الاختلاط .. وسراب (الضوابط الشرعيّة)

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن ( الاختلاط ) هو الحالة الوحيدة من الأحكام الشرعيّة التي شُقّ سياجها بسكّين ( الضوابط الشرعيّة) ، فعامّة المحرّمات لم تسلم ممن يضع ريشته في (وعاء) الضوابط الشرعيّة ليخفّف بألوانها الجميلة لون السوء المنبعث من هذه المخالفات.

يتفق كلّ ( دعاة الاختلاط) من الصحفيين والإعلاميين وبعض من لا يحمل من الأوصاف سوى أنّه يتكلّم في الاختلاط ومعهم قلّة قليلة من المحسوبين –وظيفة- على العلم الشرعي .. يتفقون جميعاً على أن الاختلاط في التعليم والعمل وفي المناسبات واللقاءات جائز بالضوابط الشرعيّة.

آه .. ما أجمل الضوابط الشرعيّة، ولو كان ثمّ ضوابط وقيود شرعيّة لما حصل خلاف أصلاً، لكنّ ضوابط الخداع هذه ما هي إلا سراب يحسبه الإنسان غيرة وتعظيماً للشريعة وصيانة لأحكامها فإذا وقف عليها لم يجد أمامه إلا الجسد المحرّم –بعرض أكتافه- وقد تبخّرت عنده كلّ الضوابط الشرعيّة فما عادت صالحة إلا في إسكات الناصحين.

لنقف سوياً على هذه الضوابط، ولنحاكمها معرفيا ومنهجياً لنرى هل تصلح لأن تكون ضوابط يجوز معها هذا الاختلاط أم هو شيء مما يقال ولا حقيقة تحته:

يقولون: يجب أن يغضّ بصره، وأن لا يحصل ريبة، ولا احتكاك أو تقارب بين الجنسين، وأن تكون اللغة محترمة وغير خاضعة للقول ولا مثيرة للفتنة، وأنّ لا تتبرّج المرأة ولا تتعطّر ولا تتزيّن في بدنها ولا ملبسها، وأن تلبس لباساً محتشماً ، وأن لا يحصل بينهما خلوة، وأن .. الخ.

أول خطأ معرفي هنا: أنّهم يتحدثون عن (حضور) المجالس المختلطة، وأنّ من يحضرها يجب عليه أن يلتزم بكلّ هذه الضوابط السابقة.

وليس محلّ خلافنا هو في حضور المجالس المختلطة فقط، فخلافنا من الأساس في حكم وجود هذا الاختلاط ، وفي حكم (تشريع) الاختلاط والإذن به وهو شيء آخر غير مسألة حضور المجالس المختلطة.

مثلاً .. من يريد أن يحضر إلى قبرٍ قد شيّد عليه ضريح يجتمع الناس لدعائه والتبرّك به، فحضوره جائز بالضوابط الشرعيّة، وأما الإذن بوجود مثل هذا الضريح والسكوت عن فعل الناس عنده فهو محرّم قطعاً بلا تفصيل، وكذلك: حضور الإنسان لمكان يباع فيه الخمر جائز بالضوابط الشرعيّة، وبقاء مثل هذا المكان محرّم بلا تفصيل، وسفر المسلم إلى البلاد التي ينتشر فيها الحرام والكفر والفساد جائز بالضوابط الشرعيّة، ولا يمكن أن يكون الحرام والكفر أمراً مباحاً.

وكذلك الاختلاط .. فالضوابط التي يذكرون تصلح أن تقال فيمن يحتاج أن يتعامل مع مجالس مختلطة لأجل الدراسة مثلاً فيقال له مثل هذه الضوابط، لكن لا يصحّ أن يقال إن ذات الاختلاط الموجود في هذه الدراسة لا بأس به، فمثلهم في هذا مثل من يقول: لا تشرب الخمر ولا تقترف الفاحشة ولا تتعامل بالربا، ولا بأس بوجود الفاحشة والربا والخمر ما دام أن الشخص ملتزم بالضوابط الشرعيّة فلا يشرب هو الخمر ولا يفعل الفاحشة والربا!

إنّ (دعاة الاختلاط) يؤمنون بوجود منكرات ومفاسد ظاهرة في الاختلاط، من نظر وتبرّج وخلوة وعلاقات حميمة وفساد يتعدّى هذا بمراحل، فطالبوا من يحضر بأن يبتعد عن هذا، ولم ينظروا إلى الواجب على المسلمين في إغلاق منبع هذه المحرمات.

إنهم بهذا قد جعلوا الأحكام الشرعية شأناً خاصّاً متعلّقاً بالفرد، من حافظ عليه فهو مثاب ومأجور ويباح له الاختلاط، ومن خالفه فنحن نقرّه ونسكت عنه ولا نقول له شيئاً، فعطّلوا بهذا دور النظام والدولة في صيانة الأحكام الشرعيّة والأمر بها والنهي عن مخالفتها، فجزاكم الله خيراً أن نصحتم عشرة بأن يلتزموا بالضوابط الشرعيّة، وعفا الله عنكم إذ برّرتم لمائة بأن يقعوا في الحرام وينتهكوا الأحكام الشرعية وقزّمتم الأحكام الشرعيّة واستكثرتم عليها أن تكون ملزمة أو أن يقوم النظام على رعايتها.

***

وربّما شرّع بعضهم للاختلاط وبرّر له بسبب وجود حاجة أو ضرورة ماسّة له، وهنا خطأ علميّ من زاويتين:

الأولى: أنّ الحاجة والضرورة إنما تتصوّر في حالة كون التعليم كلّه تعليماً مختلطاً، فيجد الشخص نفسه محتاجاً أو مضطراً للتعليم، وهذه الصورة غير موجودة -بحمد الله- في بلادنا، فالدراسة ما زالت –وستبقى-غير مختلطة، وبالتالي فليس ثمّ حاجة أو ضرورة لهذا الاختلاط، وليست الدولة بحاجة لأن يقوم تعليمها على الاختلاط، بل إنّ إدخال الاختلاط هو الذي يتطلّب جهداً وكلفة وتغييراً ومتطلبات كثيرة.

الثانية: أنّ الحاجة والضرورة إنما تأتي على الأحكام المحرّمة، وبالتالي فالأولى أن يحرّروا حكم الاختلاط ثمّ يتحدثوا بعد هذا في حكم الحاجة أو الضرورة، أما أن نناقشهم في حكم الاختلاط ثمّ يكون حديثهم عن الحاجة فهذا تسليم منهم بأن الاختلاط محرّم، فليقولوا به إذن ثم يكون النقاش بعد هذا في حكم الاختلاط.

***

يا لها من ضوابط رائعة لو كانت في مجتمعات مختلطة، يصيح بها غيور ليحمي الشباب والفتيان من أوضار هذه المحرمات، أمّا أن تأتي (ضوابط الخداع) في مجتمع محافظ يرفض الاختلاط، والبلد مصان عنه، والناس تأنف منه، فيطالبون بوجوده لأجل أن يضعوا بعض الضوابط، فما أدري ما يضرّهم لو بقي المجتمع على رفض الاختلاط مع بقاء ضوابطهم محفوظة ومصانة، ما الذي يؤزّهم إلا أن يزجّوا بالشباب والفتيات في أتون الاختلاط ثمّ يطالبوهم بالصيانة والحفظ والضوابط!

ثمّ إن كان هذا الاختلاط بحاجة إلى كلّ هذه الضوابط الكثيرة، والنصائح المتكرّرة، فهذا إيمان منكم بأنّ الاختلاط شيء خطير ومثير ومسبّب لإشكالات وبلايا، فلماذا أنتم حريصون عليه أصلاً، يعني: قبل الحديث عن الضوابط ومدى إمكانيتها وصحّتها ما سبب هذا اللجج في المطالبة بالاختلاط مع كلّ هذه الضوابط التي تدلّ على إدراككم لما فيه من خطر وضرر.

***

الإشكاليّة الأخرى في هذه الضوابط أنّنا نتحدّث معهم عن واقع وحال من أجله تكلّم العلماء ونصح الغيورون، وهم يتحدثّون عن حالة ذهنية نظريّة يقوم الاختلاط فيها على ضوابط وقيم وآداب!

أين هذا الاختلاط الملائكي الذي يجتمع الشباب والفتيان فيه كلّ يوم ساعات طويلة، فلا تجد إلا غضّ البصر، وحفظ اللسان، والستر الكامل، والابتعاد عن أي ريبة أو منكر من قول أو فعل!

من يجرجر علينا هذه الضوابط هم من أعلم الناس بأثر الاختلاط في التعليم والعمل وما فيه من مفاسد وبلايا وسوء تفوح رائحته في العالمين، وتحكيه المجالس، ويتناقل أخباره الناس في كلّ مكان ثمّ يأتيك بالحديث المثالي عن غضّ البصر والابتعاد والستر والصيانة ويحلّق بنا في خيال لننسى الواقع!

لو كان (دعاة الاختلاط) صادقين في دعوتهم للضوابط الشرعيّة لحرّموا الاختلاط حفاظاً على هذه الضوابط، فمن تعظيمي لغضّ البصر وحرمة الخلوة ووجوب الستر والمنع من الخضوع للقول أنّ أمنع الوسائل التي تمزّقه لا أن أشرّع ما يكون سبباً للتهوين منه والتأثير عليه.

بأي منطق يفكّر من يُجلس الشاب بجوار الفتاة ساعات طويلة كلّ يوم، ليتبادلوا الحديث والواجبات، ويتشاركوا في الفصل والساحة والمطعم والوقت الطويل ثمّ يطالبه أن يكون طيلة هذه الفترة غاضّاً بصره عن ما حرّم الله؟ وأن لا يبدر منه أي قول فيه خضوع للقول؟ وأن لا يكون هذا سبباً لعلاقة حميمة أو خلوة ..؟

***

وربّما حاول بعضهم التفريق بين أصل الاختلاط وبين ما يحتفّ به.

فيقول: دعونا مما يحتفّ بالاختلاط من مفاسد، فهل ثمّ إشكال في ذات الاختلاط مع الالتزام بالضوابط وخلوّ هذا الاختلاط من مفاسد؟

وما مثله إلا مثل من يقول: دعونا من الإسكار الموجود في الخمر، وحدثونا عن الخمر نفسه؟

الاختلاط الموجود مشتبك بالمفاسد لزوماً تامّا لا ينفكّ عنه، فطبيعة الدراسة والعمل ، وطبيعة وجود الرجال والنساء فيها، يجعل ثمّ تلازم للمفاسد وغلبة لها لا يمكن الانفكاك بينهما، خاصّة أن كلامنا في الاختلاط بطريقته المعاصرة، ولا يوجد اختلاط آخر بتطبيق مختلف.

وهذه الأنظمة الغربية المعاصرة ما زالت عاجزة عن وضع حلّ لمشكلة التحرّش الجنسي في المجالات المختلطة، علماً أن ضابط التحرّش الجنسي ضابط متعلّق بالاعتداء على الآخرين، وضبط هذا مما يمكن، ومع ذلك فما زال العجز ظاهراً في التطبيق، فكيف يمكن ضبط ( النظر المحرّم) والخضوع بالقول وإبداء الزينة وعدم الضرب بالأرجل ونحو هذه الضوابط الشرعيّة التي تختلف تماماً عن الضوابط المادّية المتعلقّة بالعدوان الذي يرفضه الغربيون،

وبالمناسبة: فبعض أصحاب الضوابط، إذا قال لك الضوابط الشرعيّة، فلا تحفل به كثيراً فإنما يعني بها التحرّش الجنسي (الاعتداء) وأما بقية المحرّمات القائمة على التراضي فليس له معها أي مشكلة كما هي فلسفة الحياة الغربية.

***

إن نبيّ الرحمة عليه الصلاة والسلام ينهانا قائلاً ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) فقطع – بنصحه ورحمته- أسباب الفتنة وسدّ ذرائعها، وهؤلاء يمهدون لها ويشرعون ذرائعها بشرط أن لا يقع في الحرام، فالشريعة تسدّ الطرق والأسباب المؤدّية للحرام وهؤلاء لا يريدون إلا سدّ الحرام فقط، بل وحتى الحرام قد أجازوه وأذنوا فيه لأنّهم يعرفون أن الدراسة المختلطة لا تسلم من محرمات قطعية وظاهرة ومع ذلك شرّعوها وأقرّوها، بل إنّ هذا الاختلاط بضوابط الخداع هذه تمهّد بشكل حتمي للخلوة التي نقطع بوقوع الحرام فيها، فإذا كانت الشريعة نهت عن الخلوة لما قد يحصل فيها من فساد، فضوابط الخداع قد تكفّلت أن توقع في الخلوة التي لا يشكّ أحد في حصول الحرام فيها.

واقع الدارسة المختلطة مؤسف في كلّ تطبيقاته المعاصرة، ورائحته مؤذية لكلّ غيور على أحكام الشريعة، وأمر فسادها تجاوز قضية إطلاق البصر أو الخلوة أو التبرّج إلى حال أبعد منها هذا بكثير، فهل ترون الاختلاط إن جاء لمجتمعنا سيكون خلقاً آخر؟!

إن من تعريفات الجنون أن تكرّر نفس التجربة وتتوقّع نتائج مختلفة، فهذا هو الاختلاط، فهل سيغدو صلاحاً وإيماناً وخيراً وصيانة للأحكام الشرعية بمجرّد أن نقول هو بحسب (الضوابط الشرعيّة!)

***

انظر لأحكام القرآن المتعلّقة بالمرأة، كيف تُنهى عن الخضوع في القول ( ولا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) فوضعت الشريعة ضمانات كافيّة لئلا يقع طمع ممن في قلبه مرض، وأما دعاة الاختلاط فقد أبوا إلا أن يوجدوا المرض في قلب الإنسان الطيب الصحيح، فيضعونه في مجتمعات مثيرة يعيش فيها عامّة يومه في ثورة شبابه وشهوته ، وتنازل هؤلاء عن واجبهم في حماية الشاب والفتاة من دواعي الفتنة، وأتوا بضوابطهم الشرعيّة ليفكّكوا حتى من كان محافظاً متصلّباً.

وربنا يأمر النساء بالقرار في البيوت ابتعاداً عن مجامع الرجال، وهؤلاء يلجئون المرأة أن تبقى في مجالس الرجال عامّة حياتها، والشريعة تلاحظ في المرأة حتى حركة قدمها ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) فيا الله، الفتاة التي ينهاها خالقها عن فعلٍ يسير في قدمها حين تكون بين الرجال كيف تعيش معهم ثلث يومها، في نقاش وحديث وفسحة ودخول وخروج وزمالة!

والله يأمر الرجال والنساء بغضّ البصر ( قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم) ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ) ، وكيف يمكن لأشد الناس ورعاً وتقوى ومجاهدة أن يغضّ بصره ثلث يومه، وقد نهى الله عن إطلاق البصر سدّاً لذريعة الفاحشة والفساد، وهؤلاء يجيزون إطلاق البصر ما لم يكن ثمّ فساد وشهوة، بل وحتى هذه الشهوة لا بدّ أن تتحرّك مهما بلغ الإنسان في جهاده وتقواه وصلاحه ما دام يعيش كلّ هذه الساعات الطويلة وهو ينظر في الوجوه يحادثها ويلاطفها.

***

ومن طرائف دعاة الاختلاط هنا: أنّهم يريدون شرعنة الاختلاط وجعله أمراً واقعاً مقبولاً بدعوى أن الناس تغضّ بصرها، وحين تطالبهم بأنّ هذا لا يتصوّر واقعاً يقولون: الحاجة تبيح المحرّم وبالتالي فلا بأس من إطلاق البصر لوجود الحاجة!

فطريقتهم تقوم على أنّ غض البصر شرط وقيد للاختلاط، فإذا حصل الاختلاط تساهلوا فيه لأن الحاجة تبيح الحرام، فمحصّلتها أن غضّ البصر حيلة لإباحة الاختلاط لا غير، وإلا فلا وجود لهذا الشرط على الحقيقة.

***

ويبدو بعض منهم في أعلى مستويات الحذلقة حيث يستغرب من وجود من يناقش في موضوع الاختلاط، وأنه قضية محلّية قد تجاوزته المجتمعات المعاصرة، حتى قال أحدهم –بكلّ براءة وعفويّة- إنّه لم يسمع عن شيء اسمه الاختلاط إلا خلال الأيام الأخيرة! ومثل هذا الكلام يكشف حقيقة الضوابط الشرعية التي يخادعوننا بها، فهو يستدلّ للاختلاط بوجوده في المجتمعات المعاصرة، والذي في عامّة الاختلاط المعاصر اختلاط خالٍ من الضوابط والقيود الشرعيّة، فليس فيه التزام بحجاب ولا تباعد بين الجنسين ولا حديث عن خلوة أو خضوع بالقول .. فأين ذهبت هذه الضوابط؟

وإذا كان يستدلّون بانتشار الاختلاط في هذا العصر، فإن واقع الاختلاط المعاصر مما يزيد المسلم ثباتاً وقوّة على ضرورة رفض الاختلاط وصيانة المجتمع عنه، فما نذكره من التحريم الشرعي والخطر النظري عن الاختلاط قد قام التطبيق المعاصر بإقامة كافّة البراهين على وجوده وعدم إمكان انفكاك الاختلاط عنه، فمن ضعف الديانة وقلّة المروءة ودنوّ الغيرة أن نجرجر على بلادنا ما نرى كثيراً من المجتمعات تشكو من أضراره وآثاره،

ولئن كان من العسير على من ابتلي بالاختلاط أن ينفكّ عنه، فإن من الميسور جداً على من لم يعرف الاختلاط أن يستمرّ على صيانته وعافيته، وهو شيء منطقي وعقلي يدركه الإنسان بالفطرة، لكنّ هذه الفطرة قد مسخت لما دخل بعض الرؤوس قاعدة الوهن : ( كلّ ما وقع فيه الآخرون فلا بدّ أن نقع فيه، وكلّ ما وصلت إليه المجتمعات المعاصرة فلا بدّ أن نصل إليه)!

وقد صاح فيهم العلماء : انظروا من خلفكم عشرات القرون من عمر الإسلام، وقد تعاقبت فيه دول وأمم، كلّها كانت ترفض الاختلاط وتأنف منه وتعيبه وتصفه بأشدّ الأوصاف، فإذا ذكّرناهم بتاريخ الإسلام وتطبيق سلفنا الكرام المستمدّ من نصوص الشريعة، سدّدوا شتائم الاتهام بالجمود والتقليد، وأما الارتهان العقلي والفكري لحالة زمنية معاصرة لا تتجاوز في تمدّدها مرحلة الاستعمار فهو العقل والفهم والاجتهاد!

***

ومع كلّ هذا .. فالخداع لا يطول طويلاً، فهذه الضوابط لا علاقة لها بالاختلاط من قريب ولا من بعيد، فترك المسلم لغضّ البصر حرام سواءً اختلط أم لم يختلط، وإن أطلق بصره أو وقع في الخلوة أو خضعت المرأة في القول فإنّ هذا عندهم حرام لكنّهم لن يحرّموا الاختلاط من أجله، بل سيكون هذا محرّم خاصّ بمن وقع في المنكر وأما الاختلاط فلا أثر له، وبالتالي فوجود هذه الضوابط شأن خارج عن الاختلاط، فالاختلاط شأن مباح سواءً أحصلت هذه الضوابط أم لم تحصل.

ولو كانوا صادقين في تطبيق ضوابطهم لحرّموا الاختلاط حين يفرّط الإنسان في هذه الضوابط، ولجعلوا أي اختلاط لا يلتزم بهذه الضوابط اختلاطاً محرّماً، ولو قالوا بهذا لما حصل بينهم وبين العلماء والفضلاء أي خلاف، لأن من يحرّم الاختلاط إنما يحرّمه لما يعلمه من حال المجالس والمدارس المختلطة، ولما يدركه من المفاسد والبلايا التي تقع فيه.

إن حقيقة قولهم أن اختلاط النساء بالرجال هو من جنس اختلاط الرجال بالرجال، فكما أنّه يجوز للرجال أن يختلطوا بالرجال ويجلسوا سوياً بلا أي حساسية فكذلك النساء بالرجال، وما يقع في اختلاط النساء بالرجال من منكر أو خطأ فهو كما لو وقع في مجالس الرجال من غيبة أو شتم أو نميمة،

وبالتالي فلا حاجة لموضوع الاختلاط أصلاً لأن الأخطاء التي تقع في الاختلاط كالأخطاء التي تقع في مجامع الرجال، وهذا في محصّلته إلغاء تامّ لما جاءت به الشريعة من الفروق بين الرجل والمرأة في الكلام والنظر واللباس والتقارب والفتنة والمشية والخروج وغيرها.

***

وأما حكاية الاختلاط في الحرم وفي الأسواق وفي المساجد فهي من أسمج الاعتراضات التي عرفها تاريخ الجدل والبرهنة، فهو يستدل لاختلاط فاسد مثير للفتنة تجتمع فيه كافّة عوامل الإثارة والفساد، وتفوح روائح نتنه في جميع تطبيقاته، باختلاط عارض قصير لحاجة لا غنى للناس عنه، وهو شيء يدرك الفرق فيه أي أحد، فلا يوجد عاقل يساوي بين مسير الرجال والنساء في مثل الطواف وبين جلوس الشباب والفتيان في مقاعد الدراسة .

نحدّثهم عن اختلاط معيّن هو الاختلاط في التعليم والعمل فيأتي أحدهم ليهاجم العلماء والفضلاء ويرميهم بالتهم الشنيعة ليست تهمة الخوارج إلا أقلّها سوءاً لأنهم حرّموا الاختلاط، ثمّ يقول بعد هذا أنا لا أبيح الاختلاط في التعليم، فعجباً: ما الذي أتى بك إذن هنا؟

وآخر: يرى اختلاطاً ليس فيه أي ضوابط، وقد أنكره العلماء، فيقول: هذا الاختلاط جائز إذا اجتمعت الضوابط الشرعيّة، فأي ممارسة في التدليس والتلبيس فوق هذه الممارسة؟

وآخر: لا يتذكّر الحديث عن الاختلاط بالضوابط الشرعيّة، ولا يتحمّس لنشر آرائه في الاختلاط المحتشم إلا حين رأى الاختلاط غير المحتشم!

وخذ ما شئت من هذه النماذج –غير المفهومة- ممن يقف مناصراً للاختلاط المحرّم بدعوى الضوابط –غير الموجودة أصلاً- أو بدعوى أنّ الاختلاط يحتاج إلى تفصيل، وحين يفصّل يقول كلّ شيء ولا يقول في الصورة التي كانت سبب الخلاف أي شيء!

فما تفسير هذه يا عباد الله ؟؟

***

ويعترضون دائماً بالمطالبة بالفرق بين الاختلاط الدائم والاختلاط العارض، ويماحكون في الضابط الفاصل الحاسم بين الاختلاطين، ليتوصّلوا لإعدام أي اختلاط محرّم أصلاً، وما مثلهم إلا مثل من يجد أن العلماء يختلفون في كثير من الأمور التي تبطل الصيام، فيستخرج من هذا أن لا وجود لشيء اسمه مفطّرات الصيام؟ أو من يقول ما الضابط في النوم الذي ينقض الوضوء وبالتالي لا يوجد نوم ينقض الوضوء إطلاقاً! أو من يستدلّ بوجود مبالغة في سدّ الذرائع لينقض أصل سدّ الذرائع برمّته!

ومن التطبيقات الطريفة: أن يكون حضور النساء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ منعزلات عن الرجال، وفي وقت العبادة، وقد انشغلن بالصلاة والذكر، ولهنّ مدخل خاصّ، ويخرجن بعد الصلاة مباشرة، ولا يتحرّك الرجال من المسجد حتى ينصرف النساء، مع حجابهنّ والتزامهنّ بأحكام الشريعة، ومع عدم إمكانية تواصلهنّ مع الرجال لا بكلام ولا بنظر، وكلّ هذه الضمانات قائمة تحت بصر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي مكان واحد فقط، وليس في كلّ بيوت الصحابة، يعني إذا خرج النساء يذهبن لبيوتهنّ ولا يذهبن لأماكن أخرى يجالسن فيها الرجال.

الطريف أن يكون هذا دليلاً على صحّة أن تقام بيئة عمل مختلطة بين الرجال والنساء في كلّ أنحاء البلاد، بناءً على أن المسافة بين الرجال والنساء في مسجد الرسول لم تكن بعيدة، فهذا النظر الطريف ينظر إلى المسافة بين الرجال والنساء ولم ينظر إلى بقية الضمانات الموجودة في الاختلاط العارض والمحدّد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحصل به الأمان التامّ من عدم ارتكاب أي محظور، فيريد أن يطبّقه على بيئة لا يشكّ عاقل في امتلائها بالمخالفات الشرعيّة، وإثارتها لأشكال الفساد الجنسي والسلوكي.

***

إنّها ديانة- أيّها الناس- فليست القضية اكتشافاً أو تجربة علميّة يحمد للإنسان فيها الفكر والتجربة والخطأ، ويستحسن فيها الجرأة والتقدّم وتكرار المحاولة، وإنما هي أحكام شرعيّة ورؤية يترتب عليها انتهاك لكثير من محرّمات الشريعة، وهي في النهاية رأي من بعض الناس بجواز الاختلاط، وليس بوجوبه ولا استحبابه ، وهم مع هذا غير متأكّدين منه، ويضعون ضوابط يشكّون في تحقيقها، ويعلمون ما يراد بنساء هذا البلد من إفساد، فما لهذه الاستماتة العظيمة والمطالبة المحكمة في قضية غاية أمرها أن تكون مجرّد مباح يرفضه المجتمع!

إنّ المجتمع السعودي يقف على مفترق طريقين:

يقف في الطريق الأول علماء هذا البلد الكبار، ودعاته، وطلبة العلم، وعامّة الفضلاء والأخيار ، وعليه نظام البلد وقانونه ومنصوص لوائحه، وهو ما اعتاد عليه الناس ورضوه واطمأنوا إليه يقوم على مواصلة السير على طريق صيانة المرأة المسلمة، وحفظ الشباب المسلم من آثار الاختلاط وأوضاره والنأي بهم عن أدرانه، فتخرج المرأة لدراستها في كافّة مراحل تعليمها وتخرج لعلمها وتمارس كافّة شؤون حياتها في مأمن وصيانة، ويمارس الشباب حياتهم كذلك، ويبقى الاختلاط في مساحة عارضة يحتاج الناس إليها وهي في ظرفها الطبيعي لا تثير الفتنة أو الفساد، ويمكن من خلاله أن يتحقّق للمرأة كلّ ما تريد من عمل ودراسة وتتحرّك في كافّة شؤون حياتها.

وثمّ طريق آخر يقف على أكتافه أقوام آخرون، يجتمع تحت سقفه مستهتر يريد أن يعيش علناً ما يمارسه في الخفاء، ومن عبثت الشبهات برأسه فما عاد يرفع بأحكام الشريعة رأساً، وما بينهما من معرضٍ لا يريد أن يعرف ما تريد الشريعة منه، وقد حرصوا على ستر فساد رؤوسهم بالقماش الممزّق من بعض المنتسبين –وظيفة- للعلم الشرعي؟

فمع أي الفريقين ستختار أيها المسلم؟

وقبل أن تختار .. انظر إلى هذا الطريق بعد (20) سنّة ، ما سيضرّ المجتمع إن استمرّ على رفض الاختلاط وصيانة الشباب والفتيات منه، وما الذي سيكون حال المجتمع حين تذهب الفتاة إلى مقرّ الدراسة في صحبة الفتيان ؟؟

وحين يرحل بعض العلماء عن الدنيا فتذكره الأجيال بأنّه ما رحل إلا وقد علّم الناس، وأقام المساجد، ونشر الدعوة، وحارب البدع ، وأقام الجمعيات الخيريّة، وطبع المؤلفات..

فإن ثمّ آخرون سيرحلون وحين يذكرهم الناس- إن ذكروهم- فسيقولون: قد كانت المساجد مكتظة بالمصلّين تقفل لأجلها المحلات وتتعطّل من أجلها مصالح الناس وما أن يسمع الناس الأذان إلا ويخرجون أفواجاً إلى المساجد، فما رحل هذا المفتي حتى أصبحت الصلوات تؤذن وتقام والناس تغدو وتروح، وما رحل إلا وقد تمكّن من إنقاص عدد المصلّين في مصلّيات الأسواق إلى النصف أو العشر أو ربّما إلى ما دون، ولئن عُرف كثير من المفتين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول كلمة الحقّ والتصنيف في العلوم النافعة، فبعض المفتين لم يعرف إلا بالاختلاط وترك صلاة الجماعة!

فتبّاً له ، وتبّاً لما تعلّم، وأي نور قذف في قلب العالم الناصح الذي قال:

إذا ألقاك علمك في مهاوٍ *** فليتك ثمّ ليتك ما علمتا.

الاختلاط .. وسراب (الضوابط الشرعيّة)

فهد بن صالح العجلان

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: