من آداب الزيارة

تبلغ بنا الآداب الأصيلة أحياناً شأواً عظيماً لا يمكن إدراكه من قبل شامخات الأمم المتحضرة؛ ذلك أن الشوق إلى اللقيا في بعض الأحيان يبلغ بأحدنا منتهاه لرفيقه أو صديقة؛ فلا يملك له رداً؛ فتأخذه قدماه قسراً لزيارته دونما موعد ولا إنذار ولا مُهاتفة؛ وكأنما وُضعت الهواتف في منازلنا أو أيدينا للزينة والاستعراض فحسب.

يقبع المريض في فراشه الليالي ذوات العدد؛ يصارع فيها الآلام العظام؛ وقسوة مزعجات الأحلام؛ ولا ينفك من ذلك ولا يستيقظ إلا على صوت جرس الباب، فيقوم متحاملاً على نفسه؛ ليرى من بالباب؟

فيفاجأ بجيش عرمرم من الأصدقاء الذين قدموا للسلام على شخصه الكريم وتهنئته بالصحة والعافية التي ما طرقت له باباً وما رآها إلى ساعته تلك؛ فيضطر إلى إدخالهم اضطراراً، وأن يهش ويبش في وجوههم؛ ويتجلد كي يُرى قوياً لا تضعضعه النوازل والنوائب.
وتجلدي (للزائرين) أريهموا        أني لريب الدهر لا أتضعضع!
ثم يطلب منهم الانتظار على الباب أقل من دقيقة! ريثما يستنفر أهل البيت لإصلاح ما أفسده الأطفال في مجلس الرجال، وليقوموا بترتيب (الكنب) و (المناضد) فيصبح البيت في لحظة كأنه خلية نحل؛ هذا يحمل الألعاب على رأسه مسرعاً؛ لنقلها إلى غرفة أخرى؛ وهذا يحمل الطفل الرضيع الذي كان آمناً مطمئناً في حجر جدته؛ فدهمه الخطر لينقله إلى مكان آمن؛ وهذا يتعثر في الأثاث لسرعته الهائلة من أجل أن يرتب المجلس لاستقبال ابن تيمية وابن القيم وأساطين العلم والأدب! ثم.. بعد أن قضى تعذيبه لأهل البيت؛ يقف وهو يلهث على باب المنزل ليقول لضيوفه الكرام: تفضلوا.. يا أهلاً وسهلاً… حياكم الله.. حللتم…. ؛ ثم يستأذن مرة أخرى؛ ليذهب ويتلطف مع أهل البيت؛ ليتكرموا بالقهوة والشاي وملحقاتها.. ثم يعود إلى صحبه الكرام.. مُرحباً ومحيّياً…. ولا يلبث إلا قليلاً؛ حتى يسمع طرقاً على الباب الداخلي؛.. فيستأذنهم أخرى؛ ليقوم ويجلب لهم وله سمَّاً ناقعاً اسمه القهوة والشاي!..

ولأنه من العيب أن يتولى غيره (صبَّها) للضيوف؛ فيقف مترنحاً كأنه غصن شجرة؛ تميله الرياح في كل اتجاه؛ يوشك أن يذوي وينهار، ويحمل (فناجين) القهوة بيد و (الدلة) باليد الأخرى، ثم يبدأ في مرحلة السعي عليهم؛ فلا يكاد يصل آخرهم، حتى يرى أولهم رافعاً يده بالفنجان يطلب المزيد! وهكذا حتى تُفرغ (الدلة) فلذة كبدها!؛ ثم يبدأ العذاب الآخر؛ توزيع الشاي.. يتخلل ذلك كله نصائح دينية؛ وطبية؛ واجتماعية.. بأن المريض مستجاب الدعوة.. فلا تنسنا يا أخي من دعائك.. وأن الأطباء ينصحونك بأن تلزم سريرك! ولا تتعب نفسك بكثرة الوقوف والذهاب والإياب؛ وأن بقية الإخوة يعتذرون إليك لعدم تمكنهم من الحضور؛ وكأنك في محاكمة علنية لا تعلم من تُجيب أولاً.. حتى تصبح تشير إليهم فقط بعينين تكادان تسقطان على خديك من الآلام والضيق والضجر! والحمى لا تني تعمل عملها؛ ثم يتكرمون بالاستئذان للانصراف بالأجر والثواب بعد أن ذهبوا بالبقية الباقية من روحك؛ فتعود إلى فراشك تجر رجليك جرَّاً تترنح فعل الذي به سُكر… فتكون نتيجة هذه الزيارة المباركة.. أن تمكث على إثرها في سريرك أياماً؛ تستعيد فيها ما زهق من روحك.

وبعد… فهذا ملخص ما مررت به قريباً؛ أحببت أن أُتحف به الأصدقاء الأفاضل ليعلموا إلى أي مدى كانت فرحتي غامرة برؤيتهم لعل في ذلك عبرة وعودة إلى أدبنا النبوي الكريم الذي جانبناه كثيراً؛ وتنكبنا طريقه؛ وجهلنا الحكمة من عيادة المريض.. نسأل الله تعالى أن يردنا إليه رداً جميلاً…

كتبه
موسى محمد هجاد الزهراني
11‏‏/‏2‏‏/‏1422‏هـ

المصدر : خاص بإذاعة طريق الإسلام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: