وصفة إرشادية لـ (عزلة شرعية)

كثيراً ما نشعر بأعباء الحياة، ومشاغلها ومشاكلها، ولربما تأتينا ساعات لا يحب أحدنا أن يجلس فيها إلاَّ مع نفسه، خصوصاً حينما يشعر بعدم الارتياح في مخالطته للناس، أو وقوع الأذى عليه منهم، أو كثرة الابتلاءات التي تواجهه في حياته، فيكون راغباً بالعزلة، مستأنساً مع نفسه، مبتعداً عن أعين المخلوقين.

ومع تسليمي بأنَّ مخالطة الناس في الأعمال الواجبة شرعا كالصلاة والحج والزكاة، لا سبيل لتركها ألبتة فهي من أركان الدين التي لا يقوم الدين إلاَّ بها، وكذلك فإنَّ مخالطة الناس للدعوة إلى الله أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مجال العمل أو الوظيفة أو ذهاب المرء لقضاء حوائجه أو حوائج الآخرين التي لا بد منها فلكل ذلك مكانة عالية في الشريعة.

ومن جوانب مخالطة الناس المفيدة: مساعدتهم والصبر عليهم فلذلك أجر جزيل، فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : (حوسب رجل ممن كان قبلكم . فلم يوجد له من الخير شيء . إلا أنه كان يخالط الناس . وكان موسرا . فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر . قال : قال الله عز وجل : نحن أحق بذلك منه . تجاوزوا عنه)([1]).

ولذلك فإنَّ مخالطة الناس والقيام بشؤونهم، والصبر عليهم، ولو حصل منهم على الشخص نوع من الأذى الذي يلحقه، فإنَّ ذلك خير مِمَّن اعتزلهم كليَّة خشية أذاهم، انطلاقاًَ من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)([2]).

بيد أنَّه من الجميل لطالب العلم أو الداعية أن يكون له وقت طويل في العام يبتعد فيه عن دنيا الناس مطلقاً إلا لواجب شرعي أو حياتي، ويقضي وقته ذاك خالياً مع ربه ومحاسباً لنفسه، فـ:(لابد للعبد من أوقات يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَشْارَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَهَذِهِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى انْفِرَادِهِ بِنَفْسِهِ ؛ إمَّا فِي بَيْتِهِ ، كَمَا قَالَ طاوس : نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَكُفُّ فِيهَا بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِ بَيْتِهِ . فَاخْتِيَارُ الْمُخَالَطَةِ مُطْلَقًا خَطَأٌ وَاخْتِيَارُ الِانْفِرَادِ مُطْلَقًا خَطَأٌ . وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ فَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَدَّمَ )([3]).

يقول الإمام الخطابي رحمه الله : (ولسنا نريد – رحمك الله – بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبيلها، ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر‏)([4]).

إذا تقرَّر ذلك، فإنَّ ترك فضول مخالطة الناس الزائدة عن حدها هو السبيل القويم لإصلاح القلب، وارتقاء الروح، وغذاء العقل، وتزكية النفس.

ولذا حبَّذت شريعة الإسلام الاعتكاف في أواخر رمضان، للمسلمين الصائمين؛ وذلك لكي تحلق الروح مع أجواء الإيمان، وتبتعد النفس عن أحاديث الإنسان، وتنقطع العلائق عن الخلائق للتفرغ لعبادة الخالق، ومع هذا فلقد صرنا نلحظ قلَّة المهتمين بإحياء هذه السنَّة المهجورة من أكثر المسلمين.

ولعل مما يعين على عزلة شرعية ما يلي:

(مناجاة الله تعالى والخلوة معه)

وذلك في كل صباح ومساء وترطيب اللسان بذكره، وليكن لك ورد في قيام الليل ابتغاء وجه ربك وشوق المشتاق لرؤيته… فابتعد عن نظر الناس جميعا في عبادتك حتى من أهلك؛ لكي تستشعر حلاوة المناجاة، ولذَّة التعبد، وبرد اليقين، والطمأنينة بعبادة رب العالمين، وتذكَّر حديث السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظل إلا ظله وقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنّ منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)([5]).

ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا * سر أرقُّ من النسيم إذا سرى

ولعلَّك تشعر بالأنس بالله، وحلاوة الحديث إليه، والانكباب على طاعته، فلعمر الله لا أجمل ولا أحلى ولا أبهى ولا أرقى من ساعات خلوة تناجي بها رب العباد، وتدع الناس وحالهم في حالهم، وتتمثَّل بأبيات من الشعر قالها أحد الصالحين:

دعوني أناجي مولى جليلاً * إذا الليل أرخى عليَّ السدولا
نظرت إليك بقلب ذليل * لأرجو به يا إلهي القبولا

يقول ابن رجب رحمه الله: (وجدتُ أكثرهم لا يقوى على مخالطة الخلق فهو يفر إلى الخلوة ليستأنس بحبيبه ، ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة .
وقيل لبعضهم : ألا تستوحش ؟ قال : كيف أستوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني ؟.
وقال آخر : وهل يستوحش مع الله أحد ؟.
وكان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد فعاتبه أخوه فقال له : إن كنت من الناس فلا بد لك من الناس، فقال : يحيى : إن كنت من الناس فلا بد لك من الله)([6]).
إنَّ خلوتك مع الله، تعطيك قيمة نفسك، وتشعرك بمدى تقصيرك معه سبحانه وتعالى، فأنت تقبل على الناس ولربما تنسى الإقبال على ربك، وتطلب من الناس وتغفل عن الطلب من إلهك، وتتودد للبشر وقد نسيت التودد لربك(الودود)، وتشتكي للخلق أحوالك فلم يفيدوك وتذهب تلاحق الكثيرين منهم وقد يجفونك، وربك تعالى يناديك ويقول لك: (من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ ومن يستغفرني فأغفر له ؟) ونحن جيمعاً غافلون عن ذلك.

يقول الإمام ابن القيم: (إذ استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنس الناس بأحبائهم فأنس أنت بالله، وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله)([7]).

فما أحرانا أن تكون لنا مجالس نخلو بها مع ربنا تبارك وتعالى ، لمزيد من الحسنات، واستغفاراً لربنا حينما نقترف السيئات، وما أجمل ما قاله مسروق الأجدع رحمه الله: (إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكرُ ذنوبَه ويستغفر منها)([8]).

إنَّ من أكبر أسباب صلاح القلب طاعة الله تعالى في السر، حيث لا يراك إلا هو، فلن يقع في قلبك شيء من الرياء والغرور، بل أنت تتذلل بين يديه، وتنكسر إليه، وتخضع وتلجأ إليه، وتستشعر صلاح قلبك بالخلوة بربك، كما قال حذيفة المرعشي رحمه الله القائل: (إن أطعت الله في السر أصلح قلبك، شئت أم أبيت)([9])!

كم من شخص يصلي؟!
وكم من رجل يحج ويعتمر ويتصدق وينفق؟!
لكنَّ القليل منهم من يجد في نفسه طعم الافتقار إلى الله، والانكسار بين يديه، مع أنَّنا فقراء إليه.
فالله تعالى يقول:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْـحَمِيدُ) [فاطر: 15]. ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام يعترف بذلك أمام ربه ويقول: (رَبِّ إنِّي لِـمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ” [القصص: 24].
وحينما يربط العبد نفسه بربه عبر هذا الطريق، ويعرف أنَّ طريق الافتقار إليه (حقيقة العبوديَّة ولبّها)([10])، فيتذلل العبد إلى ربه ويتودد، لسان حاله:

يا رب عبدك قد أتاك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنوب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفوك من عقابك ملحفا
يا رب فاعف وعافه فلأنت أولى من عفا

يتحدث الإمام ابن قيم الجوزية عن بعض العارفين فيقول: (دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه، وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما أن وضعت قدمي على عتبته فإذا هو سبحانه أخذ بيدي وأدخلني عليه)([11]).

(القراءة والمطالعة)

جلوسك مع الكتاب، ولو على تراب، خير لك من كثير من الأصحاب، فأنت حينما تقرأ في علوم العلماء، وحِكم الحكماء، تستطعم تلك الساعات الرائعة التي لا يقدرها من لا يعرفها، ويفرط بها كثير مِمَّن يعرفها، ولربما يستأنس الشخص أو يُقنع نفسه بأنَّ جلوسه مع بعض الفارغين لتسلية نفسه قد يجد بها أنسأً وراحة، فما إن ينقلب لبيته حتَّى يشعر بتأنيب الضمير، وتقريع الذات، ويتمنَّى لو أنَّه بقي في مكانه، ولم تستدرجه نفسه للنزول لذلك المنزل الذي أضاع وقته فيه.

وكم كان الإمام ابن المبارك فقيهاً حينما تحدَّث بعض الناس معه قائلين له: (ما لك لا تجالسنا؟! فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه. ومتى رزق العالم الغنى عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذة. وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات)([12]).

وإنَّ خير ما يقرؤه الشخص ويخلو به لمرضاة ربه، مطالعة كتابه تعالى فإنَّ القلوب المؤمنة، لا تنشط إلاَّ بمطالعة كلام الذكر الحكيم، والقرآن المبين، ففيه شفاء للصدور، وغذاء للروح، ومتعة للفكر، وغاية في التفقه، وهو كلام لا يمكن لأحد أن يباريه أو يجاريه، فهو كلام الرب الرحمن تبارك وتعالى، ولئن كانت أول كلمة نزلت على نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم في القراءة بلفظ (اقرأ) فلقد كانت ذات دلالة على قراءة القرآن الكريم، الذي فرَّط بمطالعته أكثر المسلمين، ونخشى أن نكون كما قال تعالى: (وقال الرسول يا رب إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً).

(الاستماع للقرآن)

إنَّ المرء حين تنساب فيه روح الإيمان، ويتنسَّم عبيرها وعبقها، ويتذوق حلاوتها، يحب أنَّ يُجري ذلك على كثير من أعضاء جسده، ومنها : (استماع الأذن)، حيث يقوم الخالي مع نفسه، باستماع شيء من كلام الله تعالى، ولنا أسوة في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعن عبدالله بن مسعود قال: “قال لي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – وهو على المنبر: (اقرأْ عليّ))، قلتُ: أَقْرَأُ عليك وعليك أُنْزل؟ قال: (إني أحبُّ أنْ أسمعَه من غيري)، فقرأتُ سورة النساء، حتى أتيتُ إلى هذه الآية: ( َكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41] قال: (حَسْبُك الآن)، فالْتَفَتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان”([13]).

إنَّ الاستماع لآيات الذكر الحكيم، والأذكار اليوميَّة، والأدعية الثابتة الصحيحة، لتعطي للنفس بهجة، وللصدر سعة وانشراحاً، والقلب أنساً بالله، وهي تؤثر في الوجدان وتساعد في تحلية القلب بحب الله عزَّ وجل.

إنَّ لسماع آيات القرآن الكريم فوائد قد لا يتوقعها أحد وحتَّى تخفيف التوتر، وتهدئة النفوس من القلق والأرق، ولقد (أثبت ذلك الدكتور القاضي بعد سلسلة من التجارب الدقيقة التي أجراها في عيادات أكبر في فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية أن مجرد استماع المسلم لآيات من القرآن الكريم ـ سواء كان من المتحدثين باللغة العربية أو بغيرها ـ يأتي بجميع التغيرات الفسيولوجية الدالة على خفض التوتر والقلق ونزول السكينة وزيادة المناعة ضد الأمراض وغيرها من التغيرات التي فصلناها من قبل كنتائج باهرة لممارسة (التأمل الارتقائي). وأثبتت هذه التجارب التي استخدم فيها الدكتور القاضي أحدث أجهزة المراقبة الإلكترونية لضغط الدم وسرعة ضربات القلب وقوة شد العضلات ومقاومة الجلد للتيار الكهربائي، أن لتلاوة القرآن أثراً مهدئاً واضحاً في 97% من الحالات)([14]).

(تربية الأهل والأولاد من خلال عزلتك)

حينما تكون معتزلاً أغلب الخلق لربما تكون من أماكن عزلتك (بيتك الذي يؤيك) فإنَّهم حينما يشاهدونك وأنت في خلوتك مع ربك، قانتاً تائباً، ذاكراً مخبتاً منيباً، لن تذهب هذه (التربية الصامتة) سدى، ولن تضيع هدراً، فإنَّه لربما أثَّرت فيهم عبادتك في خلوتك مع ربك أكثر من محادثتك لهم مع أهميتها كذلك، وكم تحدَّث الأبناء عن كثير من آبائهم الصالحين حينما كانوا يفتقدونهم في أواخر الليل فيجدونهم وهم يصلون لربهم في جوف الليل، ويناجونه في روائع الأسحار، ويقرعون أبواب السماء بدعاء رب الأرباب، كل ذلك سيكون نموذجا للتربية مرسخاً في نفوس الأولاد.

ولعمر الله إنَّها التربية الفاعلة في قلوب أصحابها، وإنَّها لأجدى من مائة موعظة حينما يرى الابن أباه وهو في خلوته مع ربه يتضرع إليه ويتبتل، وتنثال الدموع من عينيه وتنهمر، وهو يقول: ربي، ربي: أرجو رحمتك، وأبتغي رضاك، فاغفر لي، و(هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرَّة أعين واجعلنا للمتقين إماما) إنَّ هذه التربية لن تضيع هدراً وسترسخ في قلب ذلك الولد ولو طالت السنين.

لقد ذكر عبد الله بن الإمام أحمد : رُبَّما سمعت أبي في السَّحَر يدعُو لأَقوام بأسمائهم، وكان يكثر الدُّعاء ويُخفيه، ويصلِّي بين العِشاءين ، فإذا صلَّى عِشاء الآخرة ، ركع ركعات صالحة، ثُمَّ يُوتر وينام نومة خفيفة، ثُمَّ يقومُ فيصلِّي وكانت قراءته لَيِّنة، رُبَّما لم أفهم بعضها، وكان يصوم ويُدمن، ثُمَّ يُفطرُ ما شاء اللهُ ، ولا يتركُ صوم الإثنَين والخمِيس وأيَّام البيض، فلمَّا رجع من العسكر، أدمن الصَّوم إلى أن ماتَ.([15])

(القيام بعبادة التفكر)

إطراق ساعة أو ساعات من التفكير الدائم في صنع الله ومخلوقاته وآياته وآلائه في هذا الوجود، والكون الفسيح، من أكبر فوائد وفضائل العزلة الشرعيَّة، ولك في هذا الوجود عبرة، من بعد إلقاء النظرة، قال تعالى:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)…..

(أيها المؤمن يا سعد الوجـود * أنت بالإيمان في الدنيا ملك
فاخلص النيـة لله الذي من * تراب الأرض هذي صورك
وافتكر في الكون وانظر وسعه * وتبصر يا أخي هذا الفلك)([16]).

عبادة التفكر في أحوال الأمة وآلامها وآمالها، إنَّها بحاجة لك أيها العابد الصالح المبصر لواقع أمَّتك، فأعط هذه الأمَّة من وقتك نصيباً في إصلاحها وكيفية النهوض بها، فلعلَّ الله تعالى يبعث منك قائداً يعزَّ الله به المسلمين، ويكون عوناً على طاعة الله ومرضاته، ولعلَّه تعالى يفتح عليك بما تفيد به دينك وأمتك، بعد الخروج من عزلتك الوقتية، فإنَّ هذه العزلة ستفيدك كثيراً في مجال دعوتك لاحقاً، مِمَّا تضفيه على نفسه من أنوار الحكمة وطلائعها.
لقد كان سلفنا الصالح ـ رحمهم الله ـ من أشدِّ الناس عناية بعبادة التفكر، والتشجيع عليه، فلقد صح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّه قال :(تفكر ساعة خير من قيام ليلة)([17]).
والشافعي يوصي قائلا:(استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر)([18]).

وحين قيل لإبراهيمَ بنِ أدهم: إنَّك تطيل الفكرة ؟ فأجاب: (الفكرة مخُّ العقل)([19]).

ويقول الحسن البصري: (ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت)([20]).

وقال ابن عطاء الله في حكمه:(ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكره)([21])

هكذا كانوا ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ يقومون بعبادة التفكر، وآليَّة التعقل، لكي يقوموا بما افترضه الله تعالى عليهم، من فريضة غيَّبها كثير من المسلمين.
ومن شدَّة اهتمامهم بالتفكر أنَّه لربما خرج الرجل من منزله لا يريد سوى التفكر في خلق الله تعالى لكي ينال العبرة، فلقد نُقل عن أبي سليمان الداراني قوله: (إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة ولي فيه عبرة)([22])

تأمل في الوجود بعين فكر*** ترى الدنيا الدنيئة كالخيـال
ومن فيها جميعًا سوف يفنى*** ويبقى وجه ربك ذو الجلال

إنَّ لعبادة التفكر طرقاً كثيرة فيتفكر المرء في نفسه ويتبصر في طريقة صنع الله تعالى لها، ويتفكر في هذه السماء والأرض، ويتفكر في البحر وأمواجه، والجبال وارتفاعها، والسهول وانخفاضها، وتناسق الكون الذي خلقه الله تعالى وسجوده إليه.
لقد أكدت أحدث دراسة نفسية أجراها د.جون كلارك أستاذ علم النفس بجامعة «بافلو» الأمريكية؛ حيث تنصح دراسة جون كل من يعاني بالتشتت الذهني والحيرة وعدم الاستقرار النفسي بقليل من «الصوم عن الكلام»، والانعزال والتأمل والاسترخاء يوميا؛ حيث يختلي الإنسان بنفسه؛ ليفكر ويتأمل بهدوء، مراعياً «الفراغ» أو فاعلاً «لا شيء»؛ ليطهر نفسه، ويريح عقله الذي يعاني من الازدحام، وتكدس المعلومات التي يتلقى منها الملايين بمقياس الكومبيوتر في الدقيقة الواحدة، وسيجد أن تلك الطريقة أفضل من الاعتماد على الأدوية والعقاقير، فالصمت يكسبنا الكثير من الفضائل والقيم الإنسانية، على حد تعبير جون.([23]).

(التربية الذاتية)

إنَّ سلوك التربية الذاتية، والرقابة الخاصة على النفس، وتأديبها وصقلها وتهذيبها مما علق بها من أوضار المخالطة للناس أو الإساءة إليهم، ومحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة، سبيل من سبل العزلة المناسبة، وإنَّ جلوساً كهذا من خير أنواع المجالسة للنفس، فإنًَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:(المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)([24]).

إنَّ جلوس المرء مع نفسه ومحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة، من الأعمال القلائل التي يهتم بها الناس في عصرنا الذي عرف بأنَّه عصر العجلة والسرعة، فمحاسبة المرء لنفسه تبصره بعيوبه ، وتوضح له جوانب تقصيره في حقِّ الله تعالى، وتذكر قوله عز وجل:( بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره).

وإنَّ خلوة الشخص مع نفسه، تعوِّدها ألاَّ تستجيب لكل ما تريد، بل يلزم نفسه وجسده ذلك، ليستفيد منها فوائد عدَّة، من أهمها: تربية النفس، وتأديبها، ومحاسبتها، ودعاء الله تعالى أن يغفر ذنوبه وخطاياه.
وكما يحب أن يغفر الله ذنبه، فإنَّه يحاول أن يسامح الآخرين الذين أخطؤوا في حقه، ويستغفر لهم، ويعود نفسه على ذلك، لعلَّ الله تعالى يجعل ذلك سبيلاً لدخول الجنة.

من نال مني أو علقت بذمته * سامحته لله راجي منته
كي لا أعوق مسلماً يوم الجز* اء ولا أسوء محمداً في أمته

(المكث في المسجد)

إنَّ جلوس العابد في المسجد والتبتل لربك بذكره ومناجاته ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، من أروع ساعات العمر التي تمر على المرء المسلم، ويكفيه فخراً أن الإسلام عدّ ذلك من قبيل الرباط حيث ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط([25] ).

إنَّ جلوس الشخص العابد في المسجد معتزلاً الخلق، ومقبلاً على الحق، وهو ينتظر الصلاة، أو يقرأ القرآن، أو يستغفر ويذكر ربه كثيراً عمل مشروع يثاب عليه صاحبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ (أي : ما دام منتظرا للصلاة) وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ )([26]).

ولعلك قلبك يكون معلقاً بالمسجد فتنال شرف قوله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… وذكر منهم : ورجل قلبه معلق بالمساجد)، وتأمل حال الربيع بن خثيم وأنسه بجلوسه في المسجد حيث يقول: (أنا بعصافير المسجد آنس مني بأهلي!)([27]).

(الصمت وقلَّة الكلام)

في عزلتك تتعلم الصمت وقلَّة الكلام؛ لكي تتعود على ذلك في مجالستك للآخرين، ولا تتحدث معهم إلا بما يفيد أمراً بمعروف أو نهيا عن منكر أو إرشاداً في مسألة أو مؤانسة محب، وإلا فاربط على فمك بالرباط، فاللسان بحاجة إلى لجام قال بعض الحكماء : (لا شيء أحق بالسجن من اللسان وقد جعله خلف الشفتين والأسنان ومع ذلك يكثر القول ويفتح الأبواب!! ).

وتذكر حديث رسول الله الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟، قال صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)([28]) ومِمَّا قاله إسماعيل بن أمية: (كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل لنا أنَّه يؤيد)([29]).

وكان وهب بن منبه يقول: (المؤمنُ يخالطُ ليعلمَ، ويسكتُ ليسلمَ، ويتكلمُ ليفهمَ، ويخلو لينعُمَ)([30]).
فرحم الله سلفنا الصالح:

إذا سكتوا رأيت لهم جمالاً * وإن نطقوا سمعت لهم عقولا

إن أكبر مشكلة تقع للكثيرين من الدعاة وطلبة العلم، أن تطول مجالسهم في غير فائدة، ولربما انقلب شيء منها للغيبة والكلام الذي لا يليق، مع أنَّ سلفنا الصالح كانوا يحذرون من ذلك ويقولون كما قال محمد بن شهاب الزهري: (إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب)([31]).
قال ابن القيم:(ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام ، والظلم، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغيرذلك؛ ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ، حتى يُرَى الرجل يشار إليه بالدين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول)([32]).
إنَّ من فوائد التعود على إيثار السكوت والصمت، التأمل في القرارات التي يريد أن يتخذها الشخص، وعدم الاستعجال في اتخاذها بل التأمل في عواقبها ونتائجها، ومقايستها بمثيلاتها، فتكون هذه العزلة مجالاً للتأمل والتفكر قبل صدور أي قرار في وضح النهار وبعيداً عن الاختلاط بالناس وقد تكون الصورة غير واضحة له تماما لأنَّه بحاجة لهدوء تام، وتفكير هادئ، وهذا لا يجده صاحبه إلاَّ وقت العزلة الوقتية الشرعية.

(قرع أبواب السماء بالدعاء)

يمكن أن تستثمر عزلتك وتستفيد منها بالإلحاح على الله في الدعاء، وسؤاله كل ما تريد من أمور الدين والدنيا والآخرة، ولتكن لك ساعات طويلة في مثل ذلك.. تستشعر حينها طعم الذل بين يدي الله والانطراح على عتبة العبودية، وإنَّ من أكبر مشكلات هذا العصر أنَّ الناس يعيشون فيه في دوامة الخلطة، فلقد انتفت كثير من خصوصياتهم وبات كثير منهم منهمكاً ومنشغلاً بالآخرين، وقلَّما يتذكر حقوق ربه عليه، فلربما ينسى الله فينسيه الله نفسه ، قال تعالى:{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ }[الحشر: 19].
يقول ابن القيم رحمه الله: ( تأمَّل هذه الآية تجد تحتها معنىً شريفاً عظيماً ، و هو أنّ من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه ، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه ، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطّلاً مهملاً بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصلحها منه. والمقصود أن العلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته)([33]).

(الانقطاع عن الناس ( قليلاً) لمن كان مشهوراً أو مشغولاً بهم)

العزلة الشرعية مفيدة لك خصوصا إن كنت مشهوراً، أو معروفاً بين الناس، فهي تحجمك عنهم لمدة وتبصرك بعيوبك وخفاياك، وتجعلك قادراً على تأنيب نفسك وتأديبها، وعدم انسياقها خلف ملذاتها وشهواتها ، ففي البعد عنهم في كلِّ سنة ولو لشهر أو شهرين فوائد لصقل شخصيتك ، وإراحة بالك، والبعد عنهم كل يوم ولو لساعات مفيد لك في محاسبة نفسك ، ورؤيتك عيوبك أمامهم وذنوبك تجاه ربك.
كما أنّ في العزلة بُعدُ عن خلطاء السوء وتضييع الأوقات، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق : (باب: العزلة راحة من خلاط السوء).
فعلى الداعية كذلك أن يجعل لنفسه حظاً ونصيباً من عبادة ربه، والله تعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليله * نصفه أو انقص منه قليلاًُ * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً* إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إنَّ ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً * إن لك في النهار سبحا طويلاً* واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) ففي الليل والنهار لابد لسالك طريق العبودية من ساعات يخلو فيها مع ربه تعالى، ويستثمر وقته في طاعة الله تعالى.

إذا كنتُ أعلم علماً يقينا **** بأن جميع حياتيْ كساعة
فَلِمْ لا أكونُ ضنيناً بها **** وأصرِفُها في صلاحٍ وطاعة

أورد الإمام مسلم في صحيحه حديثاً عظيماً به قصة وعظة وعبرة، حيث إنَّ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان في إبله . فجاءه ابنه عمر . فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب . فنزل . فقال له : أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم ؟ فضرب سعد في صدره فقال : اسكت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي)([34]).
إنَّ من عجيب ما طالعته في سير الصالحين ما نقله ابن الجوزي عن طلحة بن مصرف حيث (كان قارئو القرآن يقرؤون عليه القرآن فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك فمشى إلى الأعمش وقرأ عليه فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة)([35])!
إنَّ من الروائع الجميلة التي كان يقوم بها علماء الإسلام سابقاً أنهم إن أشكلت عليهم مسألة، اعتزلوا الناس وخلوا بأنفسهم، وأكثروا من الاستغفار لعلمهم أنَّ نسيان العلم بسبب الذنوب، كما قال تعالى (فإن تولوا فاعلم أنَّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) وهذا دليل على أن تولي الإنسان عن الذكر سببه الذنوب، ولكن مع الاستغفار وصدق النية يُيسر الله الأمر، واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى (إنَّا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما* واستغفر الله إنَّ الله كان غفوراً رحيما) أنَّه ينبغي للإنسان إذا نزلت به حادثة، سواء في إفتاء أو حكم قضائي، أن يكثر من الاستغفار لأنَّ الله قال (لتحكم) ثم قال (واستغفر الله) وهذا ليس ببعيد؛ لأنَّ الذنوب تمنع من رؤية الحق، قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)([36]).

ولقد جاء في طبقات الحنفية (كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله ورضي عنه: إذا أشكلت عليه مسألة قال لأصحابه: ما هذا إلا لذنب أحدثته! وكان يستغفر، وربما قام وصلى ، فتنكشف له المسألة، ويقول: رجوت أنه قد تيب علي. فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاء شديداً ثم قال: ذلك لقلَّة ذنبه؟، فأما غيره فلا ينتبه لهذا!)([37]).

وهذا الإمام الجليل ابن تيمية رحمه اللَّه يقول عن نفسه: (ربما طالعت في الآية الواحدة مائة تفسير)؛ ثم يسأل اللّه قائلاً : (يا معلم آدم وإبراهيم علمني)، وينطلق إلى المساجد المهجورة حيث لا يراه أحد، يمرغ وجهه فـي التراب افتقاراً، وانكساراً للَّه سائلاً الفهم، قائلاً : (يا معلم إبراهيم علمني . يا مفهم سليمان فهمني).

قال أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى : (أنوار العلوم لم تحجب من القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن ذلك، بل لخبث وكدورة، وشغل من جهة القلوب؛ فإنها كالأواني مادامت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء ، والقلب المشغول بغير اللَّه لا تدخله المعرفة بجلاله)([38])
لهذا حينما ندرك سر التقوى، وفضل عبودية المراقبة، وأنَّ البداية والنهاية في طلب العلم وحسن الفهم، اقتباساً من قوله تعالى:(وَََاتَّقُواْ اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
إنَّ العبد عندما يرى أنَّ الله منحه شيئاً من العلم فعليه أن يشكر نعم الله عليه لكي تقر النعمة ولا تفر، ولقد قال أبو قلابة (إذا أحدث الله عز وجل لك علماً فأحدث له عبادة، ولا يكن همك ما يحدث به الناس)([39])

(العزلة وقت الفتنة راحة عن بلاياها)

إن كنت في وقت فتنة وهرج ومرج واختلاف وقيل وقال، فعليك بالعزلة فوالله إنها أفضل ألف مرة من مخالطة قد يتندم الرجل فيها على كلمة أو فعلة لم يحسب الشخص لها حساباً، وخصوصا لمن لم يكن قادراً على مواجهتها بالقدرة الشرعية والنفسية.

بل إن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ العبادة في الفتن واختلاف الناس، فيها فضل كبير، حيث روى الصحابي الجليل معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العبادة في الهرج كهجرة إلي)([40]).

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به )([41] )
وعندما كثرت الفتن في وقت الإمام سفيان الثوري أنشأ يقول:
(ما العيش إلا القفل والمفتاح
وغرفة تصفقها الرياح
لا صخب فيها ولا صياح)([42])
فالبعد عن الفتنة خير سبيل لعدم الولوج فيها، فمن ولج فيها أخذته ومن يستشرف لها التقمته.
يقول سفيان بن عيينة قال : حدثني عبد الله بن المبارك وكان عاقلا، عن شيوخ أهل الشام قال: من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولا ، لم ينج منها آخرا و إن كان مجاهد)([43]).

فتبصّر ولا تُشِم كلّ برقٍ *** ربّ برقٍ فيه صواعق حين
واغضض الطرف تسترح من غرام *** تكتسي فيه ثوب ذل وشين
فبلاء الفتى موافقة النف*** س وبدء الهوى طموح العين

إنَّ من فضائل العزلة الشرعية أنًَّ الرجل إن لم يستطع أن يقول كلمة خير، أو أن يفعل فعلاً صائباً فلا عليه إلاَّ أن يكف شره على الناس ويدل على ذلك الحديث الذي رواه أبو سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه فقال: قال رَجُلُ أَيُّ النَّاسِ أفضل يا رسولَ الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : (مُؤْمِنٌ مجَاهِدٌ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ في سبيل اللَّه) قال: ثم من ؟ قال : (ثم رَجُلٌ مُعتَزِلٌ في شِعْبٍ مِن الشِّعَاب يَعبُدُ رَبَّهِ)، وفي روايةٍ: (يتَّقِي الله، ويَدَع النَّاسِ مِن شَرّْهِ)([44]).
كما ورد في ذلك حديث عظيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري ومسلم عن أبي ذر -رضي الله عنه وأرضاه- قال: {سألت النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، قلت: فإن لم أستطع؟- أي لم أستطع أن أجاهد في سبيل الله، ولا أن أقوم بإعتاق هذه الرقاب الغالية النفيسة – قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، -والأخرق هو من لا يجيد ولا يحسن الصناعة ويحتاج إلى مساعدة الناس له- قلت فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من شَرِّك، فإنها صدقة منك على نفسك)([45]).

(ختاماً)

هذه ومضة من نتائج الفكر، وإشراقة من حديث القلب وحفيفه، انثالت كقطرات الندى أرجو أن تلامس قلوب أهل الصلاح والرضى، فيقوموا بها خير قيام، ويدعوا لصاحبها كثير الآثام، والله تعالى هو الموفق والمستعان.

——————————-
[1] ) أخرجه مسلم .
[2] ) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي – واللفظ له – من حديث ابن عمر، وحسَّنه ابن حجر، وصحَّحه أحمد شاكر والألباني والأرناؤوط.
[3] ) “مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (10/426)
[4] ) العزلة للإمام الخطابي : ص11،12.
[5] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[6] ) كشف الكربة في وصف أهل الغربة، لابن رجب.
[7] ) الفوائد، لابن القيم : ص152.
[8] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي:(2/97).
[9] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (4/270).
[10] ) مدارج السالكين، لابن القيم: (2 / 439).
[11] ) مدارج السالكين، لابن القيم : (2/ 430).
[12] ) صيد الخاطر، لابن الجوزي ، ص394.
[13] ) متفق عليه.
[14] ) كتاب التفكر من المشاهدة إلى الشهود للدكتور مالك بدري : ص59، نقلاً عن : بحث للدكتور أحمد القاضي بعنوان : ( تأثير القرآن على وظائف الجسم البشري وقياسه بواسطة أجهزة المراقبة الإلكترونيَّة) والمنشور في فلوريدا عام 1984م ،
[15] ) سير أعلام النبلاء، للذهبي : (11 / 224).
[16] ) قصيدة ملوك الإيمان للشيخ الشاعر: عائض القرني – وفقه الله لهداه – .
[17] ) رواه الإمام أحمد وابن المبارك في الزهد، ورواه ابن أبي شيبة موقوفا على الحسن البصري.
[18] ) إحياء علوم الدين، للغزالي (4/425).
[19] ) إحياء علوم الدين، للغزالي : (4 / 424).
[20] ) مفتاح دار السعادة ، لابن القيم : (1 / 183).
[21] ) شرح الحكم العطائية، لعبد المجيد الشرنوبي: ص25.
[22] ) تفسير ابن كثير : (1 / 438).
[23] ) موقع ملتقى الخطباء، ورابطه:
http://www.khutabaa.com/index.cfm?method=home.kndetails&knid=329
[24] ) أخرجه ابن ماجه ، وحسَّنه ابن حجر والسيوطي، وصحَّحه الألباني.
[25] ) أخرجه مسلم.
[26] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[27] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (3/66).
[28] ) أخرجه الترمذي في سننه وقال هذا حديث حسن، وصححه ابن معين والألباني.
[29] ) أخبار مكَّة، للفاكهي برقم : (1528) ووردت كذلك هذه المقولة، في ترجمة عطاء في سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية.
[30] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي: (4/68).
[31] ) حلية الأولياء/ لأبي نعيم الأصبهاني برقم :(4602).
[32] ) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم: ص: 235.
[33] ) مفتاح دار السعادة ، للإمام ابن القيم :( 1 / 86).
[34] ) أخرجه مسلم .
[35] ) صفة الصفوة، لابن الجوزي : (3 / 36).
[36] ) الشرح الممتع، لابن عثيمين: (1/ 16)
[37] ) طبقات الحنفية، لعلي القاري : (2/ 487)
[38] ) إحياء علوم الدين، للغزالي.
[39] ) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، برقم: (799)
[40] ) أخرجه مسلم.
[41] ) أخرجه البخاري ومسلم.
[42] ) العزلة، للخطابي ص:27.
[43] ) تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي : (7 / 190).
[44] ) أخرجه مسلم.
[45] ) أخرجه البخاري ومسلم.


خبَّاب بن مروان الحمد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: