بيع النجش

بيع النجش

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ـ فيقول الإمام الحافظ بن حجر -رحمه الله تعالى-:

وعنه (أي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-) قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش متفق عليه .

سبق معنا في حديث ابن عمر ذِكر ما يتعلق باقتراض الدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير، وسبق القول أن هذا الحديث من الأحاديث المهمة، بل من أهم الأحاديث المتعلقة بأحكام المداينات؛ ولهذا كان فيه فصل للنزاع في كثير من المسائل بل كثير في كثير من المسائل الواقعة، وفوائده ومسائله كثيرة؛ ولهذا لم يزل أهل العلم يأخذون من هذا حديث وما جاء في معناه بعض أحكام المداينات.

وسبق شيء مما يتعلق بأحكام الوفاء أخذا من هذا الحديث مما هو نص منه ومما يُفهم من هذا الخبر، وأنه حينما يُقتص أو حينما تُقترض الدراهم من الدنانير أو أي عملة بعملة أخرى، فإن المصارفة تكون بينهما بسعر ذلك اليوم الذي حصل فيه الوفاء، مع ألا يفترقا وبينهما شيء، كما في الخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذا هو الواجب وعلى هذا يكون هذا الخبر مخصصا لعموم الأخبار الأخرى ما جاء في الأخبار الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد وقد ذكر صاحب سبل السلام في الكلام على حديث ابن عمر ذكر في آخره ما معناه أنه أن الاقتضاء بمثل الدين أنه خرج على الغالب أو ليس مقصودًا، وأنه يجوز الاقتضاء يعني أن يقضي الدراهم من الدنانير، أو بعض العملات بالعملات الأخرى يعني على مقتضى هذا القول ولو كان بغير سعر ذلك اليوم، أخذًا من عموم الأخبار، أو من الخبر الذي قال فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم .

وعلى هذا يكون على قوله لو أنه مثلا كان له ذهب فأراد أن يأخذ مكانه فضة، كما في حديث ابن عمر: أبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم فلو كان له في ذمتهم مثلا مائة دينار، وأراد أن يأخذ دراهم، يجوز أن يأخذ مثلا مكان الدنانير دراهم، فلو كان سعر الدينار في ذلك اليوم عشرة دراهم تقابل دينار أو تساوي دينار، فيكون مائة دينار يكون ثمنها ألف درهم، هو يقول يجوز أن يأخذ ألف ومائة ألف ومائتين لاختلاف الصنف، وهذا لا شك أنه قول ضعيف ومما يؤخذ عليه رحمه الله، خاصة أن له عناية بالحديث وكأنه أخذ بعموم ذلك الخبر.

والقاعدة أن الأخبار العامة لا تعارض الخاصة، وأنه إذا جاء خبر خاص وخبر عام فالخاص كما يقول العلماء يقضي على العام، أو الخاص مقدم على العام، ويقال هذه أخبار التي جاءت بأنه إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم؛ هذا إذا كانت مصارفة إذا كانت المصارفة مصارفة عين بعين، عين بعين دراهم حاضرة بدراهم حاضرة دولارات بريالات، ريالات بدنانير أو ما أشبه ذلك من العملات.

أما إذا كان أحدهما بالذمة فإن السنة دلت على أنه لا يقتضي إلا يقتضي ألا يأخذ إلا مثل دراهمه أو مثل دنانيره، فإذا كان له عليه مثلا ألف دولار وأراد أن يأخذ مكانها ريالات، فيأخذ بسعر ذلك اليوم ولا يزيد.

وسبق أن الزيادة المضطربة والارتفاع الذي لا ينضبط لا يؤثر على الصحيح ولهذا قيل للإمام أحمد: إن الناس أو إن السعر أو إن الناس يتغابنون بالدرهم إن الناس يتغابنون بالدانق والدانقين ـ قال: لا بأس بذلك رحمه الله، هذا لا يؤثر لأن هذا لا ينضبط.

فالسنة ثم أيضا مما يدل على أنه يجب أن يأخذها بسعر يومها ما سبق في الحديث حديث عبد الله بن عمرو أنه روى نهى عن ربح ما لم يَضمن أو يُضمن يعني ما لم يكن في ضمانك، فكيف تربح في مال ليس داخلا في ضمانك في ضمان غيرك ومع ذلك تربح لا، من العدل والإنصاف أن تأخذ مثل دراهمك، إما أن تأخذ عين الدراهم أو أن تأخذ مثل مالك الذي في ذمة المدين وإن أخذت البدل فتأخذ بما تساوي تأخذ بما تساوي، هذا هو الواجب.

ولهذا لو كان له في ذمته دين غير الدراهم مثلا لو في ذمته مثلا ـ له في ذمته بر وشعير أو طعام مثلا وأراد أن يستبدله بغيره، فإنه يأخذ ثمن طعامه، فلو كان له في ذمته مثلا شيء من الطعام، شيء من الطعام يساوي ألف ريال يساوي ألف ريال فإنه يأخذ بدله ألف ريال، ولا يأخذ زيادة على الألف، ولو كان الطعام يساوي ألف ريال وأراد أن يأخذ ألف ومائة فلا؛ لأن هذا الطعام الذي في ذمة مدينك مضمون عليه وأنت منهي أن تربح فيما لم يدخل في ضمانك.

فالمقصود أنه كما قال عليه الصلاة والسلام: أن تأخذها ألا تأخذها بسعر يومها وألا تفترقا وبينكما شيء بهذين الشرطين يجوز اقتضاء ما في الذمة بعين حاضرة، وسبق أنه يجوز اقتضاء ما في الذمة بما في الذمة على الصحيح، إما على سبيل المُقاسة، أو على سبيل مُطارحة الدَّين بالدَّين كما سبق.

وحديث هذا أنه نهى أنه الصلاة والسلام نهى عن النَّجْش، يقال النَّجْشُ والنَّجَشُ النَّجْشُ أو النَّجَشُ هو الإثارة، ومنه إثارة الشيء أو نجْش الشيء هو إثارته، ولهذا نهي عن إثارة السعر الذي يكون فيه ظلم للمشترين؛ لأن الواجب هو أن يؤخذ بالسعر الذي يساوي، والمناجشة تفضي إلى المنازعة وإلى فساد ذات البين والمعاداة والبغض، يعني ثبت في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تناجشوا نهى عن المناجشة مطلقًا، ونهى عن النجش.

والنجْش معناه أن يزيد بالسلعة مَن لا يريد شراءها هذا هو معنى النجش، هو أن يزيد بالسلعة من لا يريد شراءها، فيأتي مثلا إنسان إلى الحراج ويحرّج على سلعة، أو يحرج على شيء معروض مثلا من طعام أو خضار أو فواكه أو سيارة حراج السيارات مثلا ويزيد هذا في السلعة وهو لا يريد شراءها، إنما ليرفع في سعرها، سواء أراد أن يضر مسلما أو لم يرد ذلك، فهو محرم على كل حال.

والنجش قد يكون بالمواضعة بين البائع ومن يسوم وهذا محرم على الاثنين، إذا كان بالموافقة فهو حرام، ولا يجوز المواطأة على ذلك والناجش آثم، ومن يعينه على النجش فهو آثم إذا اجتمع على ذلك.

هذا هو النوع الأول من النجش وهو أن ـ على ذلك وهو أشده؛ لأن فيه أعظم التغرير لمن يريد الشراء؛ ولأن من يحضر يقتضي بقول غيره في الغالب ممن يسوم، فيرى أن الناس يسومون، ويرى أن هذا يرفع في السعر فيقتضي به فيرفع في السعر حتى يأخذها.

والثاني من المناجشة أن يكون النجْش من المشتري وحده ممن يسوم، ولو لم يكن بالمواطأة من المشتري وحده أو من يسوم، أراد أن ينجش في هذه السلعة، وأن يرفع في سعرها لكي يثيره فهذا محرم وهذا على قسمين، هذا القسم هذا النوع وهو تارة يكون بأن يريد أن يضر المشتري بها وأن يوقعه في السعر المرتفع، وتارة يكون من باب العبث وكله محرم.

والقسم الثالث أن يكون النجش من البائع وحده، وصورته أن تسأل صاحب السلعة تقول: بكم اشتريت هذه السلعة؟ فيقول: اشتريتها بعشرة ريالات. وهو في الحقيقة ما اشتراها إلى بخمسة ريالات. فتقول: أربحك ريالا أو ريالين بناءا على أنه اشتراها بعشرة. ولو علمت أنه اشتراها بخمسة ما أخذتها بالزيادة على بهذا السعر. ففي هذا الحال هو نوع من النجش وهو نوع من الغبن وهو لا يجوز.

وبجميع الصور الثلاث للمشتري الخيار، وهل يفسد وقبل ذلك هل يفسد البيع أو لا يفسد؟ فيه خلاف، وكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه لا يفسد؛ لأن الحق فيه لآدمي وما كان الحق لآدمي فإنه يكون الأمر له، والمصلحة متحققة والمفسدة زائلة بأن نجعل له الخيار، وإذا كان الخيار له؛ فإنه يحصل مقصوده ولا ضرر عليه لذلك؛ ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الخيار للركب الذين يقدمون بالطعام كما سيأتي إن شاء الله فيما إذا باعوا ثم تبين أنهم غبنوا جعل لهم الخيار عليه الصلاة والسلام.

كذلك أيضا مسألة النجش نقول: إن لك الخيار في هذه الحال وتفوت المفسدة وتحصل المصلحة إذا أراد أن يأخذ هذه السلعة، فالنجش بهذه الصور محرم ولا يجوز، وينبغي التحذير منه وبيانه، خاصة أن يدخل في المواضع التي يكون فيها الحرائج، وخاصة في معارض السيارات حينما تعرض السيارة تباع للمزايدة فيزيد هذا، وإذا كان عن اتفاق مِن مَن يريد الشراء اتفاق منهم، وربما اجتمع أناس فيزيدون فيها؛ لكي يدفعوا من يريد شراءها فيحتكرونه فيكون محرمًا أعظم وأعظم، وهو نوع من النجش في الحقيقة ونوع من الاحتكار بأن يحتكروا السلعة إذا أرادوا السلعة مثلا فيزيدون فيها حتى يدفعوا غيرهم عنها ويأخذونها ثم يفترقون ويتواطئون ويبيعونها بما شاءوا وبما يشاءون ويكون فيه ضرر على الناس.

فالمقصود أن ما فيه إيذاء برفع السعر، أو إيذاء بمنع الناس من الشراء فهو من الأمر المحرم وهو من النجش، وهو من الاحتكار، وهو أيضا مخالف للحكمة التي جاءت في جلب السلع، وأن العلة أن يرزق الله الناس بعضهم من بعض؛ ولهذا ـ قال عليه الصلاة والسلام في حديث ـ مسلم دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض .

الرابط

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: