التحرش بالموظفات شرقًا وغربًا

بسم الله الرحمن الرحيم


نشرت وكالات غربية دراسة مفادها أن المملكة العربية السعودية تحتل المركز الثالث عالميًا من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل؛ حيث أشارت إلى أن 16% من النساء العاملات في السعودية تعرضن للتحرش من قِبل المسؤولين في العمل، مدعية أن نسبة التحرش في السعودية أعلى بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وإسبانيا وبقية الدول الأوروبية، فيما جاءت الهند على قائمة الترتيب بنسبة تصل إلى 26%، تلتها الصين بنسبة تصل إلى 18%، في حين كانت النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية 8%. 

أما فرنسا والسويد فجاءتا في ذيل القائمة؛ حيث كشف المسح أن قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل في فرنسا والسويد تعدُّ الأقل عالميًا؛ حيث لا تزيد على 3%، وتلتهما بريطانيا وأستراليا بنسبة 4%!!

والسؤال الملحُّ هنا:
كيف تصل نسبة التحرش في بلد إسلامي تتستر نساؤه أو أغلبهن، ولا يصل حجم تبرجهن وتعريهن إلى ما وصلت إليه المرأة الغربية، كيف تصل هذه النسبة إلى هذا المعدل المرتفع، متخطية تلك النسبة مثيلاتها في الدول الغربية التي تفتح الباب واسعًا أمام العلاقات غير المشروعة بين الرجال والنساء؟! هل انخفضت تلك النسبة هناك لأن الإنسان الغربي صار معتادًا على رؤية المرأة سافرة متبرجة كاشفة عن كل جسدها أو بعضه، فلم يعد في حاجة إلى التحرش بها؛ حيث يستطيع الحصول عليها في كل وقت وحين؟!
هذا المنطق هو ما يروِّج له الليبراليون ودعاة تحرير المرأة وخروجها للعمل مخالِطةً الرجال، ومقتحِمةً ما لا تقدر عليه من أعمالهم، فهم يصرخون من حين لآخر: اسمحوا لها بمخالطتكم في العمل، ولن تجدوا أثرًا لوساوسكم الشهوانية عنها، اسمحوا لها بالسفور والتبرج والتزين وتعرية بعض الجسد وسوف تنقشع غشاوة أعينكم وترونها على حقيقتها من كونها كائنًا بشريًا لا يثير الشهوة، إلا لكونه مخفيًا متواريًا عن الأنظار تحت البرقع واللباس الفضفاض.. هكذا يزعمون، وهكذا يروجون.

ولكن هذا الكلام هو محض افتراء وتدليس؛ فإن كان الأمر كذلك فلماذا يلجأ أحدهم إلى الاغتصاب وعنده المرأة سلعة تُباع وتُشترى في المحلات، شأنها شأن كيس البطاطس الذي لا يتعدى ثمنه عدة سنتات؟! وتكفينا نظرة سريعة على معدلات الاغتصاب في أمريكا مثلاً؛ حيث يتم اغتصاب 683 ألف امرأة سنويًا، أي بمعدل 78 امرأة في الساعة، علمًا بأن 16% فقط من حالات الاغتصاب يتم الإبلاغ عنها!!

وإن كان الانفتاح في العلاقة الشهوانية يقلل منها، فلماذا يملأ الشاب الغربي غرفته وحاسوبه بصور وأفلام النساء العاريات من كل صنف ولون؟! ولماذا ترتفع معدلات الدخول على المواقع الجنسية في البلدان المتفسخة في علاقات الرجال والنساء رغم إتاحة إقامة علاقة جنسية مع أي فتاة، حتى ولو قابلها الشخص بصورة عابرة؟! ولا تزال عالقة بالأذهان تلك الصورة التي اعتادت الأفلام الغربية على تقديمها؛ حيث يتقابل رجل وامرأة في أي مكان، فيتفقان على الخروج للعَشاء، ثم ينتهي المشهد بالمرأة وهي تدعوه إلى شقتها لتناول الشراب، فيشربان الخمر ويبيتان معًا، ثم يخرج من منزلها مباشرة إلى عمله. فهذه صورة تكاد تتكرر تقريبًا في كل فيلم أو رواية أمريكية أو فرنسية أو غربية؛ ما يدل على أنها سلوك طبيعي يمارسه الرجل الغربي بتلقائية وعفوية كما يمارس لعبة البيسبول أو ألعاب الفيديو!!

الأمر على الضد مما يزعم الزاعمون تمامًا، فالتهاون في عدم تقنين الشهوة الجنسية –كما يقول علماء التربية- يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من الشبق والغرق في بحر لا ساحل له من العلاقات غير المشروعة، التي بدأت لديهم بالزنا والعياذ بالله، حتى وصلت حاليًا إلى شرعنة الشذوذ، وإعلان ممارسته في الكنائس دون مواربة ولا مداهنة، بل والتلذذ بممارسة الجنس مع الحيوانات والبهائم، فهو منحنى صاعد غير قابل للنزول، ولا ندري إلى أي مدى يصعد في المستقبل!!

وبالنظر السريع في حال الدول الغربية التي بدأت تدخل هذا المنعطف في أوائل القرن الحالي، نعلم أن منحنى الشهوات يصعد ويصعد إذا لم يجد من يتصدى لصعوده ويقنن انتشاره؛ فقد كانت الكثير من العائلات الغربية تتحفظ على عدم ارتداء النساء في الأفلام الأمريكية والبريطانية للثياب الطويلة في بادئ الأمر، ووصل الأمر بكثير من الآباء لرفض تمثيل بناتهم البالغات في تلك الأفلام بسبب عدم وجود ذلك الحد من الستر، ثم بدأت الأمور من حينها في التدرج؛ حتى وصل بها الحال الآن إلى الظهور في تلك الأفلام عارية تمامًا، بل وممارسة الزنا عيانًا بيانًا وتصويره على أنه من مشاهد للعشق والغرام!!
لذلك فإن الذكر الغربي –ولا نقول: الرجل- يمارس التحرش بالأنثى في كل مكان بلا رادع ولا صادّ، وبنسب مرتفعة للغاية؛ حيث تصل في الولايات المتحدة إلى 83% للفتيات و60% للفتيان، فلماذا لم نقل إذن: “إن عمل المرأة وخروجها وتبرجها وكشفها عن جسدها كان عاصمًا لهؤلاء من الوقوع في مصيدة التحرش الجنسي؟! هذا يضاد ويخالف الفطرة البشرية والنزعة الإنسانية والطبيعة التي خلقها الله تعالى، فالتستر أدعى لمزيد من الاحترام المتبادل بين الطرفين، وأدعى لمزيد من ضبط الشهوة، وكشف العورات داعٍ -لا محالة- إلى مزيد من الفواحش التي أقلُّها التحرش الجنسي”.

أما انخفاض نسبة حالات التحرش في ميادين العمل فقط في البلدان الغربية دون بقية ميادين الحياة –وهو ما أظهرته الدراسة المشار إليها آنفًا- فإنه بسبب الضغط الهائل الذي يمارسه الرؤساء على مرؤوسيهم لإنجاز الأعمال، فالعمل في الدول الغربية ليس كمثيله في دولنا العربية مع الأسف؛ فهم يقدسون العمل ولا يتهاونون في أدائه، أما دولنا العربية والإسلامية فالحال فيها مختلف تمامًا؛ حيث أظهرت إحصائية حديثة أن الموظف العربي يعمل فعليًا في المتوسط 27 دقيقة في اليوم من ثماني ساعات هي دوامه الأصلي، فالموظفون لدينا لديهم من وقت الفراغ في أماكن العمل ما يمكِّنهم من النظر إلى هذه، والحملقة في تلك، والتحرش بالثالثة… وهكذا. ومن يعمل موظفًا في مؤسسة جنبًا إلى جنب النساء يعرف كيف تسير الأمور، وعماذا تدور الأحاديث الجانبية للرجال والنساء على السواء. أما هناك في الغرب فإن ضغط العمل لا يتيح لهم تلك الفرصة إلا قليلاً بنسبة قد تعادل ما جاء في التقرير أو تزيد عليه.

 

التحرش بالموظفات شرقًا وغربًا

محمد الغباشي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: