إهدار المال العام جريمة لا تغتفر

إهدار المال العام جريمة لا تغتفر
16 أكتوبر

عبدالرحمن بن علي البنفلاح

أخبار الخليج – 16 أكتوبر 2011، 18 ذو القعدة 1432

المحافظة على المال من الضرورات الخمس التي جاء الاسلام لحمايتها، وكف يد العابثين عن الخوض فيها، ويكفي تحذيرا شديدا من العبث بالمال العام قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من غل بعيرا أو شاة أتى يحمله يوم القيامة» (رواه أحمد في مسنده عن سمرة رضي الله عنه/ الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين/ لأبي الفضل عبدالله بن محمد بن الصديق الحسيني/ ص581).

وإذا كان من يغل بعيرا أو شاة يجيء يوم القيامة بحملهما على ظهره للبعير رغاء، وللشاة ثغاء، حتى يفضح على رؤوس الاشهاد، فما بالكم بمن يغل المساحات الضخمة من الاراضي والاموال الطائلة من قوت الشعب؟ هؤلاء ما مصيرهم يوم القيامة؟ وهل يستطيعون حمل هذه المساحات الشاسعة من الاراضي على ظهورهم كما استطاعت ضمائرهم في الدنيا ان تحملها ولا تشعر بأدنى حرج؟

لقد لخص الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه علاقته بأموال المسلمين، فقال: «أنا في أموالكم ككافل اليتيم ان استغنيت استعففت، وان افتقرت أكلت بالمعروف»، وهو هنا يشير الى قوله تعالى: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا» (النساء/6).

هذا هو حظ الحاكم الصالح في أموال المسلمين، ليس له سوى ذلك أما ما يحصل اليوم من تحويل أموال المسلمين الى ملكية خاصة وارث يتوارثه ابناء الحكام ويخوضون فيه، ويبددونه ذات اليمين وذات اليسار، بل ذات الجهات الاربع فهو أمر لا يقره الاسلام. لما قيل لعمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه ان أحد ولاته بنى له بيتا وجعل عليه بابا، فقال: أبت الدراهم إلا أن تطل برأسها، ثم أرسل اليه من أحرق ذلك الباب وقال له: ان أمير المؤمنين يقول لك لا تجعل بينك وبين الناس أبوابا وحجابا.

نعم كان الفاروق رضوان الله تعالى عليه شديد المحاسبة لعماله، وكثير المراقبة لهم، وكان على نفسه ومن له صلة به من قريب أو بعيد أشد في المحاسبة والمراقبة.

أرادت زوجه ان تصنع له حلوى كان يحبها ولكنها لا تملك المال الزائد على الضرورات المعيشية التي يعيشها عمر وهو أقل المسلمين نفقة، وأقلهم استجابة لرغباته، ولم تكن تستطيع ان تسأله زيادة في النفقة تخشى غضبه وشدته، فآثرت ان تقتصد في مصروف البيت بعض المال القليل لتتمكن من اعداد تلك الحلوى له، فلما وضعتها أمامه، سألها من أين لك هذا؟

قالت: اني أعلم انك تحب هذا النوع من الحلوى فاقتصدت من مصروفات البيت وصنعتها لك.

قال لها في ورع واخبات: أبعديه عني، فنحن إذًا نستطيع ان نعيش بأقل من هذا، قومي فبيعيه وردي ثمنه الى بيت مال المسلمين، ثم انقص نفقته بقدر ثمن الحلوى.

ذلك أنموذج باهر للخلفاء الصالحين ولكنه رضي الله تعالى عنه حين يعطي المسلمين حقوقهم كان يعطيهم ما يكفيهم بل ما يزيد على كفايتهم لان هذه الاموال هي أموالهم وليس للحاكم من حق فوق النصيب الذي يأخذه أقل واحد من المسلمين، ولذلك لما وقف يخطب ووجد المسلمون انه يلبس ثوبا طويلا يغطي كامل جسده اعترضوا عليه حتى يخبرهم من اين له بهذا الثوب وهو قد أخذ نصيبا مماثلا لأنصبتهم، فقال عمر رضي الله عنه: قم يا عبدالله واخبرهم، فوقف عبدالله بن عمر رضي الله عنهما فقال: لما وجدت ان نصيب امير المؤمنين لا يكفيه وهو كما تعلمون رجل طوال، أعطيته نصيبي، فقال الرجل المعترض ووجهه يتهلل غبطة وسرورا: الآن نسمع ونطيع.

لذلك ليس عجيبا ولا مستغربا ان تصل إليه الانباء على يد احد ولاته ان الناس يدعون الله تعالى ان يطيل من عمره من أعمارهم، وهذا لم يحدث لحاكم من الحكام بأن يتمنى الناس ان يأخذ الله تعالى من أعمارهم ويزيد في عمر حاكمهم، وما نراه اليوم هو دعاء الناس ان يقصر الله اعمار بعض حكامهم لان ظلمهم طال، واستبدادهم استشرى، فهم يدعون الله تعالى ان يخلصهم منهم.

نعم كان عمر يعيش سنوات عمره للناس، بينما الناس يعيشون سنوات اعمارهم لهم وحدهم، وكان يرى الناس انه كلما طالت حياة عمر بن الخطاب طال عمر العدل والانصاف والرحمة. ولقد اشتهر في عصرنا الحاضر ان اقصر طريق للثراء ونهب الاموال والاراضي هو ان تكون ذا سلطان، وتتحكم في مصائر العباد تدخل من تشاء السجن وترفع من تشاء الى المقام الرفيع، وتتحكم في بنود الميزانية ويكون البند الاكثر والاثمن هو البند الذي يخص السلطة.

لا أعلم كيف يستسيغ النظام نهب اموال الشعوب، وشعوبهم تتضور جوعا، وترتعد أجسادهم بردا لانها لا تجد ما يسد رمقها، وان وجدت، فهي لا تجد مأوى أو سقفا يحميها من تقلبات الجو، وهناك بلاد مسلمة أخذ الاحياء يزاحمون الاموات في مساكنهم، وتحولت المقابر الى شقق مفروشة يدفع فيها الخلو، ويتنافس حولها المتنافسون كل ذلك دليل واضح على فشل هذا الحاكم أو ذاك في سد حاجات الناس، وحل مشاكلهم في التعليم والتوظيف والسكن وغيرها من الحاجات الضرورية، التي يحتاج اليها الناس ويكون حلها دليلا على توفيق الله تعالى لهذا الحاكم أو ذاك في سياسته لشعبه، وادارة ازمات بلاده، وهي مؤشر ايضا على صلاح هذا الحاكم وسداد رأيه.

خلفاء الاسلام الراشدون كانوا يتولون السلطة وهم اغنياء ثم يخرجون منها وهم فقراء، وهذا بعكس ما يحصل اليوم في بلادنا العربية والاسلامية يدخل الرجل الى السلطة فقيرا ويخرج منها ــ هذا إن خرج منها وهو على قيد الحياة ــ غنيا بل بالغ الغنى، وعندما تحاول ان تعرف مصادر ثروته هذه التي بلغت ارقامها ارقاما فلكية لا تجد جوابا عن سؤالك الا انه اطلق يده في اموال المسلمين، ونهب منها هو ومن يلوذ به، ويحتمي بسلطانه، والنماذج كثيرة لا حصر لها وبامكان اي واحد ان يمد بصره الى ذاك البلد العربي المسلم او غيره وسوف يرى ليس بأم عينه فقط بل بأمهات جوارحه كلها، فالكل يتمرغون في هذه الثروات المنهوبة، والاموال المسلوبة من قوت الشعب، ثم تتعلل السلطة بعجز الميزانية، عن الوفاء بمتطلبات التنمية وبناء قاعدة متينة من البنية التحتية التي يحتاج اليها المواطنون.

نعم الميزانية في صورتها المعلنة تكشف عن عجز، ولكن ماذا عن البنود السرية، والحسابات السرية في بنوك الغرب؟ أليست كل هذه أموال الشعب تم نهبها وتقييدها في حساب خاص؟.

المال هو شقيق الروح، والمحافظة عليه محافظة على الروح، ورعايته والعناية به هما عناية بالروح ورعاية لها ولمصالحها لهذا جعل الاسلام المحافظة على المال من الضرورات الخمس التي جاء الشرع الحكيم لحمايتها ورعايتها، ورحم الله تعالى الإمام علي رضي الله عنه حين رأى أمير المؤمنين عمر يبكي وسأله عن سبب بكائه؟ قال وهو يقلب كنوز كسرى بين يديه: يا أبا الحسن إن قوما أدوا إليّ هذه لقوم أمناء.

قال الإمام علي: يا أمير المؤمنين عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا.

صدقت أيها الإمام فإن الناس على دين حكامهم، فإن امتدت يد النظام الى أموال الامة تبعثرها يمينا وشمالا لجرؤ الناس على ذلك واقتدوا بحكامهم في العبث بأموال الامة ومصالحها، كأن الإمام علي رضي الله تعالى عنه يرسم معالم الحكم الصالح الذي سار عليه أمير المؤمنين عمر في خلافته الراشدة، ويجعل ذلك قاعدة للحكم الصالح، وللحاكم الورع التقي الزاهد.

الرابط

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: