القياس على المنافقين واليهود لا يصح


بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
القياس على المنافقين واليهود لا يصح


سألت إحداهن : (هل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صيغة تقارب أم تعايش ؟ وهل ثمة دعوات للإتحاد والحوار مع الطوائف الأخرى في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم أم انه تعايشا وفق قوانين الدولة الإسلامية؟
هل اجتهد الخلفاء الراشدين في طرق تقارب من بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وكيف ؟
وثمة سؤال آخر ! ماهو مفهوم التقارب عند دعاته ؟!)
وانبرى أحدهم وأجاب بأن نعم كان تعايشاً ، وضرب مثالاً بالمنافقين واليهود ، يقول : مدَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحبال مع يهود وأقام معهم وثيقة تعايش ، وصبر على المنافقين واحتواهم . يدلل بهذا على شرعية التقارب مع المخالف الذي ينادى به اليوم . !!
وهذا الاستدلال بعيد .

علينا أن نفرق بين أمرين :
الأول : بين موقف الشريعة الإسلامية من ( الآخر ) من ناحية الصواب والخطأ .
الثاني : بين تعامل الشريعة الإسلامية مع الآخر . ( أعني التعامل الحركي ) .

ـ في ناحية الحكم بالصواب والخطأ كانت الشريعة الإسلامية في منتهى الوضوح من الآخر من يوم نزلت ، فمما قد تعجب له ـ أخي القارئ ـ أن الوحي تحدث كثيراً عن عيسى ـ عليه السلام ـ في مكة ، ولم يكن في مكة نصارى إلا غلام واحد لا يحسن العربية ، فسورة مريم من أوائل ما نزل ، وقرأ منها جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي . وتحدث الوحي عن موسى عليه السلام وعن يهود في مكة وعن الوثنية وعبادة النجوم . كانت الشريعة في منتهى الوضوح من الآخر كله . ولهذا عِلَّة يطول المقام بذكرها [1].

ـ وكانت الشريعة في منتهى الوضوح مع المنافقين ، بل كان الوحي لهم بالمرصاد يفضحهم في كل نازلة . يحكي مواقفهم ، ويحكي أحاديثهم الخاصة ، بل وما تكن صدورهم . وهذا كله مثبت في كتاب الله ، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،وهذه نماذج :
أولُ ظهورٍ للنفاق كان يوم بني قينقاع ، حين أمسك عبد الله ابن أبي بجيب درع النبي صلى الله عليه وسلم ، يشفع فيهم بوقاحة ، فنزل القرآن صريحاً {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ }المائدة52
ثم جاء يوم أحد ورجعوا من الطريق ونزل القرآن يصفهم بالنفاق ، من رجع منهم ومن دخل المعركة ، لم يستثن منهم أحد ، مع أن كثيراً من هؤلاء لم يكن يعلم منهم النفاق قبل ذلك كما يقول شيخ الإسلام بن تميمية :{وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }آل عمران167 {الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }آل عمران168 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }آل عمران156 .
هؤلاء الذين رجعوا ، والذين دخلوا المعركة جاء فيهم {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }آل عمران154
وفي يوم الأحزاب حدّث القرآن بما تكن صدورهم وبأحاديثهم الخاصة . ولك أن تراجعي الآيات ( 12 إلى 20 ) من سورة الأحزاب .
وفي يوم بني المصطلق نزلت سورة ( المنافقون ) كاملة .
ونزلت فيهم سورة التوبة ( ويقال لها الفاضحة ) ـ سترنا الله وإياكم بستره ـ تفضح حالهم ، تقول : ومنهم الذين .. ومنهم الذين .. حتى كادت تسميهم بأسمائهم . كما يقول الرواة .
ففضح المنافقين وإظهار خطأ الآخر منهج ثابت لم يتغير .
يبقى الناحية الحركية .. التعامل مع ( الآخر ) من المنافقين واليهود ـ : التعامل مع الآخر خضع للتدرج ، أو ما يقال عنه فقه المرحلة أو فقه الاستضعاف ، وهو عندي خضع لحال الدعوة من ناحية البيان وليس من ناحية القوة والضعف ، ولم يكن حال النبي صلى عليه وسلم يوم أمر بالجهاد قوي يستطيع مواجهة كل من أعلن عليهم الجهاد ( قريش ، وسليم ، ويهود ، وبطوناً من هؤلاء وهؤلاء ) ، ولا كانت الهجرة تأميناً للدعوة بل إثارة لعداوات جديدة ، كان الأمر يخضع للبيان ( الدعوة ) حتى نفس الجهاد ( القتال ) يخضع للبيان .

ما يعنيني هنا أن ما يقرره المجيب على السؤال ليس بصحيح . فحديث الصحيفة كثر الكلام حول صحته ، ولو سلمنا جدلاً بصحته فلا يصلح للقول بأن التعايش الذي ندعى إليه اليوم هو هو الذي كان بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويهود في هذه الصحيفة ، ولا فيما حصل بعدها ، وهذه ومضة :

ـ بدأ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتغيير سوق المدينة ، وأقام للمسلمين سوقاً أخرى غير التي كانت عند يهود .
ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم في منتهى الحزم مع يهود ، فحين كشفوا سوأة امرأة لثوانٍ معدودات جهز الجيش وأصر على قتلهم لولا شفاعة المنافقين التي انتهت بإخراجهم من ديارهم ، أعني بني قينقاع .
ـ أجلى بني النضير حين علم أنهم عزموا على قتله . فقط عزموا على قتله .
ـ وذبح مقاتلة قريظة ذبح الخراف وباع نسائهم وأطفالهم جزاءً على غدرهم . وهذه عقوبة عادلة لكل من ارتكب جريمة الخيانة العظمى والتواطئ مع العدو حال حصاره للبلد .
ـ وركب ليهود خيبر فغلبهم على ما في أيديهم وتركهم أجراء في أرضهم . ثم أوصى بأن لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ، فأجلاهم عمر بعد ذلك .

والقوم يتحدثون عن الصحيفة وكأنها كانت خالدة مخلدة بقي العمل بها إلا الأبد ، مع أن شروط الصحيفة في منتهى العزة ، بعيدة تماماً عما ندعى إليه اليوم.

وبخصوص ترك عقوبة المنافقين :

تركوا لعلة ذكرت في الأحاديث : ( حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) . فلم يقل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المنافقين لا يقتلون ، أو لا يعاقبون ، وإنما ذكر مانع من عقوبتهم ، إن زال هذا المانع عوقبوا .
وحين أمن المنافقون العقوبة ، تمادوا ، فنزلت الآيات تهددهم بالقتل ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً . ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) . ومشهور عن علي رضي الله عنه أنه قال بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأربعة أسياف وذكر منها سيف في المنافقين .

هذا هو التعايش في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أختي الكريمة . وضوح تام ، وحزم تام . إن يهود لو تركت لفعَّلت المنافقين كما هو حادث اليوم ، والمنافقون لو تركوا لفعَّلوا السماعين لهم من الطيبين الغافلين كما هو حادث اليوم .
إن ما ندعى إليه اليوم شيء آخر لا نعرفه في سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإن القوم يتكئون على قراءات مغلوطة . إن أقل ما نفعله اليوم هو وضوح الرؤية مع المخالف . ثم التعامل بعد ذلك بما نستطيع ، فهناك فقه المرحلة ، والكلام للذين يستنبطونه منا .

محمد جلال القصاص
15/ صفر /1431

القياس على المنافقين واليهود لا يصح

محمد جلال القصاص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: