الصومال تحتضر

الزراعة وتربية الماشية هما الموردان الأساسيان لمعظم الصوماليين، وبما أن الماء غير متوفر فالزراعة وتربية الماشية معدومتان، وبالتالي نزح مئات الآلاف من الصوماليين من قراهم أفرادا وجماعات بحثا عن الماء وعن فتات الطعام. رحلة شاقة اكتسحت الأرواح ومعظمها لأطفال دون الخامسة من العمر.

عندما نجتمع كأسرة على مائدة الإفطار هل يرد على أذهاننا إخوة لنا في الصومال، هل نتوقف عند حالة جنوب الصومال التي تعيش هذه الأيام أقسى مجاعة شهدها العالم منذ ستين عاما؟ فضعف الحكومة وهشاشتها والحروب الأهلية المستمرة منذ عشرين عاما ضاعفت من آثار الكارثة التي تشهدها الصومال حاليا، فقد نتج عن قلة الأمطار في أربعة مواسم متتالية جفاف كاسح، قضى على الحياة فيها، وعندما أقول قضى على الحياة أعني ما أقول، فأهلها الفقراء في الأصل يعيشون على الزراعة وتربية الماشية، وهما الموردان الأساسيان لمعظم الصوماليين، وبما أن الماء غير متوفر فالزراعة وتربية الماشية معدومتان، وبالتالي نزح مئات الآلاف من الصوماليين من قراهم أفرادا وجماعات بحثا عن الماء وعن فتات الطعام. رحلة شاقة اكتسحت الأرواح ومعظمها لأطفال دون الخامسة من العمر، هذا وفق مصادر أميركية رسمية، والتي أكدت أن 29 ألف طفل صومالي ماتوا خلال الثلاثة أشهر الماضية.

ولأني كغيري أثق بالدكتور “عبدالرحمن السميط” رئيس (جمعية العون المباشرة) حفظه الله وكثر من أمثاله، بحثت عنه وعن دوره في ما يحصل لإخواننا في الصومال، إذ كنت على يقين أنه في معظم الوقت يعيش بينهم، وهذا ما حصل، لقد تحدث إلينا كعادته ببساطة يفهمها القاصي والداني، تحدث عن واقع شاهده وعايشه، وكان أكثر ما قاله وردده ليس تحفيزا للتبرع بقدر ما كان تحفيزا لحمد المولى سبحانه على عظيم نعمه علينا، والحث على الدعاء لأهل الصومال، لقد قالها الدكتور عبدالرحمن حقيقة مدوية “يؤلمني أنه بقيمة رصاصة واحدة يطلقها عابث على إنسان بريء أو إنسان لا يعرفه تكفي لإطعام ثلاثة أشخاص وإنقاذهم من الموت جوعا ذلك اليوم، فما بالك بالسلاح نفسه والمدافع والدبابات وإلى غير ذلك، أسأل الله تعالى أن يفتح صدور إخواننا في المنطقة فيوقفون القتال والاقتتال بين الإخوة وأدعو الله أن يهديهم إلى ما فيه الخير” وبيّن حفظه الله أنه من المتوقع أن يموت في هذه الفترة أكثر من مليوني شخص، بل حتى لو تحركنا بسرعة فسنحتاج حوالي شهرين لنرى الأثر الإيجابي، فالأمر صعب للغاية.

ذكر الدكتور السميط أن العاملين في مجال الإغاثة قد يرون موتى يفقدون أرواحهم جراء الجوع، لكن الحاصل في الصومال هذه الأيام هو الموت بسبب العطش، ثم يذكر حادثة تظهر الحالة المأساوية التي وصل إليها جنوب الصومال والقرن الأفريقي الذي يشمل كلا من الصومال، وكينيا، وأثيوبيا، وجيبوتي، فقد ذكر الدكتور عبدالرحمن: “لقد عمدنا لنقل الماء إلى بلد صومالية اسمها (حوا) بواسطة وايتات مياه، وعندما أوصلنا المياه للأهالي هجمت علينا مجموعة كبيرة من القرود، وبدأت معركة بين الأهالي وبين القرود، فالأهالي أغلبهم إن لم يكونوا كلهم لم يذوقوا الماء خلال يومين، والقرود كذلك، صارت لها عدة أيام في الغابة لم تذق الماء، فالقضية كانت حياة أو موت بالنسبة للطرفين، وهكذا سقط جرحى، وسقط قتلى من الطرفين مع الأسف الشديد، ويؤلمني أن أرى حيوانا يموت من العطش وفي مثل هذه الظروف، ولكن يؤلمني أكثر أن أرى أخي الإنسان أيا كان.. يموت من العطش وفي مثل هذه الظروف..” صراع من أجل البقاء نتج عنه الكثير من الموتى والكثير من الجرحى، صراع دار بشراسة بين الإنسان والحيوان، دار هناك في الصومال، نحن إن كنا غافلين بالأمس فاليوم لسنا كذلك.

صراع كهذا قد نشاهده في أفلام الكرتون، لكن مع اختلاف جوهري فالمتصارعون عادة ما يكونون من فئتين مختلفتين من الحيوانات، لكننا أمام صراع فريد من نوعه، صراع ينتهى بموت عطشى من الطرفين البشر والقرود! وأقسم بالله أنه لو لم يكن الدكتور السميط هو من روى هذه الحادثة لما صدقتها، فأن أعيش في وقت يتصارع فيه إخوة لنا مع الحيوانات كطرفين متكافئين، أمر أكبر من أن يصدق! ونحن بحمد المولى سبحانه علمنا بتبرع المملكة العربية السعودية الحكومي بمبلغ 60 مليون دولار لشراء الغذاء والدواء، ولكننا كمواطنين أين موقعنا من الإعراب؟ فلو تبرع كل منا ولو بالقليل لجمعنا لإخواننا في الصومال الكثير، ولعل المفتي العام للمملكة العربية السعودية يدرس إمكانية تحويل صرف جزء زكاتنا من الداخل إلى الصومال، ولعل حكومتنا الرشيدة تفتح الأبواب أمام حملة شعبية عامة للتبرع للصومال، على أن يشارك تلفزيون السعودية والقنوات السعودية الخاصة بهذه الحملة، ومحطات الإذاعة، أبرأ لذمتنا أمام المولى سبحانه، ولعلنا نعمد لإرسال التمور ففيها قيم غذائية عالية جدا، ويمكن حفظها لفترة طويلة، ولعلنا عندما نفكر بإعداد مائدة الإفطار نشكر المولى سبحانه على الأمن والأمان، ونبتعد عن الإسراف المقيت.

وأختم كلامي بقول المولى سبحانه: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى) اللهم أعنا على ذكرك وطاعتك وحسن عبادتك، وأعن إخواننا في الصومال وفي غيرها، وارفع عنهم البلاء وانشر بينهم الأمن والأمان، واهد ولاة أمورهم لوقف الاقتتال والتفرغ لما فيه صلاح الشعب الصومالي.. فالصومال تحتضر.

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: