سيرة الصحابي الجليل عمير بن وهب

صحابي ينطلق في طريق الإيمان
أراه الله عز جل آية ، وقد اهتدى وهدى
سيرة الصحابي الجليل عمير بن وهب
بقلم / محمد السيسى المحامى

عمير بن وهب الجمحي؛ صحابي ينطلق في طريق الإيمان ، أراه الله من آياته ما يثبت به قلبه .
عاد من موقعة بدر ناجياً بنفسه ، لكن ابنه وهبًا خلَّفه أسيراً عند النبي عليه الصلاة والسلام .

كان من ألَدِّ أعداء النبي عليه الصلاة والسلام ،  كافراً مشركاً عنيداً مناهضاً ضالاً مضلاً فاسقاً فاجراً أراد أن يطفئ نور الله ، فحارب أصحاب رسول الله ، ونكل بهم ،ولم يدَّخر وسعاً في إيقاع الأذى بهم ، وبعد أن وقع ابنه أسيراً عند رسول الله ، خاف أن يؤخذ الابنُ بجريرة أبيه .

لولا الديون والعيال لمضيت إلى قتل محمد :

توجَّه عمير إلى البيت الحرام للطواف بالكعبة ، والتبرك بأصنامها، فالعرب قبل الإسلام كانوا يطوفون حول الكعبة، قال تعالى:  إن أول بيت وضع للناس للذى  ببكة مباركا وهدى للعالمين  (96) (سورة آل عمران )

فرأى صفوان بن أمية جالساً إلى جانب الحِجْر ، فأقبل عليه ، وقال : عِمْ صباحاً يا سيد قريش ، فقال صفوان : عِمْ صباحاً يا أبا وهب ، اجلس نتحدث ساعةً ، فإنما يُقطَّع الوقت بالحديث ، فجلس عمير  بإزاء صفوان بن أمية ، وطفق الرجلان يتذاكران بدراً ، ومصابهما العظيم ، ويعدِّدان الأسرى الذين وقعوا في قبضة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويتفجعان على عظماء قريش ، ممّن قتلتهم المسلمون ، وغيَّبهم القليبُ في أعماقه ، فتنَهَّد صفوان بن أمية ، وقال : واللهِ ليس في العيش خير بعدهم ، ما هذه الحياة ؟ عظماء قريش قُتِلوا ، وأبناؤنا أسرى ، وليس في الحياة خير بعدهم ، فقال عمير : صدقت واللهِ ، ثم سكت عمير قليلاً ، وقال : وربِّ الكعبة لولا ديون عليّ ليس عندي ما أقضيها، ولولا عيال أخشى عليهم الضياع من بعدي ، لمضيتُ إلى محمد وقتلتُه ، وحسمت أمره ، وكففتُ شرَّه ، وأرحتُكم منه ، ثم أَتْبَعَ يقول بصوت خافت : وإن وجود ابني وهب لديهم ما يجعل ذهابي إلى يثرب أمراً لا يثير الشبهات ، قال تعالى :أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) (سورة الزمر )

قال بعض المفسرين هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام .

اغتنم صفوان بن أمية كلام عمير بن وهب ، ولم يشأ أن يفوِّت هذه الفرصة ، قال تعالى : إنه فكر وقدر  * فقتل كيف قدر  * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر* فقال إن هذا إلا  سحر يؤ ثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر * وما أدراك ما سقر * لا  تبقى ولا  تذر * لواحة للبشر *  عليها تسعة عشر * (18-30) (سورة المدثر )

اكتمْ حديثنا هذا ، ولا تطلع عليه أحداً:
فقال له : يا عمير اجعل دَيْنَك كلَّه عليَّ ، بالغاً ما بلغ ، فأنا أقضيه عنك ، هذه أول مشكلة حللناها ، وسأضمُّ عيالك إلى عيالي ما امتدت بي الحياة ، أولادك أولادي ، وإنّ في مالي من الكثرة ما يسعهم جميعاً ، ويكفل لهم العيش الرغيد ، ثم قال لعمير : فامضِ لما أردتَ ، وأنا معك ، اذهب واقتله ، وأرِحْنا منه ، ماذا تنتظر ؟ فقال عمير: إذاً اكتمْ حديثنا هذا ، ولا تطلع عليه أحداً ؛ قال صفوان : لك ذلك ؛ قام عمير من المسجد ، ونيران الحقد تتأجّج في فؤاده على محمد صلى الله عليه وسلم ، وطفِق يعُدُّ العدة لإنفاذ ما عزم عليه ، فما كان يخشى ارتيابَ أحد في سفره فابنُه أسيرٌ لدى المسلمين بالمدينة ؛ وهو ذاهب ليفكَّ أسْرَه ، وأَمَرَ بسيفه فشحذ ، و سقي سمًّا ، ودعا براحلته فأعدت ، وقدمت له فامتطى متنها ، ويمّم وجهه شطر المدينة و ملء ردائه الضغينةُ والشرُّ .

وقال عمر : هذا الكلب عدو الله ؛ واللهِ ما جاء إلا لشر  :

بلغ عمير المدينة ، ومضى نحو المسجد يريد النبي عليه الصلاة والسلام ، فلما غدا قريباً من بابه أناخ راحلته ، ونزل عنها ؛ وصل عمير إلى المدينة ليفُكَّ أسر ابنه ، فالأمر مُغطًّى بحُجة واضحة .

كان عمر بن الخطاب عملاقُ الإسلام جالساً مع بعض الصحابة قريباً من باب المسجد ، يتذاكرون بدراً ، وما خلفته وراءها من أسرى قريش وقتلاهم، و يستعيدون صور البطولة التي قدّمها المسلمون من المهاجرين والأنصار ، ويذكرون ما أكرمهم الله به من النصر ، وما أراهم في عدوهم من النكاية والخذلان ؛ فحانت منه الْتِفاتَةٌ فرأى عمير بن وهب ألدَّ أعداء رسول الله ينزل عن راحلته ، ويمضي نحو المسجد متوشحاً سيفه ، فَهَبَّ عمر مذعوراً ، وقال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ؛ واللهِ ما جاء إلا لشر فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) * (رواه الترمذي)

لقد أَلَّبَ المشركين علينا في مكة ، وكان عينًا علينا قبيل بدر ، ثم قال لجلسائه : امضوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وكونوا حوله ، واحذروا أن يغدر به هذا الخبيث الماكر .

وفي رواية أنه انطلق إليه ، وقال له : ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولِمَ هذا السيف على عاتقك ، ثم قيّده في حمالته ، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ودخل عمر وعمير بن وهب على محمد عليه الصلاة والسلام ، وقال : يا رسول الله هذا عدو الله عمير بن وهب ، قد جاء متوشحاً سيفه ، وما أظنه إلا يريد شراً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أدخِلْه عليّ، فأقبل الفاروق على عمير ، وأخذ بتلابيبه ، وطوّق عنقه بحمّالة سيفه ، ومضى به نحو النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عمر أطلقه ؛ وفكَّ عنه هذا القيد ، فأطْلَقه ؛ ثم قال : يا عمر استأخر عنه ؛ فتأخر عنه ؛ ثم توجّه النبي عليه الصلاة و السلام إلى عمير بن وهب ، وقال : ادنُ يا عمير ؛ فدنا ، وقال : أَنْعِمْ صباحاً يا محمد ؛ سلّم عليه ؛ وهذه تحية العرب في الجاهلية ؛ قال عليه الصلاة و السلام : يا عمير لقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك هذه ؛ لقد أكرمنا الله بالسلام ، وهي تحية أهل الجنة ؛ فقال عمير بفظاظة ما بعدها فظاظة وغلظة ما بعدها غلظة : واللهِ ما أنت ببعيد عن تحيتنا ، وإنك بها لحديث عهد .

صار عميرٌ يزكِّي نفسَه بتعاليم الإسلام ، ويشرق فؤاده بنور القرآن ، ويحيا أروع أيام حياته وأغناه .

قال له صلى الله عليه وسلم : بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية عند الحِجر ، ثم قلت : لولا دَيْن علَيَّ وعيال عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً :

فقال يا عمير : ما الذي جاء بك إلينا ؟ فقال : جئت أرجو فكاكَ هذا الأسير الذي في أيديكم؛ قال النبي – انظر إلى الذكاء – : فما بالُ هذا السيف الذي في عنقك ؛ أنت قادم لتفك الأسير ، لا بأس فهذا طلب منطقي ، لكن ما شأنُ السيف ؟ قال له : قبّحها الله من سيوف ؛ وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر ؛ إنّه يخادع ، قال : أَصْدِقْني يا عمير ؛ ما الذي جئت له يا عمير ؟ قال : ما جئتُ إلا لذلك ؛ قال له : يا عمير بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية عند الحِجر ، فتذاكرتما أصحابَ القليب من صرعى قريش ، ثم قلت لصفوان : لولا دَيْن علَيَّ وعيال عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً ؛ فتحمّل لك صفوان بن أمية دَيْنَك وعيالك ، على أن تقتلني ، أليس كذلك يا عمير ؟  ؛ فذهل عمير لحظة ، ثم ما لبث أن قال : أشهد أنك رسول الله .

أيقنتُ أنه ما أتاك به إلا الله ؛ الآن أنت رسول الله حقا وصدقًا :

ثم قال مرة ثانية : لقد كنا يا رسول الله نكذِّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، لكن يا رسول الله خبري مع صفوان بن أمية لم يعلم به أحد إلا أنا و هو ؛ فهذا الخبر بالذات ما علمه أحد في الأرض ، وتنبئُني أنت به ، إذاً فأنت رسول الله ، وهذه آية وبرهان ؛ وواللهِ لقد أيقنتُ يا رسول الله أنه ما أتاك به إلا الله ؛ الآن أنت رسول الله حقا وصدقًا ، فالحمد لله الذي ساقني إليك يا رسول الله سوقاً ؛ وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ * (رواه البخاري)

وفي رواية أبي داود وأحمد : عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ *

ثم وقف و قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأعلن إسلامه ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقِّهوا أخاكم ؛ وعلِّموه القرآن ، وأطلقوا أسيره ، إكراماً له ؛ وفرح المسلمون بإسلام عمير بن وهب أشدّ الفرح ، حتى إن عمر بن الخطاب  قال : واللهِ لَلْخنزير كان أحبَّ إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله ، وهو اليوم واللهِ أحبُّ إليَّ من بعض أبنائي .

صفوان : يا معشر قريش أبْشِروا بنبأ عظيم ، سينسيكم وقعة بدر:

لقد اتفق صفوان وعمير ألا يتكلما ، ولكن كان صفوان يقول : يا معشر قريش أبْشِروا بنبأ عظيم يأتيكم قريباً ، فسينسيكم وقعة بدر ، ولمَّا طال الانتظار قالوا : أين هذا الخبر ؟ فكان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة يسأل القوافل عن أخبار المدينة ، فلا يسمع شيئًا ؛ وأخذ القلق يتسرب إلى نفسه ، حتى غدا يتقلب على أحرّ من الجمر ، و طفق يسأل الركبان والقوافل عن عمير بن وهب ؛  فلا يجد عندهم جواباً ، إلى أن جاءه راكب فقال : إنّ عميراً قد أسلم ؛ فنزل عليه الخبرُ كالصاعقة .

يا رسول الله أحب أنْ تأذن لي أن أقدم على مكة لأدعو قريشاً إلى الله ورسوله:

جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : يا رسول الله لقد غبَرَ عليّ زمان ، وأنا دائب على إطفاء نور الله ؛ شديد الأذى لمَن كان على دين الإسلام ؛ وأنا أحب أنْ تأذن لي أن أقدم على مكة لأدعو قريشاً إلى الله ورسوله فأُكفِّر عما سبق مني فإنْ قبلوا مني فنعمَّا ما فعلوا ، وإنْ أعرضوا عنّي آذيتهم في دينهم ، كما كنتُ أوذي أصحاب رسول الله ؛ فرجع إلى مكة داعية .

أَذِنَ النبي عليه الصلاة و السلام لعمير ، فوافى مكة ، وأول بيت طرقه بيتُ شريكه صفوان بن أمية ؛ فدهش صفوان ؛ قال : يا صفوان إنك لسيد من سادات مكة ، وعاقل من عقلاء قريش ، أفَتَرَى أن هذا الذي أنتم عليه من عبادة الأصنام ، و الذبح لها ، أيصح في العقل أن يكون ديناً ؟ حجر تنحتونه أنتم ، وتعبدونه ، و تقدمون له الهدي! فليس هذا معقولاً ، أمّا أنا فأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ثم طفق عمير يدعو إلى الله في مكة ، حتى أسلم على يديه خلقٌ كثير ، فقد أَحْيَا به الله حياةَ أنفسٍ غالية ، قال تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات  ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون (32) (سورة المائدة )

يا نبي الله ، إنّ صفوان بن أمية خرج هارباً ، ليقذف بنفسه في البحر  ، لأنه مهدور الدم ، فأمنْهُ يا رسول الله ، فقال : هو أَمِن :

عمير بن وهب جاء النبي بعد فتح مكة ، وصفوان  ممّن أَهْدَر النبيّ دمَهم ، ولو تعلّقوا بأستار الكعبة ، وعمير صديق حميم وفيٌّ ،  قال : يا نبي الله ، إنّ صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ، ليقذف بنفسه في البحر لينتحر ، وهو خائف ، لأنه مهدور الدم ، مقتول ، فأمنْهُ يا رسول الله ، فقال : هو أَمِن ، فقال : أعطني آية يَعرف بها أمانك  ، فأعطاه النبي عِمامته ، قال له : هذه عمامتي التي دخلتُ بها مكة ، خذها ، وأعطِها إياه ، ليطمئن إلى أنني أمّنته

ذهب إلى صفوان ، فقال له  : يا صفوان ، هذه عمامة النبي ، وقد أمّنك ، قال تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص  عليكم بالمؤ منين رءوف رحيم (128) (سورة التوبة )

إن رسول الله يا صفوان أفضل الناس ، وأَبَرّ الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، عزّه عزّك ، وشرفه شرفك ، ، فقال له : إني أخاف على نفسي أن يقتلني ، فقد هدر دمي ، قال له : هو أحلم من ذلك ، وأكرم ، فجاء صفوان النبيَّ الكريمَ، والشاهد العمامة  ، فقال للنبي الكريم : إنّ هذا يزعم أنك قد أمّنتني ، فقال : صدق ، قال له : اجعلني بالخيار ، أن أستشير عقلي شهرين ، قال له : أنت في الخيار أربعة أشهر .

عندما دخل رسول الله مكة قال أبو سفيان : يا ابن أخي ما أحلمك ، وما أكرمك ، وما أوصلك ، وما أحكمك .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: