى الله عليه وسلم، أشد التحذير الوالي ومن في حكمه من أن يكون غاشا لرعيته غير ناصح لها في شئونها ومصالحها، يقول، صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (متفق عليه، أخرجه البخاري برقم «7150» ومسلم برقم «142» واللفظ لمسلم).

فهل حكام المسلمين في غنى عن الجنة، وتكفيهم جنة الدنيا التي استأثروا فيها بأموال شعوبهم وتركوا هذه الشعوب تتكفف الدول الغنية من أجل إقامة مشاريع للبنى التحتية وخدمات في الصحة والتعليم والإسكان؟

أليس هذا هو واجب الحكام الذين أقسموا لله تعالى ان يحوطوا شعوبهم بالرعاية والعناية، وان يحافظوا على أموالهم، ويوفروا لهم الأمن والأمان، ويعملوا على تنمية موارد الدولة لتحقق للشعوب الرفاهية كما تفعل الأنظمة في الخارج؟

ومن حماية المال العام والحرص على رعايته حرم الإسلام السرقة وكل باب من أبوابها، سواء أكانت سرقة بالإكراه، أم رشوة، سلبا أو ما شابه ذلك، وحين حاول اسامة بن زيد رضي الله عنه ان يتوسط للمرأة المخزومية التي سرقت اشتد غضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقسم صلى الله عليه وسلم وقال قولته المشهورة: لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها، والكل يعرف مكانة الزهراء رضي الله تعالى عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن شرع الله تعالى لا يفرق بين الناس والكل أمامه سواء ولقد تضافرت النصوص الشرعية لحماية المال العام، والذب عن حياض المسلمين بكل وسيلة ممكنة.

وإشارة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو خليفة للمسلمين عن موقفه من أموالهم نراه وقد استحضر نصا شرعيا هو قوله تعالى: «ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف» (النساء/6)، ليؤكد رضي الله تعالى عنه التزامه بالنصوص الشرعية التي ترسم للحكام المسلمين سبل السلام، وتدلهم على صراط الله المستقيم في كل شأن من شئونهم الخاصة والعامة.

واشتهر عنه رضي الله عنه انه وقاف عند النصوص لا يتزحزح عنها قيد أنملة ذلك لأنه رضي الله عنه يستشعر الرقابة الإلهية له في كل حين، كأنه بلغ في الإيمان درجة الإحسان حيث كان يعبد الله تعالى كأنه يراه، وما أحوج المسلمين اليوم الى مثل هذا اليقين، بل ما أشد حاجة الحكام المسلمين الى مثل هذه الرقابة الإلهية، وهم يخوضون في أموال المسلمين وفي دمائهم وأعراضهم ويتلاعبون بمصائرهم وحرياتهم!

اليوم الآخر عند حكام المسلمين ليس واضحا يقينا اذ لو كان كذلك، ولو كان إيمانهم به كإيمانهم بوجود الله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله لكان لهم شأن مع الناس غير هذا الشأن، ولنجت الشعوب من سطوتهم ومن طغيانهم ولساروا فيهم سيرة الخلفاء الراشدين الذين دخلوا إلى السلطة أغنياء فقد كان منهم التاجر وذو المال الواسع الثراء مثل أبي بكر وعثمان رضوان الله تعالى عليهما وخرجوا من السلطة فقراء لأنهم بذلوا ما يملكون في سبيل نشر الإسلام والدفاع عن المسلمين، بل إن أبابكر رضي الله تعالى عنه لم يبح لنفسه ولأهله ما أخذه من بيت مال المسلمين من راتب نظير قيامه بشئون المسلمين وتوقفه عن التجارة لأنه لا يصح ان يجمع الحاكم أو المسئول بين السلطة والتجارة حتى لا يوظف سلطته في خدمة تجارته فقال لأحد أبنائه: ما أظن ان ما أخذته من راتب يحق لي، فاجمع كل ما أخذته وادفعه الى بيت مال المسلمين، فكأنه رضي الله تعالى عنه قد تصدق بخلافته على المسلمين ولم يأخذ مقابل ذلك أجرا منهم.

وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فكان متخصصا في تحقيق امنيات الرسول، صلى الله عليه وسلم، كلما تمنى الرسول، صلى الله عليه وسلم أمنية سارع عثمان رضي الله عنه إلى تحقيقها، هذا قبل خلافته، ولما تولى الخلافة زاد في الإنفاق في مصالح المسلمين.

أما اليوم وفي ظل غياب الشريعة الإسلامية وأوامرها ونواهيها الصارمة فقد توسع بعض الحكام في العبث بمقدرات الشعوب ولم يكتفوا هم وحدهم بالخوض في أموالهم والتفريط في مصالحها، بل فتحوا الأبواب واسعة أمام من يلوذ بهم من الأعوان والأقرباء فتداعوا جميعا على قصعة الشعوب ولم يتركوا للشعوب سوى الفتات الذي قد يتساقط من موائدهم، ولا تجد الشعوب أحيانا ما يسد رمقها، ويخفف من معاناتها.

اليوم الآخر عند الحكام المسلمين صورته باهتة، وأثره في إيقاظ ضمائرهم لا يكاد يرى أو يحس، فاستيقظوا أيها الحكام قبل فوات الأوان واعلموا أنكم سوف تقفون أمام الواحد القهار مجردين من أي سلطان أو جاه أو مال ولسان حاله ومقاله يقول: «… يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطئون (37)» (الحاقة).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: