الشيعة في البحرين (1)

الشيعة في البحرين (1)

يستحق الوجود الشيعي في العالم العربي، وفي دول الخليج العربي على وجه أخص، أن نفرد له مساحة كبيرة، وتخصص له الدراسات والأبحاث، خاصة وأنّ هذا الوجود يكتنفه الغموض، وتثور حوله التساؤلات، ويتم استغلاله استغلالاً سيئاً من أجل الإساءة إلى أهل السنة وإقصائهم من الحياة السياسية والاجتماعية كما حدث في العراق مؤخراً.

ولعلّ ما جرى في العراق من تضخيم لنسبة الشيعة هناك، والهجوم المتعمد على السنة وتصويرهم بأنهم أنصار صدام، وتحميلهم وزر جرائم صدام حسين قد مهّد لأن يقوم الشيعة وبالتعاون مع الأمريكان بالانقلاب على أهل السنة وتهميشهم، وإعطائهم ما لا يناسب عددهم من المقاعد الوزارية والتواجد في الحكم، كل ذلك كان يتم استناداً إلى أسس خاطئة وتضخيم للوجود الشيعي، وتقليل لعدد السنة هناك، وهو ما جعلنا نخصص دراسة مستقلة بعنوان “الشيعة والعراق”، تم نشرها في العدد الأول من “الراصد”، تناولت الوجود الشيعي هناك، وأصوله، وفنّدت قضية الأكثرية الشيعية، التي قام البعض برفعها في خيالاتهم إلى 80%، وأوهموا البسطاء بها، حتى غدت في أنظار الكثيرين كالحقائق المسلم بها.

وفي هذا العدد نفتح ملفاً آخر، نخصصه لدولة خليجية صغيرة في مساحتها، كبيرة في أحداثها، حيث يلعب الوجود الشيعي في دولة البحرين دوراً خطيراً في رسم الأحداث التي تدور في هذه الجزيرة، فقد لعبت قضية “الأكثرية” الشيعية في البحرين دوراً في أعمال العنف والتخريب التي طالتها من قبل الشيعة، وبلغت حدَّ المطالبة بإلغاء النظام الملكي واقتفاء النموذج الإيراني، كل ذلك تم بفعل انتشار مقولة “الأكثرية” وترويجها لأغراض سياسية واضحة، وهو الأمر الذي نحن بصدد مناقشته ودراسته حيث أننا سنتطرق إلى الوجود الشيعي في البحرين وكيفية دخول التشيع إليها، والهيئات والتيارات الشيعية العاملة هناك، وعلاقة هذه التجمعات بإيران، وأثر العلاقات البحرينية الإيرانية على شيعة البحرين، وستشمل سلسلة “التجمعات الشيعية” دولاً خليجية وعربية أخرى كالكويت والسعودية واليمن ولبنان…، وفيها نعرض تواجدهم والاختلاف الذي طرأ على أحوالهم وصعودهم المستمر ونظرتهم إلى بلدانهم.

لمحة تاريخية:

في قديم الزمان، كان يطلق على البلاد الواقعة على الساحل الغربي للخليج العربي كلها اسم “البحرين”، أو بالأحرى المنطقة الواقعة بين مسقط والبصرة، ثم اختزل الاسم، وصار مقصوراً اليوم على تلك الجزيرة الرابضة في قلب الخليج العربي، وقد كانت فيما سبق تسمى “أوال”، وهو صنم لبكر بن وائل وأخيه تغلب، فسميت الجزيرة باسم صنم أوال، لأن بني وائل مع عبد قيس كانوا يسكنونها في ذلك الزمان.

وقد كانت البحرين، أي البلاد التي على الساحل من البصرة إلى مسقط مستعمرة فارسية قبل الإسلام وفي السنين الأولى من البعثة النبوية، فقد بسطوا نفوذهم عليها سنة 615م ولكنّ حكامها كانوا غالباً من أمراء العرب، وكان سكانها من المجوس واليهود والنصارى ومن عرب نجد، وأكثر هؤلاء من عبد قيس ووائل وتميم.

وفي السنة الثامنة للهجرة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه الكرام وهو العلاء بن الحضرمي ليدعو أهل هذه البلاد إلى الإسلام، ودخل في دين الله خلق كثير، إلا أنهم ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق العلاء الحضرمي والجارود بن عبد القيس لتأديب المرتدين وانضم إليهما خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعادت بلاد البحرين إلى الإسلام.

وأما هذه الجزيرة فقد دالت للخلفاء الراشدين ثم لبني أمية ومن بعدهم لبني العباس، ولكنها لم تخلص من الاغتصابات، ومن هؤلاء الخوارج وصاحب الزنج والقرامطة وغيرهم.

ونظراً لموقعها المميز، وأهميتها لخطوط الملاحة وانتشار الزراعة وصيد اللؤلؤ، فقد تسابق إليها الفاتحون في قديم الزمان([1]).

وفي العصور الحديثة، سيطر العمانيون والبرتغاليون عليها ويعود سبب الوجود الاستعماري الغربي في هذه المنطقة إلى الاتفاقيات المشبوهة التي عقدتها الدولة الصفوية الشيعية مع الدول الاستعمارية وعلى رأسها البرتغال وأسبانيا والمجر والبندقية من أجل القضاء على الدولة العثمانية، ووقف فتوحاتها في أوروبا، وقد كان عهد الدولة الصفوية بشهادة الجميع هو عهد إدخال قوى الاستعمار في المنطقة حيث مهّدت لها الطريق، وفي نفس الوقت أعاقت فتوحات العثمانيين، وشغلتهم عن مهامهم الكبرى([2]).

كانت الدولة الصفوية الشيعية التي حكمت إيران بدءاً من سنة 906ه (1500م) يقلقها أن ترى دولة الخلافة العثمانية منطلقة في فتوحاتها شرقاً وغرباً لنشر الإسلام وتوسيع رقعته، فبدأت بمناوشة العثمانيين واستفزازهم، وتوجيه الطعنات لهم من الخلف، وحياكة المؤامرات، وخاصة في عهد الشاه إسماعيل الصفوي، ونشب القتال بين العثمانيين والصفويين في موقعه جالديران سنة 1514م، وانتهت المعركة بهزيمة نكراء للصفويين، إلا أنها لم تنه الوجود الصفوي، فأخذ الشاه إسماعيل الصفوي يقيم العلاقات مع الدول الغربية من أجل القضاء على العثمانيين، وتمت بينه وبين البوكرك، الحاكم البرتغالي في الهند اتفاقية نصّت على أربع نقاط:

1-تصاحب قوة بحرية برتغالية حملة إيران على البحرين والقطيف.
2-تتعاون البرتغال مع إيران في إخماد حركات “التمرد” في بلوشستان ومكران.
3-تتحد الدولتان في مواجهة الدولة العثمانية.
4-تصرف حكومة إيران (الصفوية) النظر عن جزيرة هرمز، وتوافق على أن يبقى حاكمها تابعاً للبرتغال، وأن لا تتدخل في أمورها الداخلية([3]).

ونتج عن ذلك أن احتل البرتغاليون البحرين من سنة 1521م إلى سنة 1602م، ثم استولى عليها بعد ذلك الإيرانيون الفرس وحكموها بشكل متقطع حتى سنة 1783 عندما تمكن عرب عتبة من طرد الإيرانيين منها، وعائلة آل خليفة الحاكمة تنحدر من قبيلة عتبة، وقد دخلوا في اتفاقيات حماية مع بريطانيا حتى إعلان الاستقلال سنة 1971([4]).

سكان البحرين:

دأب الشيعة على رفع نسبتهم في جميع البلدان التي يقيمون فيها لأسباب سياسية لا تخفى على أحد، ومن تلك الدول البحرين التي بالغ البعض بالقول بأن الشيعة العرب منهم ذوي الأصول الإيرانية يشكلون 60 إلى 65% من إجمالي السكان!

وقد جاء في تقرير مركز ابن خلدون حول الأقليات لسنة 1993 أن سكان البحرين ينقسمون إلى ثلاث مجموعات:

العرب الشيعة ونسبتهم 45% من مجموع السكان، والعرب السنة ونسبتهم كذلك 45% أما الإيرانيون 8%، وثلثهم سنة والثلثان من الشيعة، وبذلك يصل الشيعة العرب والإيرانيون إلى حوالي 52%، أما السنة العرب والإيرانيون البلوش فنسبتهم 48%([5]).

إلا أن تقرير ابن خلدون ذاته الصادر سنة 1999([6]) قام برفع نسبة الشيعة في البحرين إلى 70%، وهي نسبة غير واقعية ومنافيه للواقع السكاني في البحرين، ولم يذكر التقرير الأسس التي استند عليها لرفع نسبة الشيعة من 52% إلى 70% خلال 6 سنوات، على الرغم من أنه لم يحصل ما يدعو إلى ارتفاع النسبة بهذا الشكل وخلال هذه الفترة القصيرة، سوى ما عزاه التقرير إلى أن الشيعة معظمهم ريفيون يكثر عندهم الإنجاب وتعدد الزوجات. بالرغم من صحة هذا الأمر الذي يتم بدعم وتشجيع القيادات الطائفية مع التكفل بالمصاريف اللازمة وذلك من أموال الخمس!

والأمر يدعو للغرابة أيضاً إذا علمنا أن المركز قام بالشيء نفسه عند تناول قضية الشيعة في العراق([7]) .

وقد نقل د. خالد العزي في كتابه: “الخليج العربي في ماضيه وحاضره” نداءً وجّهته صحيفة السياسة الكويتية في 5/12/1971 إلى شعوب وحكومات الدول العربية إلى اتخاذ كافة السبل لردع خطر التسلل الإيراني في الأرض العربية، وقالت الصحيفة بأن المتسللين يشكلون طابوراً خامساً ينبغي التقليل من أهمية خطره خاصة بعد احتلال الجزر العربية (الإماراتية)، وصفت خطر التسلل الإيراني بأنه لا يقل خطورة عن التسلل الصهيوني الذي يعتبر أحد أسباب ضياع فلسطين واغتصابها([8])، وقبل ذلك كان مجلس الجامعة العربية، وفي دورته الحادية والأربعين 31/3/1964 بحث موضوع الهجرة الأجنبية إلى إمارات الخليج وطلب من الدول المعنية تقييدها والتبصر بالأخطار التي تواجهها([9]).

إذاً لا يخفى أن زيادة عدد الشيعة في الخليج عامة والبحرين خاصة كان بسبب الهجرة الإيرانية المتزايدة إلى بلدان الخليج أثناء الحكم البريطاني، في ظل غفلة أهلها وتساهل شيوخ الخليج، بل إن بعض الذين زاروا البحرين أو كتبوا عنها في بدايات هذا القرن يذكرون صراحة أن الوجود الشيعي هو وجود أجنبي، يقول أمين الريحاني في كتابه “ملوك العرب” الصادر سنة 1924 ص721 ما يلي: وهي (البحرين) على صغرها عامرة بمئتي ألف من العرب والأعاجم من الشرق والغرب، بيد أنها لا تزال عربية الأصل والحكم، عربية اللغة والروح، لأن أكثر سكانها من العرب الأصليين، عرب نجد، وفيهم من المذاهب الإسلامية المالكي والشافعي والحنبلي والجعفري، أما الجعفريون فهم مثل الهنود يعدون من الأجانب لأنهم إيرانيون أو إيرانيو التبعية.

وقد جاءت نتائج الانتخابات البلدية والنيابية سنة 2002، وحصول الشيعة في الأولى على 23 مقعداً من 50 وعلى 13 مقعداً من أصل 40 مقعداً في الثانية، لتعطي صورة تقريبية عن حجم الشيعة في البحرين، فإذا كان حصولهم على أقل من ثلث مقاعد المجلس النيابي بسبب مقاطعة بعض تنظيماتهم للانتخابات يبدو مفهوماً بعض الشيء، فإن حصولهم على أقل من نصف مقاعد البلديات في الانتخابات التي شارك فيها جميع قطاعاتهم تبطل نظرية الأغلبية الكاسحة أو المطلقة.

العلاقات البحرينية الإيرانية وأثرها على شيعة البحرين

عند الحديث عن علاقات البحرين بإيران وأثرها على شيعة البحرين نقف عند حقيقتين هامتين هما:

1-أن إيران بعد ثورة الخميني سنة 1979 أصبحت قبلة الشيعة في العالم، ووضعت نفسها وصيّة على الطوائف الشيعية في كل مكان، وكذلك الطوائف الشيعية جعلت من  إيران نموذجها وقدوتها، وهذا لا يمنع وجود تيارات وهيئات شيعية تعادي إيران أو لا تعترف بولايتها لأسباب ترجع للتنافس على الزعامة مع الخميني بالدرجة الأولى، وهذا هو أيضاً سبب انشقاق مجاهدي خلق على الثورة الخمينية وغيرها من التيارات والشخصيات الشيعية، ولم تكن المشاعر الشيعية تجاه إيران محصورة بدولة الخميني، إنما كانت الدولة الصفوية التي حكمت إيران بدءاً من سنة 906ه (1500)م  تمارس الدور ذاته.

2-أن الجاليات الشيعية في العالم وفي دول الخليج خاصة تتأثر سلباً وإيجاباً بعلاقات بلدانهم مع إيران، خاصة وأن هذه الجاليات تستخدم من قبل إيران لتنفيذ مخططاتها في هذا البلد أو ذاك.

ولقد كانت العلاقات الإيرانية البحرينية مثالاً للتوتر والشكوك في معظم فتراتها، بسبب أطماع إيران في هذه الجزيرة واعتبارها جزءاً من أراضيها، وعدم الاعتراف بجوازات السفر التي كانت تصدرها البحرين، واعتبارها إحدى المحافظات الإيرانية…، بل واحتسابها من إرث ممكلة فارس التي ورثتها إيران اليوم.

ولا يقتصر النهج العدائي هذا على جزيرة البحرين، بل قامت إيران باحتلال ثلاث جزر تتبع دولة الإمارات العربية المتحدة هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، سنة 1971 وسنة 1992، وما زالت إيران تحتلها حتى اليوم وترفض التخلي عنها.

ولعلّ تصريح رئيس وزراء إيران سنة 1944 حاجي ميرزا أغاسي ما يوضح حقيقة النظرة الإيرانية إلى الخليج فيقول: ((إن الشعور السائد لدى جميع الحكومات الفارسية المتعاقبة بأن (الخليج الفارسي) من بداية شط العرب إلى مسقط بجميع جزائره وموانيه بدون استثناء وبدون منازع ينتمي إلى فارس))([10]).

وهذا خلاف ما يذكره المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون فيقول: “إن البحرين كانت مرتبطة مصيرياً بالإحساء، فهي لا تبعد أكثر من 24كم، بينما يتجاوز بعدها عن إيران 200كم”([11]).

وقد حكم الإيرانيون البحرين بشكل متقطع من سنة 1601 إلى سنة 1783 عندما تمكن آل خليفة من طردهم من بلادهم، والحكم الصفوي يشكل مرحلة من مراحل الأطماع الإيرانية في هذه الجزيرة، وقد سارت إيران في عهد البهلويين على المنوال نفسه، فقد كان شاه إيران محمد رضا بهلوي دائم التهديد للبحرين، ويعتبرها جزيرة إيرانية، وقد هدّد بضمها إلى بلاده، إلا أن بريطانيا التي كانت تحتل البحرين آنذاك ساهمت في وقف المخطط الإيراني، مقابل غض الطرف عن استيلاء إيران للجزر الإماراتية الثلاث، إلى أن جاء الاستفتاء الشهير سنة 1971، والذي أيّد فيه معظم البحرينيين الاستقلال.

ومع قدوم ثورة الخميني سنة 1979، تبنت إيران مبدأ تصدير الثورة، وهو أن تنشر مذهبها وفكرها بالقوة، واصطدمت بالعراق ودخلت معه في حرب مدمرة استمرت 8 سنوات، وأما دول الخليج العربية فقد نالها من الأذى والتخريب الإيراني الشيء الكثير، وكان الخميني يقول: ((إن العرب حكموا المسلمين وكذلك الأتراك وحتى الأكراد، فلماذا لا يحكم الفرس وهم أعمق تاريخاً وحضارة من كل هؤلاء؟))([12]) .

وفي بداية الثورة الإيرانية انقسم شيعة البحرين إلى قسمين:

الأول: صغير محافظ، كان يطالب ببعض الإصلاحات وتحسين أوضاع الشيعة.

الآخر: كبير، كان يطالب بالإطاحة بالنظام الملكي وتشكيل جمهورية تسير على النهج الإيراني([13]).

ويذكر ريتشارد دكمجيان أن شيعة البحرين بسبب أصلهم الفارسي([14]) أحسوا بشيء من الغربة في البحرين، وفي نفس الوقت آثروا الاقتراب من إيران، وقد حاول الخميني –خلافاً لجهود الشاه في ضم البحرين- أن يثور الشيعة للقضاء على آل خليفة، وكانت الأداة الرئيسة “الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين”، وكان من قادتها هادي المدرسي الذي أبعدته السلطات البحرينية، وبعد إبعاده اشتغل ببث التطرف وسط شيعة البحرين واتهم بأن له دوراً في محاولة انقلاب سنة 1981([15]) .

والشيعة في البحرين يفتخرون بأنهم وقفوا مع استقلال البحرين سنة 1971، ويذكرون هذا دليلاً على ولائهم لبلادهم وعدم تبعيتهم لإيران، كما جاء في مقابلة مع المعارض البحريني الشيعي عبد الوهاب حسين([16]) ، إلا أن ذلك الحماس للبقاء مع البحرين، كان الدافع إليه هو الصراع القائم بين رجال الدين الشيعة والشاه، والعداء المتبادل فمن غير المعقول لدى الشيعة آنذاك أن يطالبوا بإلحاق البحرين إلى إيران الشاه وهم يسعون في الوقت نفسه إلى إزاحته، فقد كان الاستفتاء في أيام الشاه، وقبل قدوم ثورة الخميني بثمان سنوات، وهي الثورة التي رآها الشيعة في مختلف أنحاء العالم النموذج والقدوة، وسرعان ما أثارت هذه الثورة الشجون في نفوس شيعة الخليج، وفي شيعة البحرين على وجه الخصوص وأثارت فيهم الرغبة بالتبعية للوطن الذي صار قبلة لشيعة العالم، وتجسّد ذلك في أعمال العنف والتخريب التي مارسها شيعة الخليج طيلة سنوات الثمانينات وجزءاً من عقد التسعينيات، حيث باتت أعلام إيران وصور قادتها خميني وخامنئي وأعلام حزب الله اللبناني التابع لإيران مشهداً مألوفاً في أنشطة وتظاهرات شيعة البحرين.

وكانت المعارضة الشيعية قد بدأت في تنظيم صفوفها في وقت مبكر، خاصة عقب قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 ونشرها لفكرة تصدير الثورة، حيث تشكلت أولى حركات المعارضة الشيعية في البحرين “الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين” في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ثم تشكلت بعدها كل من “حركة أحرار البحرين الإسلامية” التي تتخذ من لندن مقرّاً لها، و”حزب الله-البحرين” الذي كانت السلطات البحرينية تنظر إليه بوصفه تنظيماً سياسياً شيعياً تابعاً لسلسلة تنظيمات أنصار الثورة الإيرانية في الخارج “منظمات حزب الله”([17]).

وبعد الأحداث الدامية التي اندلعت في سنوات التسعينات، وكان أشدها سنة 1994 بين الشيعة والسلطات البحرينية، هدأت الأمور سنة 1999 مع استلام الشيخ حمد بن عيسى مقاليد السلطة خلفاً لوالده عيسى بن سلمان.

ودخلت البحرين مرحلة جديدة، فتم تحسين الأوضاع الداخلية والعفو عن المعتقلين السياسيين وإطلاق الحريات، وأخذ الشيعة يستفيدون من الوضع الجديد، ومن ذلك تأسيسهم للجمعيات، وهي تمارس العمل السياسي، حيث لا يسمح في البحرين بتشكيل الأحزاب.

وبالرغم من تبعية الكثير من شيعة البحرين لإيران، إلا أنه جدير بالذكر أن هناك قطاعاً هاماً يرتبط بحكام البحرين ارتباطاً كبيراً، ولا يدينون لإيران.

المؤسسات الشيعية في البحرين:

1-جمعية الوفاق الوطني الإسلامية:

وهي امتداد ووريث لحركة أحرار البحرين المعارضة خارج البحرين، ويرأس الجمعية الشاب علي سلمان ونائبه هو حسن مشيمع، وتعتبر الجمعية التيار الرئيس في أوساط شيعة البحرين، وقد اعتبرت المحرّك الأساسي لصدامات 1994-1998 مع السلطة، كما أن الجمعية كانت هي المحرك الرئيس لمقاطعة الانتخابات النيابية سنة 2002 على الرغم من أن البرلمان المنتخب كان دوماً من أبرز مطالبها.

وفي لقاءات صحفية، ينفي رئيس الجمعية وجود علاقة بين الحركة الشعبية في البحرين، وبين النظام القائم في إيران، كما أنه قال في افتتاح المؤتمر الأول للجمعية بأنها تعمل ضمن النظام القائم في البحرين، مما يوحي بولاء شيعة البحرين لدولتهم.

وهذا ينسجم مع تحويل إيران لسياستها الخارجية من تصدير الثورة إلى الانفتاح الثقافي، والذي كان صداه لدى التجمعات الشيعية هو المناداة بالوطنية والحقوق للمواطنين المظلومين من الآخرين!

2-جمعية العمل الإسلامي:

تيار شيعي محدود، وتعد امتداداً للجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، ويرأسها محمد علي المحفوظ، الذي كان قد شنّ هجوماً على الجمعيات السنيّة مثل المنبر والشورى والأصالة واصفاً إيّاها بأنها تحقق النتائج المرجوّة منها، وقد قامت الجمعية بمقاطعة الانتخابات النيابية سنة 2002.

3-جمعية الرابطة الإسلامية:

شيعية مقربة من الحكومة، فاز منها عضوان في الانتخابات النيابية الأخيرة.

4-جمعية أهل البيت:

شيعية، تم الاحتفال بافتتاح مقرها الجديد في 20/5/2003 في مدينة المحرق، من مسؤوليها عبد الله حيدر ومحمد الفردوسي، ولها موقع (أهل البيت نت).

5-جمعية الرسالة الإسلامية:

تتبع خط المدرسي والشيرازي، وقد عقدت في نهاية اكتوبر سنة 2002 المؤتمر النسائي الأول، واتصلت خلاله بهادي المدرسي وهو من مؤسس النشاطات الرسالية في البحرين منذ السبعينات، كما أنها أصدرت بياناً شديداً ضد منظمة مجاهدي خلق لاحتجازهم لفترة من الوقت المرجع الشيعي محمد تقي المدرسي أثناء وجوده في العراق، كما أنها قامت بحملة لجمع التبرعات مع جمعية أهل البيت أثناء الحرب الأمريكية على العراق.

6-جمعية التوعية الإسلامية:

يرأسها عبد الوهاب حسين، وتعتبر بمثابة الجناح الثقافي والاجتماعي لجمعية الوفاق، كون هذه الأخيرة أقرب ما تكون إلى حزب سياسي، كانت تعتبر امتداداً لخط “حزب الدعوة” وأغلقتها السلطات سنة 1982.

وإضافة إلى تأسيس الجمعيات وممارستها للعمل السياسي والثقافي والاجتماعي، فإن مظاهر أخرى بارزة تشير إلى ممارسة الشيعة لدور كبير في البحرين، منها:

1-تأسيس وصدور صحيفة الوسط اليومية التي يرأس تحريرها المعارض الشيعي السابق منصور الجمري، وهو نجل رجل الدين المعارض عبد الأمير الجمري.
2-المشاركة الحكومية في المناسبات الشيعية كعاشوراء والمآتم، ودعمها وتسهيل دخول المشاركين فيها من دول أخرى كإيران والعراق وسوريا.
3-عودة المعارضين الشيعة من الخارج، وممارستهم لحياتهم الاعتيادية داخل البحرين، ومنهم الجمري والعلوي وعلي سلمان.
4-القرار الحكومي بتدريس المذهب الشيعي الجعفري في المدارس، وتعيين مدرسين لذلك في مختلف المراحل.
5-تطور العلاقات بين البحرين وبعض الهيئات الشيعية في الخارج كمؤسسة الخوئي في لندن التي استطاعت تنظيم مؤتمر للتقريب بين الشيعة والسنة في البحرين في شهر سبتمبر (أيلول) 2003.

الانتخابات البلدية والنيابية:

في ظل الأجواء الانفتاحية التي شهدتها البحرين بدءاً من سنة 1999، تم في العام 2002 إجراء انتخابات المجالس البلدية في 9/5/2002، وانتخابات المجلس النيابي في 24/10/2002.

في الانتخابات البلدية حصل السنة على 27 مقعداً من أصل 50، فيما حصل الشيعة على 23 مقعداً.

وفي الانتخابات النيابية التي قاطعها جزء من الشيعة بسبب عدم أخذ الحكومة لبعض اقتراحاتهم ومنها: بعض التعديلات الدستورية التي سلبت السلطة التشريعية صلاحياتها وتعيين مجلس موازٍ للمجلس المنتخب له نفس الصلاحيات، ومنع الجمعيات من ممارسة العمل السياسي، وهذا المطلب الأخير تراجع عنه ملك البحرين وسمح للجمعيات فيما بعد بطرح مرشحين وممارسة العمل السياسي، حصل السنة على 27 مقعداً من أصل 40، فيما حصل الشيعة على 13 مقعداً، في المجلس المنتخب، أما الشق الثاني من المجلس، وهو المجلس المعيّن، فقد تمّ تعيين 38 سنيّاً وشيعياً مناصفة، فيم تم تعيين مسيحي ويهودي في المقعدين المتبقيين من أصل 40 مقعداً.

وفي الحكومة التي شكلت بعد إجراء الانتخابات النيابية، عين العديد من الشخصيات الشيعية فيها وأبرزها:

1-مجيد العلوي وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية.
2-محمد علي الستري وزيراً لشؤون البلديات، وكان قبلها مديراً للأوقاف الجعفرية.
3-خليل حسن وزيراً للصحة.
4-عبد الحسين ميرزا وهو أول وزير بحريني من أصل إيراني.

——
([1]) أمين الريحاني، ملوك العرب، الجزء الثاني ص720 وما بعدها. و د. عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس ص 301-302

([2] ) أبو الحسن علوي عطرجي، الصفويون والدولة العثمانية، ص48.

([3] ) المصدر السابق ص49.

([4] ) وجاء دور المجوس ص301-302.

([5] ) ص302.

([6] ) ص 195.

([7] ) انظر التفاصيل في بحث “الشيعة والعراق” المنشور في العدد الأول من (الراصد).

([8] ) ص243.

([9] ) الخليج العربي دراسة موجزة ص61.

([10] ) وجاء دور المجوس ص302.

([11] ) نقلاً عن كتاب (الخليج العربي دراسة موجزة) ص51.

([12] ) انظر مقال: خطط الشيعة لحكم قطر، الوطن العربي 26/7/2002.

([13] ) مجلة مختارات إيرانية ، فبراير 2003 ص91.

([14] ) شيعة البحرين خليط من أصول عربية وفارسية وينحدر معظم العرب من الإحساء، في شرق الجزيرة العربية –المحرر-

([15] ) الأصولية في العالم العربي، ص213 وما بعدها.

([16] ) الوطن العربي 6/12/2002.

([17] ) شفيق شقير – الجزيرة نت 24/10/2002.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: