جدد حياتك في رمضان

جدد حياتك في رمضان

ناصر بن سعيد السيف

بسم الله الرحمن الرحيم

فما أجمل أن يعيش العبد في هذه الدنيا وهو يحصد الخيرات في مواسم الطاعات ؛ فهذا شهر رمضان بإهلاله تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين ,

وينبغي على المكلفين من الإنس والجن المبادرة والمسابقة والمسارعة في فعل الطاعات وترك المنكرات ,

وهذا الموسم المبارك فرصة عظيمة لتجديد الحياة بالإيمان والتماس رضى الرحمن – جل جلاله – والتقرب إليه بالطاعات ومن أعظمها بعد أداء الفرائض الحرص التام على قراءة القرآن العظيم بالتدبر وتحريك القلوب عند قراءته وسماعه ,

وكان الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى الأشعري يقولون : (يا أبا موسى اقرأ علينا) فيقرأ وهم يستمعون ,

وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (اقرأ عليَّ) .

فقلت : يا رسول الله ، أقرأ عليك وعليك أنزل ؟! قال: (نعم , إني أحب أن أسمعه من غيري) ، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) ، قال: (حسبك الآن) فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.

والأفضل لمن أراد أن ينتفع بتلاوته لكتاب الله – عز وجل – أن يختار وقتاً يجمع فيه قوة القلب والهمة على التدبر والتفكر وفهم مراد الله – تبارك وتعالى – بالآيات ومن بعد ذلك يتعظ وينتفع وتتغير مجريات الحياة للأفضل.

وقد سطَّر العلامة ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى – كلاماً نفيساً في كتابه الفوائد عندما قال :

(تأمل خطاب القرآن ؛ تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد كله , أزِمَّة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومرادها إليه , مستوياً على سرير ملكه , لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته , عالماً بما في نفوس عبيده , مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم , منفرداً بتدبير المملكة , يسمع ويرى , ويعطي ويمنع , ويثيب ويعاقب , ويكرم ويهين , ويخلق ويرزق , ويميت ويحيي , ويقدر ويقضي ويدبر , الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه , لا تتحرك ذرة إلا بإذنه , ولا تسقط ورقة إلا بعلمه . فتأمل كيف تجده يثني على نفسه , ويمجد نفسه , ويحمد نفسه , وينصح عباده , ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم , ويرغبهم فيه , ويحذرهم مما فيه هلاكهم , ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته , ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه ؛ فيذكرهم بنعمه عليهم , ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها , ويحذرهم من نقمه , ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه , وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه , ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه , وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء , ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم , ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم , ويضرب الأمثال , وينوع الأدلة والبراهين , ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة , ويصدق الصادق , ويكذب الكاذب , ويقول الحق , ويهدي السبيل , ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها , ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها , ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه , وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين , ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات , وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه , وكل ما سواه فقير إليه بنفسه , وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته , ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته. ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب , وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم , وغافر زلاتهم , ومقيم أعذارهم , ومصلح فاسدهم , والدافع عنهم , والمحامي عنهم , والناصر لهم , والكفيل بمصالحهم , والمنجي لهم من كل كرب , والموفي لهم بوعده , وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه ؛ فهو مولاهم الحق , ونصيرهم على عدوهم ؛ فنعم المولى ونعم النصير . فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً رحيماً جواداً جميلاً هذا شأنه ؛ فكيف لا تحبه , وتنافس في القرب منه , وتنفق أنفاسها في التودد إليه , ويكون أحب إليها من كل ما سواه , ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه؟! وكيف لا تلهج بذكره , ويصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذائها وقوتها ودواؤها ؛ بحيث إن فقدت ذلك ؛ فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟!).

أبوخلاد ناصر بن سعيد السيف
1 رمضان 1433 هـ
https://twitter.com/#!/abu_khalad

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: