شواهد ووقائع يحكيها شاهدٌ بنفسه من شيعة العراق – الحلقة الثانية

شواهد ووقائع يحكيها شاهدٌ بنفسه من شيعة العراق – الحلقة الثانية

لم تكن في فلسفة المذهب الذي وجدت نفسي انتمي إليه أية قاعدة هادئة أو مستقرة تعالج الميول الدينية الفطرية المتنامية في نفسي كأي إنسان يولد في هذه الحياة، فسماحة الدين التي تتوق إليها النفوس تحولت إلى مفردات تتمحور حول الثأر والحاكم الظالم، والحق المستلب، والمؤامرة التي بدأت من (السقيفة)، والأصحاب الخائنون.! الشخصيات السامية والخيرة التي نتعلم عنها في دروس التربية الدينية والتأريخ والقراءة ونحن نجلس على مقاعد الدراسة ونشعر بالفخر أننا ننتمي إليها، تتشوه في أذهاننا عبر كلمات تدخل إلى نفوسنا كالرصاص نسمعها في البيت أو في أحاديث المعارف من أبناء جلدتنا أو في المجالس أو في الكتب التي تخص المذهب.

فالخلفاء الراشدون [رض] تآمروا على علي بن أبي طالب [رض] وسلبوا منه الخلافة، وهو الذي وصى به رسول الله [ص] في خطبة الغدير، وأبو بكر الصديق كان قد أخرج رجله خلسة من باب الغار وهو مع النبي [ص] ليمكّن المشركين من أكتشاف مكانهما.! وعمر بن الخطاب [رض] أحرق بيت فاطمة الزهراء [رض] وعصرها خلف باب دارها وأسقط جنينها المحسن الذي لو ولد لرفع الله العقاب يوم القيامة ولدخل المسلمون كلهم إلى الجنة.! وعثمان بن عفان [رض] لم يكن يعلم من أمر الخلافة شيء سوى أنه يحوك الدسائس للمسلمين، ومن أصحاب (السقيفة).!

وخالد بن الوليد قتل رجلا ليتزوج أمرأته، وصلاح الدين الأيوبي كان ناصبيا (يناصب العداء لآل الرسول) وقد حارب الدولة الفاطمية في مصر.! وهارون الرشيد كان فاسقا وطاغية ومتكبرا ومغترا بالدنيا.! وأبو جعفر المنصور أسمه المنصور الدوانيقي لشدة بخله وحبه للمال، وكان ماجنا كغيره من بني العباس [رض].!!
الخلفاء الراشدون [رض] ما عدا علي بن أبي طالب [رض]، وكذلك الدولة الأموية والدولة العباسية كلهم كفرة وملحدون وفاسقون حاربوا الله ورسوله [ص] وناصبوا العداء لآل بيته [رض].!!
بل حتى جبريل [س] الملك الصالح وناقل الوحي فهو عندنا خائن وقد بعثه الله تعالى بالرسالة إلى علي بن أبي طالب [رض] ولكنه أعطاها إلى محمد [ص].!!

وهكذا فنحن المسلمون العرب أبناء أمة كافرة ومتآمرة، وهذا الدين الذي تدين به هو الدين المحرف، وأن الدين الحقيقي والإسلام الحقيقي هو الذي يدين به الأيرانيون، فهم يسيرون على نهج علي بن أبي طالب [رض] الذي هو الآخر حرفوه حسب أهواءهم وحاشى لنهج أمير المؤمنين الذي يتجسد فيه الإسلام الحقيقي والذي ورثه عنه أولاده وأحفاده عما يروجه هؤرء من تشويه للإسلام.
ومن الأمور التي تدعو ألى التساؤل ” وهذا التسائل أطرحه اليوم وليس بالأمس” هو أن عامة الشيعة لم ينالوا من المغول والتتار والزنادقة والمجوس ولا الصليبيين ولا اليهود مثلما نالوا من المسلمين العرب، وأنبروا للأمة الاسلامية بكل رموزها وتأريخها وفتوحاتها وهم يكيلون لها الذم والمكر والدس والقدح والسب والطعن والتكفير والحقد والكراهية، وبالإستناد لما تقدم فنحن الشيعة نشعر بأننا جزء من أمة غائبة عن الوجود، والذين نتعايش معهم من أهل السنّة أنما هم قتلة أئمتنا وسالبي حقوقنا وناهبي ثرواتنا وعلينا أن نسايرهم إلى أن يأتي اليوم الذي يظهر فيه الإمام المهدي ليخلصنا من جور هذه الأمة الظالمة ويقيم دولة العدل الألهي.!!
وما البرنامج النووي الأيراني اليوم إلا لأمتلاك السلاح النووي الذي سوف يحارب به الأمام المهدي، فنحن الشيعة نعرف أبعاد هذا البرنامج وأهدافه (الكونية) ولكننا من باب (التقية) نقول خلاف الحقيقة وهذا عندنا شيء شرعي وواجب.!

إننا شيعة العراق نشعر ونعتقد بأن أرض العراق (مع الأسف الشديد) التي نمشي عليها فإنها تحت كل شبر منها يدفن سيد أو أمام من آل البيت قتله الحجاج أو المنصور أو يزيد أو عمر بن الخطاب، وهكذا فأن (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء).
فكيف نحرص أو ندافع عن أرض أستلبها أعدائنا ليتحكموا في رقابنا؟!. أن عيوننا تتطلع نحو ايران، فهؤلاء هم المسلمون الحقيقيون الذين يحملون مأساتنا وقضيتنا وصراع وجودنا.!!

لقد كانت الثورة الأيرانية عام 1979 بمثابة الغيث الذي هطل على قلوب الشيعة في العراق، فصار الكل يتابع أخبارها سرا عن طريق المذياع، وصور الخميني قد علّقت على جدران القلوب عندما تعذّر تعليقها على جدران المنازل. وأنتشرت بين أوساطنا الأشاعات بأن الخميني هو الذي سيسلم الراية إلى الإمام المهدي، وكثر الحديث عن رواية للأمام الصادق [رض] بأنه قال: يخرج من قم رجل يقيم نواة دولتنا ويسلم الراية ألى رجل من ولد علي يقيم دولة العدل الألهي “أو هكذا المعنى”. وكل الذين نقلوا لي هذه الرواية يؤكدون على إمارة الخميني والتأكيد على مدينة قم الأيرانية بقولهم بالطريقة العراقية: (يطلع من قم ها).

رأيت الكثير من أصدقلئي الشيعة من يتداول كتب تعلم اللغة الفارسية، وقد تعلمت أنا بعض الجمل والكلمات والأرقام. قال لي أحد المبشرين بالثورة الأيرانية وكان زميل دراسة، متفاخرا ومادحا بأن الخميني اذا ما سيطر على العراق فأن اللغة العربية ستكون اللغة الثانية مباشرة بعد اللغة الفارسية، وقد أستخدم المتحدث يده ولسانه في التعبير وهو يؤكد على كلمة “مباشرة”.
كنا نستمع إلى الاذاعة الأيرانية بشكل يومي نقريبا (وبسرية تامة طبعا) منذ بداية الثورة الأيرانية وإلى أنتهاء الحرب، وقد خصصت كل المحطات الأيرانية أقساما للبث الموجه للعراق خاصة وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، وكلها تصب في التحريض على الثورة بوجه النظام العراقي كإمتداد للثورة التي حدثت في أيران، ومن الحلقات التي أذكرها في أحد برامجها (الجهادية) حلقة في تعليم كيفية صناعة قنبلة المولوتوف.

وعندما بدأت الحرب الأيرانية-العراقية كنت متحمسا كغيري من الشيعة لأحتلال الأيرانيين للعراق، وقد بقيت أراوح ما أمكنني ذلك في مقاعد الدراسة حتى أتأخر عن أكمال دراستي والإلتحاق بالخدمة العسكرية، ليس خوفا من القتل في الجبهة ولكن خشية أن أقاتل الجنود الأيرانيين المحررين.
وعندما كانت تسقط صواريخ الأيرانيين أو تقصف طائراتهم الحربية بغداد فقد كنت أكبّر وأشعر بالغبطة والنشوة، فهذه الصواريخ كانت في نظري صواريخ المسلمين الذين لم يشهد العراق حكومة لهم إلى الآن “وقت الحدث”.!

كنت أبكي وأتألم عندما أرى قتلى الأيرانيين في التلفزيون، ومرة قال لي أحد المقربين: ألا تشاهد أن جثث الجنود الأيرانيين التي تظهر في التلفزيون لا يحط عليها الذباب؟!.
وكنت أحتفظ في البيت ببذلة أحد الجنود الأيرانيين والتي أحضرها أخي من الجبهة والذي كان يقاتل الأيرانيين على مضض ويتحاشى قتالهم ما أمكنه ذلك، وقد وضعت تلك البذلة العسكرية في مكان سري وقد كنا نتبرك بوجودها في البيت، وعندما كنت أدعوا الله تعالى في بعض الأمور فقد كنت أدعوه والبدلة بين يدي كسبب في ضمان أستجابة الدعاء.!

لم أشعر يوما بالخيانة، بل العكس على ذلك فقد كنت أشعر بالوفاء للرسول [ص] وآل بيته الذين (أستلب حقهم أجداد صدام وأسلاف السنّة).!
أنتهت الحرب، البعض يشعر بالأحباط، والآخر يحاول أيجاد تفسيرات مرضية للنفوس، كان أهمها أن الخميني هو أدرى بمصلحة الشيعة وهو الذي يعرف الأسرار الألهية. وقد تكون هنالك حروب وحروب.
وعندما غزا صدام الكويت كانت الفكرة السائدة هي أن ذلك انتقام الله تعالى من صدام والكويتيين الذين ساعدوه في الحرب، وليجعل الله الكافرين بأسهم في ما بينهم.
ثم تبعتها الحرب الأمريكية ضد العراق، وكنا نعتقد أن صدام كان متآمر مع الأمريكيين على تدمير العراق والقضاء على بنيته التحتية بعد أن نفّذ أوامرهم في الحرب على ايران “وهذه فكرة لا يزال يؤمن بها الكثير من العراقيين وهي فكرة خاطئة وغير صحيحة كما سيتضح”، وأقصد هنا فكرة تنفيذ صدام لأوامر الأمريكان والغرب في الحرب على أيران.

في يوم من أيام صيف عام 1994 تعرفت على أحد الأشخاص من مذهبنا وأسمه سيد علاء، وهو من أهل النجف ويسكن في بغداد، وبعد أن توطدت علاقتي به وتبادلنا الثقة، وتعرفنا على ميول أحدنا الآخر، فقد عرض علي الذهاب إلى أيران، وأكدّ أنه كان هناك وقد رجع إلى العراق لبيع المنزل وتصفية حساباته المالية ليعود مع عائلته ويستقرون في أيران. فأعجبتني الفكرة كثيرا، فمن جهة أهرب من العراق حيث صدام الذي يعادي الشيعة (من وجهة نظري العقيمة آن ذاك)، ومن جهة أتخلص من وطـأة الحصار الجائر الذي أكل اللحم وأذاب الشحم ودق العظم. كان سيد علاء يصف لي أيران وكأنها جنة في الأرض، فبالإضافة إلى الطبيعة التي كان يبالغ في وصفها فقد كان يصف الأيرانيين وكأنهم ملائكة!. أنها الحرية بكل معنى الكلمة، حتى (المومسات) فإن الإسلام وفي دولته أيران قد عالج موضوعهن بأعتبارهن جزء من المجتمع وخصصت لهن في أيران مكاتب لزيجات المتعة.! هكذا كان يقول السيد علاء ويؤكد على هذه المسألة كثيرا. الحقوق محفوظة حتى للذباب والحشرات، الوظائف مؤمنة، والذين لا يجدون وضيفة فإنهم يأخذون من بيت المال إلى أن يحصلون على عمل. بمئة تومان يمكنك أن تشتري بيتا مؤثثا. وإذا ألتحقت في فيلق بدر فإنك تستطيع أن تمارس ما شئت من الهوايات والوظائف، بالأضافة إلى فنون القتال.

لم أكن أعلم أن السيد علاء يريد أن يستخدمني وسيلة للعودة مع عائلته إلى أيران، كان يتظاهر بأنه مستاء من تأخير عملية بيع البيت الذي سيدفع من ثمنه للدليل الذي سيأخذنا إلى أيران، مسترسلا في الأحاديث المغرية التي تشبه حكايات ألف ليلة وليلة.!
كنت في هذه الأثناء قد بعت أنا الآخر بيت العائلة وحولت ثمنه إلى دولارات أمريكية. صار الإتفاق أن نذهب كلتا العائلتين إلى محافظة ميسان التي سننطلق منها عبر الحدود إلى ايران، وقال أن أقاربه سيلحق بنا إلى هناك حاملا ثمن البيت الذي أوكله ببيعه ليدفع نصف المال الذي أتفقنا أن ندفعه للدليل (القجاق)، حيث أدفع أنا النصف الآخر، وعندما طالت مدة أنتظار (أقاربه) أقترح أخي أن ندفع نحن أجرة الدليل (القجاق) كلها على أن يرجع لنا سيد علاء المال المترتب عليه في ما بعد.

وهكذا بدأت رحلة الذهاب إلى أيران، لأعيش هناك ما يقرب العشر سنوات، تعرفت من خلالها على حقيقة الأيرانيين التي لا زالت خافية على العراقيين وعلى الشيعة بشكل خاص..
فإلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية.
وإلى الشاب عمر الذي أغتيل على الهوية.
إلى الذين هجروا وأخرجوا من ديارهم بغير حق ألا أن يقولوا ربنا الله.
إلى الثكالى والأرامل واليتامى والمغيبين.
ألى كل الذين يريدون معرفة حقيقة الفرس.
أهدي هذه المشاهدات الحقيقية.

إلى الحلقة الثالثة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: