الهمز واللمز في “طاش”

بسم الله الرحمن الرحيم

الكل سمع أو رأى آخر ما أنتجه مسلسل “طاش”، مما يعد غاية في الاستفزاز والاستنفار لمشاعر الإيمان؛ في الحلقة سيئة الذكر، قبيحة الفكرة والإنتاج: تعدد الأزواج!!.
حيث المرأة لها أربعة من الأزواج “الرجال”!!!.. تتزوجهم واحدا تلو الآخر، ومثل هذا لم يحدث في تاريخ المسلسلات والأفلام منذ نشأتها، ولا في بلد ما.؟!!.
وقد ختم بما ظن القائمون عليه والمشاركون فيه، تخفيفا للتبعة، ورفعا للمسؤولية، بما قالوه: أن غرضهم إشعار الرجل بمعاناة المرأة، إذا ما عدد عليها زوجها، ولو على سبيل الخيال، وليس بقصد الاعتراض على الشريعة، فالهدف: النقد السلوكي لا غير.
وهو نقد بلا شك، لكنه ليس على طريقة المؤمنين ؟!!!.
ولا يرمي أحد أحدا بالنفاق، فذلك أمر علمه إلى الله تعالى، هو المطلع على ما في القلوب، لكن مشاركة المسلم للمنافق في بعض خصاله – وللكافر أيضا – شيء ممكن، جاءت النصوص ببيانه وإثباته، كقوله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة، كانت فيه خصلة من النفاق).
بيّن صلى الله عليه وسلم أن المسلم قد يتخلق ببعض خصال المنافقين، كما يتخلق ببعض خصال الكافرين، دون أن يكون منهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: (ثنتان في أمتي هما بهما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت).
ذلك أنه ليس كل صفات المنافقين والكافرين وأعمالهم، كفر مخرج من الملة. بل يكون منهم الذنوب: الصغائر، والكبائر، والكفر. فمن المسلمين من يوافقهم في الذنوب دون الكفر الأكبر، فإن وافقهم في الذنب المخرج من الملة، صار مثلهم.
والنقد هو: التقويم. والناقد غرضه تقويم ما يراه – في نظره – معوجا، وله طريقان:
الأول: طريق غير المؤمنين، وهو: الهمز، واللمز؛ الذي معناه: الانتقاص واقتناص المعايب. والاستهزاء؛ الذي معناه: الاستخفاف والسخرية.
ذلك لأن غرض هؤلاء التشفي، ودافعهم الضغينة، وأما الإصلاح والتقويم فما وافق هواهم.
لذا فلا يبالي أحدهم إن استفز المشاعر، أو تناولها بسوء القول والعمل.
الثاني: طريق المؤمنين في النقد، وهو: الحكمة، والموعظة، والمجادلة الحسنة.
ذلك لأن غرض المؤمن وجه الله تعالى، وحب النفع للناس، لا المنافع الشخصية، فيحرص على أحسن الكلام؛ ليكون أدعى للاستجابة.
فعمدة المؤمن في النقد والإصلاح: التوقير والاحترام. وعمدة غير المؤمن: الاستخفاف والهمز.
ومما يتفق عليه المتابعون لمسلسلات “طاش” في حلقاتها الناقدة للتيار الديني: أن طريقها ليس طريق: الحكمة، والموعظة، والمجادلة الحسنة. بل طريق: الانتقاص، واقتناص المعايب، والاستخفاف. والدليل في هذا واضح كالشمس:
فإنه يُقدم الإنسان المتدين في هيئة سلبية؛ ضعيف المنطق، عديم الحكمة، فاقد الحجة، متذبذبا، مترددا، أقرب إلى التهريج منه إلى الوقار والاحترام.
هذه الأوصاف غير اللائقة تعرض في قالب فكاهي، يكون المتدين مادته؛ ليضحك الناس من هيئته، ومنطقه، وحركاته. وكل هذا يحمل على الاستخفاف بالمتدينين.
فهذا هو منطق الاستهزاء في هذه المسلسلات.. ونتيجته: التنفير من المتدين.
فكل من يرى ما يعرض في حق المتدينين من انتقاص واقتناص للمعايب، أو اختلاقها، ثم لا يكون فاهما لمواضع الخلل في العرض، يتولد في نفسه بغض وكراهية أو إحجام عن التدين والمتدينين، يظن أن ما رآه سيماهم وأخلاقهم ومنطقهم.
وهذا هو منطق الهمز واللمز في هذا المسلسل.. ونتيجته: النفرة من الدين نفسه، بلا وعي.
وهم في هذه الأعمال قد جمعوا بين التعرض لأخطاء المتدين، أو ما ألصقوه به وهو منه برئ: وبين التعرض للأحكام الإلهية نفسها بالاستخفاف، بدعوى أنها أقوال متشددة، وهي أحكام اتفق العلماء عليها قرونا، ولم يخالف فيها إلا بعض المعاصرين. كلها تقدم في قالب فكاهي، لا فرق بين ما هو خطأ شخصي، وما يكون حكما إلهيا، والأثر لذلك النفرة من أحكام الشريعة. فمن رأى حلقة تعدد الأزواج، إذا لم يكن لديه إيمان أو عقل، أنزل النقد على الحكم الشرعي لا على المتدينين؛ لأن التعدد عرف عند بعض المجتمعات والقبائل، وليس خاصا بالمتدينين، فيتصور حكما جائرا فاسدا أباحه الله تعالى، فيتساءل في نفسه: كيف يبيح الله هذا ؟!!.
وهكذا يكون هذا العمل قد أدى دوره في تبغيض أحكام الله تعالى إلى النفوس.
وليس أحد منزها، فلو كان الخطأ الموجود في الناس حين يؤدون أعمالهم، مبررا صحيحا للهمز واللمز بغطاء النقد، لم يسلم من العيب عمل صالح.. حتى الشعائر، فإن من الناس من يأتي إلى المساجد ليسرق أحذية المصلين، ومنهم من يقصد المزدحمة؛ ليسترق النظر إلى النساء، ومنهم للتسول، ومن يرائي، وكل هذه ظواهر سلبية في بعض المصلين.
فهل يجوز إنتاج مسلسل ناقد يظهر فيه المصلون: سارقين، مغازلين، شحاذين، مرائين؟.
وقس على هذا: الصائمين، والحجاج، والمجاهدين، والمتصدقين. وفي عهد النبوة نبز المنافقون المتصدقين؛ أنهم مراءون: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات}.
إنه عمل غير صالح، ليس له أثر إلا كراهية الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة. حتى لو أنتج إلى جنبه عملا يظهر المصلين خاشعين، قانتين؛ لأن الصورة السلبية ترسخ في النفس أكثر من رسوخ الصورة الإيجابية، وهذا يعرفه علماء النفس، لأن السلبيات مستفزة للمشاعر، تحرك العقل الباطن؛ لتستقر في الذاكرة، ويبقى المتلقي تحت سلطانها بوعي أو غير وعي.
وقد أدت هذا المسلسلات دورا مؤثرا، بحلقاتها المستفزة الساخرة، اللامزة، حتى نفر ناس من شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسارع ناس إلى الزج بمحارمهم في أعمال مختلطة، وحملهن على كشف وجوههن، كيلا يتهم بالانغلاق والتشدد، كل ذلك بالإيحاء النفسي.
في غزوة تبوك، جلس جمع يتحادثون، فكان مما قالوا: “ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء؛ أرغب بطونا، وأكذب ألسنا، وأجبن عند اللقاء”. فنزل على الإثر قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين}
وأحدهم يتعلق بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنما كنا نخوض ونلعب”.
ورسول الله يقول: {أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}.
ولو تأملت ؟!.. لم تجد في كلامهم إشارة؛ لا إلى الله، ولا رسوله، ولا آياته. إنما إلى القراء، فكيف نزل الحكم الإلهي، بأنهم كانوا يستهزئون بالله، ورسوله، وآياته ؟.
هم إنما استهزءوا بالقراء؛ لأنهم صالحين، ولولا ديانتهم ما نالوهم بمثل ذلك، إذن في حقيقة الأمر هم نالوا من الدين، واتخذوا الوسيلة إلى ذلك: هؤلاء القراء من الصحابة.
ولو حللنا القضية من طريق ما يسمى بالنقد، فهؤلاء في أحسن أحوالهم كانوا ناقدين، إن لم يكونوا كاذبين، واتخذوا طريق النقد الساخر بذكر: الأكول، والكذاب، والجبان.
ومن الناس في عهد النبوة من عرف بكثرة الأكل حتى دعا له النبي، وفيهم من لم يكن يقوى على القتال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبقيه بالمدينة، وهذه أحوال بشرية لا تستلزم نقصا في الإيمان، فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وحاشا الصحابة أن يكون فيهم كذاب.
فإذا كان هذا واقعا، فهل عذر الله تعالى المستهزئين بهذا، وقبل منهم نقدهم كونه واقعا ؟.
كلا، إنما حكم بنفاقهم وكفرهم، ولم ينفعهم ما اعتذروا به من المزاح والفكاهة واللعب؛ لأن طريقتهم لم تكن طريقة المؤمنين؛ الخالصة التوقير والاحترام والرحمة للمنصوح. بل طريقة أهل اللمز والهمز: {ويل لكل همزة لمزة}.
إن مبنى الإيمان: تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان، والجمع بينه وبين الاستهزاء بآياته محال.
فإن اتخذ أحد طريقة الهمز واللمز، فإنه إثم يتردد بين الفسوق والكفر.
فإن كان يجهل أن ما يسخر منه، في شخص المتدين، إنما هو حكم الله، وغلب على ظنه، أن بدعة، فهو فسوق؛ لأنه سخرية، والسخرية إثم لو كان بحق، فكيف بالباطل ؟، قال تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.
وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).
وإن عرف أنه حكم الله تعالى، ثم سخر منه، فهذا نفاق، وحكمه ما جاء في الآية.

الهمز واللمز في “طاش”

د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: