ازرع حبا تجن برا

ازرع حبا تجن برا
دعاء ممدوح
17/04/2001

دار هذا الحوار بين يمنى (8 سنوات) وكريم (6 سنوات):

يمنى: تخيل يا كريم، لو أن أمي لم تكن معنا ماذا كان سيحدث؟
كريم: (كنا سنموت!) فمن سيعد لنا الطعام ويعطينا الدواء ويخرجنا للنزهة ويوقظنا للمدرسة ويدافع عنا ضد الغرباء…
فأردفت تسأله وماذا لو لم يكن أبي موجودا؟ قال لها: كنا سنعيش في الشارع!..

بهرني الحديث بينهما إذ كنت أجلس على مقربة منها في بيت خالتي (أم يمنى وكريم) ذات الأطفال الثمانية وهما أصغر الأولاد، وقد تظاهرت بأني لا أسمعهما، كي يستأنفا حديثهما إذ أنهما يحبان أن يتكلما سويًا دون أن يلحظهما أحد، وأغلب كلامها معًا لقربهما في السن وكونهما أصغر الأبناء، ولوجود صداقة حميمة بينهما لدرجة أنهما يبكيان معا عند إصابة أحدهما بمكروه لدرجة أنه لا يمكنك التمييز من منهما المصاب.

وحين أنهيا حديثهما وبادرتهما بالسؤال: هل تحبان أمكما كل هذا الحب؟ من الذي علمكما فضلها العظيم عليكما؟.. قالت يمني في تلقائية وسرعة: أمي هي التي تقول لنا هذا دومًا.. ونحن نحبها جدًا، ونحب أبي ونحاول ألا نغضبهما أبدًا..

وبإجابة (يمنى) ثارت في ذهني أفكار عديدة عن دور الوالدين في تربية أولادهما على البر والحب والامتنان ثم التعبير بشكل عملي ومستمر عن كل هذه المشاعر.. فتعليم بر الوالدين لا يتوقف عند تعليم الأبناء الاحترام وعدم رفع الصوت وطاعة الأوامر وعدم الإزعاج، وليس منًّا على الأبناء بفضل الوالدين، بل هو غرس وتنمية الثقافة والحب والمشاعر والبر.

الحب.. فعل
يطلق الناس على ما يشعرون به من ميل وتقارب تجاه بعضهم البعض فضلاً عن الشعور بالاحتياج.. اسم الحب.. ومن هنا شعر البعض أن الحب مشاعر لا إرادية تظهر فجأة وربما أيضًا تنضب فجأة.. ولكن لو تأملنا قليلاً كلمة (أحب) وجدنا أنها فعل، أي أن تلك المشاعر التي يشعر بها الناس وتؤلف بين قلوبهم هي نتيجة أفعال تحدث فتقوي الروابط وتحرك المشاعر صعودًا وهبوطًا مع كم وكيف تلك الأفعال.. بناء على ذلك فإن شعور الأبناء بالحب تجاه والديهم ليس فيضًا يأتي فجأة.. بل هو شعور ينبع في قلب الوليد من لحظة ولادته؛ إذ لا يجد الحنان والرحمة والإشباع لحاجاته من أمان ودفء إلا في هذا الحضن الجميل الدافئ حضن الأم والأب.. ثم يكبر ويستقل قليلاً فتأخذ بيده الأم ليمشي وتحكي له الحكايات لينام وتوقظه على ضحكه بهدوء وصوت حنون؛ لتقدم له طعامه وتنظم له يومه.. ولكن: كيف نستثمر وننمي تلك المشاعر ونفعلها لتكون في حيز التصرفات برًا دائمًا لا يتغير ولا ينقص بخروج الطفل إلى العالم الخارجي واختلاطه بغير أسرته؟ إذ ربما تحول حب الوالدين لولدهما لتدليل يفسده، وربما كان بالتوجيه الخطوة إلى إفراز جيل جديد يعطي للمشاعر والأحاسيس والحب مكانها في ذلك العصر المشحون بالتوتر.

حبة قلب رسول الله
ولنا في هدي رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) القدوة والأسوة الحسنة في التودد وإظهار الحب والعطف والاهتمام بكل من حوله، وكذلك الأطفال على الرغم من تحمله أعباء ومسئوليات جسام، فقد كان ينادي فاطمة الزهراء (بأم أبيها) ويقوم ليجلسها على ثوبه إذا دخلت عليه ثم يقبلها في جبينها.

أما الزهراء (رضي الله عنها) فكانت وهي ذات السنوات التي تعد على أصابع اليدين تخترق الجموع القرشية الكافرة في شجاعة وحب لتزيل عن كتف أبيها الأذى الذي وضعوه عليه وهو ساجدًا في صلاته… فالحب واللين والرحمة مع الابن لم ينقص من هيبة الأب، ولم يقلل من احترامه في نظر ابنه، وإنما الحب كالعدوى التي تنتشر سريعًا.

الحب الأسري.. برنامج عملي
لو أردنا التطبيق بشكل عملي فليتعاون كل الوالدين على إشعار الطفل بشكل غير مباشر بهذه المعاني وتدريبه على ممارستها: يمكن للأم أن تعلم طفلها فضل أبيه عليه:
1- من خلال القصص والحكايات والسرد لدور الأب المهم في حياة أبنائه.
2- تتفق معه على برنامج يعده لاستقبال والده والترحيب به عند عودته من العمل وعند الطعام وفي يوم الإجازة، فيتفقان مثلاً على نشيد جميل أو هتاف سعيد للاستقبال ثم احتضان الأب وتقبيل جبينه ويده والمساعدة في تغيير ملابسه ومناولته ما يحتاجه كالحذاء أو المنشفة مثلاً ريثما تعد الأم الطعام..
3- كما تدربه على ضرورة المحافظة وعدم نسيان تحيات الصباح عند الاستيقاظ وعند النوم مع إعطائها القدر اللازم من الحرارة والمشاعر الصادقة، ويمكن أن تبادر هي بذلك بداية لتصبح عادة عند الطفل..

وكذلك الأب يخطط مع الطفل لخطط يسعد بها الأم والإخوة:
1- إحضار هدية أو صحبة ورد أو ترتيب الحجرة أو كتابة كلمة رقيقة أو رسم جميل يقوم بتلوينه وتقديمه لها.
2- هدية يقوم بصناعتها يدويًا كصناعة ألبوم للصور مثلاً يضم صور العائلة أو مجسمات ذات أشكال ودلالات مختلفة.

استثمار المناسبات السعيدة
نعم يمكن للأبوين أن يحققا ذلك ..

بإيجاد دفتر مثلاً يكتب فيه الطفل تواريخ هامة مثل ذكرى ميلاد والده وجده وأصدقائه وأمه وأبناء عمومته وكل من يحبهم ويحبونه، وكذلك الأعياد والمناسبات المختلفة كبداية العام الدراسي والعام الهجري وحلول رمضان وشهور البركة والفضل… الخ، وذلك ليقوم بتهنئة كل من يحب ويدعو لهم في تلك المناسبات.

هكذا ويمكن أن تتسع الدائرة ليتعاون هذا الفريق المكون من الأب والأم والأطفال في تنفيذ خطط أخرى لإسعاد الجد والجدة والجيران بتهنئة جاره في مناسبة بإحضار هدية جميلة معبرة مع بسمة رقيقة دائمة تنير الوجه..
ولا شك أن الصغير سيسعد بكونه عضوًا بارزًا في هذه التنظيمات ذات الأهداف النبيلة.. كما سيسعد جدًا بالمناسبات التي تظهر عبقريته في حبه ومشاعره وتستفز طاقاته لإشعار من حوله بما يكن تجاههم من مشاعر جميلة، وستكون كل مناسبة فرصة لإعادة الحيوية والشباب لعواطف الأسرة والمحيطين بها.

إنها ثقافة الحب التي من شأنها إفراز جيل يعطي للمشاعر والأحاسيس والحب تقديرها اللائق ومكانها ونصيبها في ذلك العصر المشحون بالتوتر.. إنه بر الوالدين الذي يرحم الله الآباء الذين يعلمون أولادهم صلة الرحم وحسن الجيرة التي غابت عن حياتنا حقاً “رحم الله والدا أعان ولده على بره”.

الرابط

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: