سلمة بن الاكوع رضي الله عنه

سلمة بن الاكوع

هو سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع الأسلمي، صحابي جليل يكنى أبا مسلم، شهد بيعة الرضوان، وشارك في سبع غزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، اأوتي سلمة بن الأكوع – رضي الله عنه – بسطة في الجسم فكان أيدًا شديدًا ربما أغار على الجيش فهزمه وحده، وكان عدّاءً لا يُسبق شدًا فهو متوافر القوة، متناسق الجسم واسع الخطو وكان شجاعاً ومن أخبار شجاعته أن أناساً أغاروا على إبل رسول الله صلى ولله عليه وسلم وقتلوا راعيها فخرج سلمة وحده يتتبعهم فوقف على تلٍ وأخذ ينادي ثلاثاً: ياصباحاه وأتبع القوم وأخذ يرميهم بالنبل وهو ينشد. أنا ابن الأكوع — واليوم يوم الرّضعّ

تعقب القراصنة ، ومطاردتهم ، وإيقافهم عند حدهم ، أمر لا بد منه لاستتاب الأمن ونشر السلام ، وهذا ما كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، خاصة مع الأعراب ، والقبائل التي اعتادت القرصنة والاعتداء على حقوق الآخرين .

ويأتي في مقدم ذلك ، غزو الرسول صلى الله عليه وسلم لقومٍ من بني غطفان فيما عُرف بغزوة الغابة ، إشارةً إلى موضعٍ قرب المدينة من ناحية الشام ، كانت ترعى فيه إبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وتُعرف هذه الغزوة أيضا بغزوة ذي قرد كما جاء في صحيح البخاري . والحاصل أن هذه الغزوة كانت قبل فتح خيبر بثلاث ليالٍ ، حينما أوكل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذر بن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أمر تلك الإبل ، فقام عيينة بن حصن الفزاري  – وفي رواية : عبدالرحمن بن عيينة – بالإغارة ليلاً على تلك الإبل  فأخذها ، وقتل راعيها ، وسبى امرأته .

وعندما أُذّن لصلاة الفجر ، أسرع غلامٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ليخبره بما فعلته هذه العصابة في إبل المسلمين ، فما كان من سلمة إلا أن ارتقى مرتفعاً من الأرض ليصرخ بأعلى صوته ؛ مستنجداً بالمسلمين كي يهبوا للذود عن أملاكهم ، وقد جاء في رواية البخاري : ” فصرخت ثلاث صرخات : يا صباحاه ، فأسمعت ما بين لابتي المدينة ” . فلما بلغ الخبر رسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، تأهب هو وأصحابه للجهاد ، ونودي : يا خيل الله اركبي ، وكان أول ما نودي بها ، فكانت هذه الغزوة ، وهي أول غزوة بعد الحديبية وقبل خيبر . وركب رسول الله مقنعاً في الحديد ، فكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو في الدرع والمغفر ، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء في رمحه ، وقال امض حتى تلحقك الخيول ، إنا على أثرك ، واستخلف رسول الله ابن أم مكتوم على المدينة .

وكان أسرع القوم انطلاقا إلى أولئك الأعراب   سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، إذ تذكر روايات السيرة انطلاقه مسرعاً إلى القوم بمجرّد أن استصرخ بالمسلمين ، كما تشير مصادر السيرة إلى أنه كان أسرع الناس عدواً ، حتى إنه لحق القوم على رجليه ، فأدركهم وهم يستقون الماء ، فجعل يرميهم بالنبل ، وكان رامياً ، ويقول : ” خذها وأنا ابن الأكوع ، واليوم يوم الرضع ” يعني : واليوم يوم هلاك اللئام .

ولم يزل يرميهم ويثخنهم بالجراح حتى ألجأهم إلى مضيقٍ في الجبل ، فارتقى سلمة الجبل وجعل يرميهم بالحجارة فانطلقوا هاربين ، ولما اشتدّ بهم العطش قصدوا ماءً ليشربوا منها ، فمنعهم سلمة بسهامه ، وهكذا توالت سهامه عليهم حتى ألقوا بالكثير من متاعهم التي أثقلتهم عن الهروب ، وكانوا كلما ألقوا شيئا وضع عليه علامة كي يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستمر على ذلك طيلة اليوم حتى استنقذ منهم بعض الإبل ، وثلاثين بردة . ثم لحق الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه بسلمة بن الأكوع في المساء ، واستمر مجئ الإمداد من المدينة ، ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل ، حتى انتهوا إلى رسول الله بذي قرد، فلما رآهم القوم فروا هاربين ، واستعاد المسلمون الإبل كلها ، كما ثبت في الصحيحين . وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة على بعض أصحابه كما في صحيح مسلم، فقال: (خير فرساننا اليوم أبوقتادة ، وخير رجالتنا سلمة ) ، وأعطى سلمة سهمين ، سهم الفارس وسهم الراجل ، وأردفه وراءه على العضباء في الرجوع إلى المدينة ، وذلك لما امتاز به سلمة رضي الله عنه في هذه الغزوة

ويستفاد من هذه الغزوة عدة دروس ، أبرزها : شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسرعة نجدته، ومبادرة الصحابة عند النداء للجهاد ، إضافة إلى تفانيهم في ذلك حتى إنّ بعضهم طارد أولئك المشركين على قدمه ، ومن الدروس إكرام الرسول لأصحاب الهمم العالية ، والتضحيات البارزة ، وكان ذلك قولاً وفعلاً ، ويؤخذ منها تأييد الرسول للتسابق بين أصحابه ؛ حيث طلب سلمة مسابقة أحد الأنصار في طريق عودتهم إلى المدينة فأجابه ، في مشهد جمع بين الشجاعة والقوة ، والمرح واللهوء البريء ، فرضي الله عن الصحابة أجمعين

وكان له خبر عجيبٌ يوم الحديبية حينما كانت الرسل تختلف بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأهل مكة تهيئ للصلح الذي أزمع النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يعقده معهم، فلما كانت قائلة النهار ذهب سلمة إلى شجرة يستظل بظلها فكسح شوكها والتقط ما تناثر منها وهيأ لنفسه مقيلاً اضطجع فيه عند أصلها، فجاء أربعة من المشركين من أهل مكة فعلقوا سلاحهم على الشجرة وجلسوا يتحدثون ويقعون في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولقد كان أهون على سلمة أن يسمع سب أبيه وأمه من أن يسمعهم يقعون في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فآذاه ذلك غاية الأذى فترك الشجرة لهم وتحول إلى شجرة أخرى ليبعد مسامعه عن وقيعة أولئك المشركين في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فبينما هو كذلك إذ سمع صارخًا ينادي يا للمهاجرين.. قُتل ابنُ زنيم فظن سلمة أن المشركين نقضوا مسعى الصلح, فاخترط سيفه ثم شدّ على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذ أسلحتهم فجمعها في يده ثم قال لهم: والذي أكرم وجه محمدٍ لا يرفع أحدٌ منكم رأسه إلا ضربته بالسيف، ثم جاء بهم يسوقهم إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم جاء عمه عامر بتسعين من المشركين حاولوا مناوشة المسلمين يسوقهم إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فنظر إليهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم قال: (دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثناه) أي: يكون لهم أول الغدر وآخره.. ثم عفا عنهم رسول الله – صلى ا لله عليه وسلم – وصرفهم. صحيح مسلم (1807).

إن في هذه القصة دلالات مهمة منها:

1- لا نعلم أحدًا أشد حبًا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أصحابه الذين آمنوا به، واستنارت أعينهم برؤية محياه، وتعطرت أسماعهم بسماع حديثه، وصحبوه في أحوال حياته وتقلبات أموره، فاستكن حبه شغاف قلوبهم وخالط لحمهم ودمهم وعصبهم فيالله لسلمة – رضي الله عنه – وهو يسمع مسبّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من رهطٍ من المشركين يشاركونه ظل الشجرة التي يقيل تحتها، فكم قاسى حينئذٍ من الألم النفسي، وكم تدفقت في دمائه زخات الحنق والغضب ممّا سمع، ولكنه كظم غيظه وسيطر على عواطفه ولم يفرط منه أي تصرفٍ انفعالي، مع أنه كان في عنفوان شبابه، وفي العشرين من عمره، لقد ترك لهم الظل الذي هيأه لنفسه وتنحى عنهم بعيدًا ليكون بمنأى عن هذا الإيذاء الذي لا يستطيع احتماله، ولم يمنعه أن يُنفذ غضبه ويشفي غيظ قلبه ضعف ولا عجز فقد كان الشجاعَ قلبًا، القوي بدنًا، السريع عَدْوًا، ولكنه تعامل مع مشاعره بانضباطٍ كامل، بعيدًا عن أي تصرفٍ يمكن أن يتداعى إلى تطوراتٍ غير محسوبة، وتحمل الألم النفسي باصطبارٍ جميل وبصيرة نافذة، وحتى عندما سمع الصارخ ينادي بما يدل على غدرٍ أو مقتلة لم يُبادر إلى قتل هؤلاء مع أن الفرصة كانت له مواتية، فقد علقوا أسلحتهم فهم عزل، ورقدوا بغير تهيئ أو احتراز، ولكنه اكتفى بسوقهم إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ليكون التصرف من المرجعية العامة للمسلمين.

2- كما يلفتنا التعالي الأخلاقي الذي تعامل به النبي – صلى الله عليه وسلم – مع هؤلاء الذين وقعوا فيه بالمسبة والتنقص، ومع التسعين الذين جيء بهم إليه وهم يحاولون مناوشة المسلمين، ومع ذلك عفا عن الجميع وتركهم يبوءون بأول الغدر وآخره، وكان عفوًا نبويًا كريمًا حيث لم يصدر منه –صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء توبيخٌ أو ملامة وإنما هو الخلق العظيم والصفح الجميل.

لقد كان أمام النبي –صلى الله عليه وسلم- هدفٌ كبير واضح، وهو أن يتم الصلح بينه وبين أهل مكة، ولذلك لم يسمح لهذه الاستفزازات المتكررة من رعاع المشركين أن تعرقل مساعيه أو تحرف وجهته عن هدفه، فكان أقوى من هذه الاستثارة، فحجمها بحجمها الطبيعي ضمن الحدث الذي يعايشه، والهدف الذي يصمد إليه، ولذا انتهى الأمر إلى ما أراد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فتم الصلح وكُتبت الصحيفة، وحصل بذلك الفتح المبين وعاد –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وآيات الله تتنـزل عليه “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا”.

إن عدم وضوح الأهداف وفقدان الخطة للعمل يجعل الأمة مرتهنة بردّات الفعل المتذبذبة. وإن الاستجابات الفردية غير المدروسة يمكن أن تعرقل مسيرة منطلقة، وتهدر فرصًا ضخمة، وتجهض أهدافًا كبيرة

إن سلمة يُقدم للأمة من خلال هذا الموقف درسًا بليغًا في الانضباط وقيادة العواطف والسيطرة على مشاعر الانفعال. وعدم الاندفاع لردة فعلٍ غير محسوبة أو تصرف غير رشيد رغم قوة المؤثر وشدة الاستثارة.

فصلوات الله وسلامه على من أنزل الله عليه الكتاب وآتاه الحكمة “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا”.

كما شارك في فتح إفريقية في خلافة عثمان، ولما قتل عثمان خرج إلى الرّبذة وتزوج فيها، ثم عاد إلى المدينة وتوفي فيها سنة أربع وأربعين ودفن بالبقيع.

هل سمعتم عن الصحابي الذي يسبق الخيل ؟ ؟

نعم يسبق الخيل ، أنه الصحابي الجليل / سلمة ابن الأكوع

قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن أربع عشرة مائة. وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال : فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية. فإما دعا وإما بسق فيها. قال : فجاشت. فسقينا واستقينا. قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال فبايعته أول الناس. ثم بايع وبايع. حتى إذا كان في وسط من الناس قال (بايع. يا سلمة!) قال قلت : قد بايعتك. يا رسول الله! في أول الناس. قال (وأيضا)

قال : ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلا (يعني ليس معه سلاح). قال : فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة. ثم بايع. حتى إذا كان في آخر الناس قال (ألا تبايعني؟ يا سلمة!) قال : قلت : قد بايعتك. يا رسول الله! في أول الناس، وفي أوسط الناس. قال (وأيضا) قال : فبايعته الثالثة. ثم قال لي (يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟) قال قلت : يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلا. فأعطيته إياها. قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (إنك كالذي قال الأول : اللهم! أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي).

ثم إن المشركين راسلونا الصلح. حتى مشى بعضنا في بعض. واصطلحنا. قال : وكنت تبيعا لطلحة بن عبيدالله. أسقي فرسه، وأحسه، وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال : فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها. فاضجعت في أصلها. قال : فأتاني أربعو من المشركين من أهل مكة. فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبغضتهم. فتحولت إلى شجرة أخرى. وعلقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى منادي من أسفل الوادي : يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال : فاخترطت سيفي. ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا في يدي. قال : ثم قلت : والذي كرم وجه محمد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه.

قال : ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. على فرس مجفف. في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (دعوهم. كن لهم بدء الفجور وثناه) فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله : {هو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [48 /الفتح /24] الآية كلها. قال : ثم خرجنا راجعين إلى المدينة. فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة : فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا. ثم قدمنا المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبدالرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال فقلت : يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيدالله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال : ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا : يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول : أنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرضع. فألحق رجلا منهم. فأصك سهما في رحله. حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال قلت : خذها. وأنا ابن الأكوع * واليوم يوم الرضع.

قال : فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم. فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثم رميته. فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل دخلوا في تضايقه، علوت الجبل. فجعلت أرديهم بالحجارة. قال : فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري. وخلوا بيني وبينه. ثم لتبعتهم أرميهم. حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا. يستخفون. ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة. يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. حتى إذا أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري.

فجلسوا يتضحون (يعني يتغدون). وجلست على رأس قرن. قال الفزاري : ما هذا الذي أرى؟ قالوا : لقينا، من هذا البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال : فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال : فصعد إلي منهم أربعة في الجبل. قال : فلما أمكنوني من الكلام قال قلت : هل تعرفوني؟ قالوا : لا. ومن أنت؟ قال قلت : أنا سلمة ابن الأكوع. والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم! لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم : أنا أظن. قال : فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر. قال : فإذا أولهم الأخرم الأسدي. على أثره أبو قتادة الأنصاري. وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي. قال : فأخذت بعنان الأخرم. قال : فولوا مدبرين. قلت : يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال : يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال : فخليته. فالتقى هو وعبدالرحمن. ق

ال : فعقر بعبدالرحمن فرسه. وطعنه عبدالرحمن فقتله. وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبدالرحمن. فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم! اتبعتهم أعدو على رجلي. حتى ما أرى ورائي، من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم، شيئا. حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد. ليشربوا منه وهم عطاش. قال : فنظروا إلي أعدو ورائهم. فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال : ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال : فأعدوا فألحق رجلا منهم. فأصكه بسهم في نغض كتفه.

قال قلت : خذها وأنا ابن الأكوع. واليوم يوم الرضع. قال : يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة. قال قلت : نعم. يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال : وأردوا فرسين على ثنية. قال : فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن. وسطيحة فيها ماء. فتوضأت وشربت. ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم منه. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل. وكل شيء استنقذته من المشركين. وكل رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال قلت : يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النهار. فقال (يا سلمة! أتراك كنت فاعلا؟) قلت : نعم. والذي أكرمك! فقال (إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان) قال : فجاء رجل من غطفان. فقال : نحر لهم جزورا. فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا : أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجالتنا سلمة) قال : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين : سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعا. ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة.

قال : فبينما نحن نسير. قال : وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا، قال : فجعل يقول : ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال : فلما سمعت كلامه قلت : أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال : لا. إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال قلت : يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! ذرني فلأسابق الرجل. قال (إن شئت) قال قلت : اذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت فعدوت. قال : فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي. ثم عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفي. ثم إني رفعت حتى ألحقه. قال فأصكه بين كتفيه. قال قلت : قد سبقت. والله! قال : أنا أظن. قال : فسبقته إلى المدينة. قال : فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم :تالله! لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا. ونحن عن فضلك ما استغنينا * فثبت الأقدام إن لاقينا. وأنزلن سكينة علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من هذا؟) قال : أنا عامر. قال (غفر لك ربك)

قال : وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد. قال : فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمل له : يا نبي الله! لولا ما متعتنا بعامر. قال : فلما قدمنا خيبر قال : خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب. إذا الحروب أقبلت تلهب. قال : وبرز له عمي عامر، فقال : قد علمت خيبر أني عامر * شاكي السلاح بطل مغامر قال : فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له. فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة : فخرجت فإذا أنا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : بطل عمل عامر. قتل نفسه.

قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي. فقلت : يا رسول الله! بطل عمل عامر؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال ذلك؟) قال قلت : ناس من أصحابك. قال (كذب من قال ذلك. بل له أجره مرتين). ثم أرسلني إلى علي، وهو أرمد. فقال (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله) قال : فأتيت عليا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبسق في عينيه فبرأ. وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب. إذا الحروب أقبلت تلهب. فقال علي : أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث الغابات كريه المنظره. أوفيهم بالصاع كيل السندره. قال : فضرب رأس مرحب فقتله. ثم كان الفتح على يديه.
رواه مسلم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: