مشروع النهضة .. كيف نبنيه ؟


إن أمتنا الإسلامية اليوم أحوج من كل فترة مرت إلى الحديث عن هموم الإصلاح ومشاريع النهضة ، وتنطلق هذه الحاجة من واقع الأمة الذي هو اليوم في أمس الحاجة إلى نفخ الروح في جسدها ، وتقويم بنائها ، وإعادة وهجها للحياة من جديد .. إنه ليس لواحد من أفراد هذه الأمة الخيار في هذا المشروع ، بل كل فرد منا مطالب بالمساهمة في بنائه ، والمشاركة في إقامته ، وكل حسب وسعه وطاقته وقدرته .. وإني من واقع هذا الشعور بحاجة الأمة إلى إقامة مشروعها ، وبنائه في الأرض البناء الذي يمكنها من صناعة الحياة في الأرض من جديد أدلف بهذه الحلقات متتالية في المساهمة في بناء هذا المشروع ، وهو أقل سهم يقدمه ابن لأمته داعياً الله تعالى أن يثير بهذه الحلقات كوامن أفراد الأمة ومؤسساتها لمشروعها الكبير في الأرض .

إن في قول الله تعالى \” كنتم خير أمة أخرجت للناس \” امتداد لتاريخ هذه الأمة في البناء ، وتمكين أفرادها من العمل بقوة تحقيقاً لمبدأ الخيرية المبثوث في نفوسهم ، وفي قول الله تعالى \” هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها \” ما يدعو لتحقيق هذه العمارة وتمكينها من المثول في أرض الواقع .

إن مشروع النهضة لهذه الأمة أكبر من أن يتكلم فيه إنسان بمفرده ، وإنما هو بحاجة إلى تآزر الأمة بكاملها على مستوى أفرادها ومجتمعاتها ومؤسساتها للتفكير فيه ووضع لبناته التي يمكن أن يقوم عليها المشروع ، وكل ذلك يحتاج إلى من يبادر بوضع اللبنة الأولى ، والأفكار التي يقوم عليها بناء المشروع ، وربما تكون هذه الحلقات هي بعض الماء الذي ينتظره أفراد الأمة ليشربوا منه ما يمكنهم من العمل لقيام هذا المشروع العريض .

إن مشروع الأمة كله يقوم على ركيزتين أساسيتين ، الركيزة الأولى : الإيمان بالله تعالى وهو جذر هذا المشروع ، والركيزة الثانية : العلم وهو ساقه الذي تمتد عليه الأوراق والثمار فيما بعد .

إن مشروع النهضة لن يقوم إلا على أساس متين من الإيمان بالله تعالى ، وحين توعب الأمة في هذا الطريق ، وتتمكن منه تمكن الجذر من الأرض فإنها تقوم بعد ذلك على أساس متين .. وإن الناظر في التاريخ ليجد أن أعظم الأسباب التي أدت إلى ضعف الأمة وتصدع بنائها وتواكل أفرادها هو ضعف صلتهم بالله تعالى ، ولم يعد الإيمان هو الذي يحرك الناس ويبني تصوراتهم ، ويقيم علاقاتهم فيما بينهم ، ويمكن أن يقال أن كل ضعف يصيب الأمة ويوهن قواها ، ويؤخّر مشروعها النهضوي على مستوى الأمم ينبغي أن يعزى إلى هذا السبب ، وإن من النذر أن هذا السبب يزداد ويتوسّع في حياة الأمة كل يوم ، وترى مع كل أسف حتى أصحاب المشروع الذين وهبوا أنفسهم لإعادة بنائه في الأرض من جديد هم ذواتهم يعيشون ذات السبب ، ولا تزيدهم الأيام إلا ضعفاً وتهالكاً ووهناً حتى إنك لتصل لدرجة اليأس أن يكون هذا الجيل هو صاحب مشروع البناء الذي يراد لهذه الأمة .

لقد صنع الإيمان من أمة الصنم الوثن أرقى أمة مرت في عرض التاريخ ، وصار عباد الحجر ورّاث التاريخ الكبير في الأمة وصدق فيهم أولاً \” كنتم خير أمة أخرجت للناس \” بل بلغ الإيمان للدرجة التي تنزّلت فيها الملائكة مشاركة في نصر هؤلاء في فترات من الزمن .

ومثل ذلك تماماً ساق هذا المشروع \” العلم \” الذي يبدو كصاحبه الجذر تماماً في ضعف الاهتمام والعناية والرعاية .

إننا حين نتحدث عن العلم لا نتحدث عن العلم الشرعي بخصوصه ، وإنما نتحدث عن كل علم يمكن أن يسهم في هذا المشروع ، ويدفع بالأمة إلى تحقيق آمالها فيها ، وعلينا أن ندرك أن هذا العلوم من فروض الكفايات التي تؤثم الأمة كلها بضياعها وفوات أرباح الأمة منها ، لكن نؤكّد على أنه لا يجوز بحال أن يتخاصم هذا العلم والإيمان في لحظة ، وحين يتخاصم هذا العلم والإيمان في لحظة من اللحظات فإن هذا العلم يكون مشؤوماً على الأمة ومؤخراً لمسيرتها .. وإذا قرأنا التاريخ بإمعان وجدت أن الإيمان والعلم ركنا التميّز والتفوق في أي أمة كتبت شأنها في صفحات التاريخ في يوم من الأيام .

فإذا كان ذلك هو بداية وهج المشروع النهضوي في حياة الأمة فما السبيل إلى إقامة هاتين الركيزتين في الأمة حتى يستوي مشروعها ويقوم على الأرض كبيراً عظيماً ؟
إن أول ذلك وأهمه وأولاه بالرعاية : الفرد ذاته عليه أن يستشعر دوره في البناء ، ومسؤوليته في أمته ، وأثره في دفع عجلة هذا المشروع أو رده إلى الوراء ، وأن يرتّب نفسه ويجهد في بناء نفسه لأنه لبنة مؤثرة في كيان هذه الأمة ، ولن يستوي مشروع الأمة في الأرض حتى تقوم هاتان الركيزتان في أفراد الأمة كما هو المأمول ، ولا يفوتك أننا لا نطلب أن يكون أصحاب المشروع كلهم على نسق واحد ومستوى واحد في الإيمان والعلم ، وإنما كل على قدره بشرط ألا يكون الخلل والتأخر في مستوى فرد مؤثّر على مستوى الأمة ومشروعها .

وثانيه ينبغي أن يكون على مستوى الأمة على كافة مستوياتها التعليمية والتربوية والاجتماعية والدعوية ينبغي أن تدرك أنها مسؤولة عن قيام هاتين الركيزتين ، وعليها أن توجه أهدافها وخططها وبرامجها نحو تحقيق هاتين الركيزتين .

إنه حين يقوم الفرد ببناء نفسه ، وتسهم الأمة في توفير البيئة المناسبة والحوافز المشجعة لقيام هاتين الركيزتين يستوي بإذن الله تعالى مشروع الأمة أو على الأقل يبدأ في الخطوة الأولى وهو محفوف بإذن الله تعالى بالتوفيق والنجاح … وإن كل قارئ لهذه الحلقة الأولى من تصوّر بناء هذا المشروع عليه أن يدرك أنه معنيٌ بكل كلمة وردت في هذه الحلقة ، سواء كان فرداً أو كان ضمن أفراد مؤسسة وإذا كنا فعلاً ندرك أهمية إقامة هذا المشروع فعلينا أن نبدأ كلٌ في موقعه :
الفرد يقوم على وضع خطة لبناء ذاته ، خطة كفيلة بأن تجعل منه فرداً صالحاً في بناء أمته ، وعليه أن يستشعر دره وأثره في بناء هذا المشروع ، وأن يدرك أن أي بناء في مجتمع من المجتمعات هو عبارة عن لبنات ، وأي خلل في لبنة يكون الخلل في البناء كله .

وكذلك كل مؤسسة يجب عليها أن تبدأ في وضع لبنات هذا المشروع من خلال التركيز على قواعد هذا المشروع وركائزه الأساسية ، وإذا كان المشروع ماثلاً اليوم في الذهن بوضوح ، ويعيش في نفوس أصحابه بقوة ستجد هذه الحلقة بإذن الله تعالى استجابة كبيرة من أصحاب المشروع . وإلى حين كتابة الحلقة الثانية من بناء هذا المشروع أدعكم في رعاية الله تعالى ، والله المسؤول أن يقر أعيننا بلحظة الأمل التي ينشدها كل فرد في هذه الأمة المباركة .

مشعل عبد العزيز الفلاحي
Mashal001@hotmail.com

مشروع النهضة .. كيف نبنيه ؟

مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: