تابع فوائد الذكر 3

( السابعة والثلاثون ) أن الذكر رأس الأصول وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية : فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شئ وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شئ

( الثامنة والثلاثون ) في القلب خلة وفاقه لا يسدها شئ البته إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقه فيكون صاحبه غنيا بلا مال عزيزا بلا عشيرة مهيبا بلا سلطان فإذا كان غافلا عن ذكر الله عز وجل فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته ذليل مع سلطانه حقير مع كثرة عشيرته

( التاسعة والثلاثون ) أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويقرب البعيد ويبعد القريب فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه ويفرق أيضا ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل ويفرق أيضا ما اجتمع على حربه من جند الشيطان فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية وكلما كان أقوى طلبا لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقا به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر
وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر

( الأربعون ) أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته والقلب إذا كان نائما فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ولا تحصل يقظته إلا بالذكر فإن الغفلة نوم ثقيل

( الحادية والأربعون ) أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم فالغفلة نوم القلب أو موته

( الثانية والأربعون ) أن الذكر قريب من مذكوره ومذكوره معه وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق كقوله تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا } { والله مع الصابرين } { وإن الله لمع المحسنين } { لا تحزن إن الله معنا } وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي : إن تابوا فأنا حبيبهم فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب

( الثالثة والأربعون ) أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل وقد تقدم أن [ من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه حتى يمسي ] الحديث

وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال : قيل لأبي الدرداء : إن رجلا أعتق مائة نسمة قال : إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار أن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل وقال أبن مسعود : لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود فقال عبد الله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل فقال عبد الله بن عمرو : لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال اذكروا الله ] رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم : صحيح الإسناد

( الرابعة والأربعون ) أن الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال : رب قد أنعمت علي كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا قال : اذكرني كثيرا فإذا ذكرتني كثيرا فقد شكرتني كثيرا وإذا نسيتني فقد كفرتني وقد ذكر البيهقي أيضا في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال : قال موسى عليه السلام : يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك ؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبا من ذكري قال : يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها قال : وما هي ؟ قال : أكون جنبا أو على الغائط أو إذا بلت فقال : وإن كان قال : يا رب فما أقول ؟ قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي وسبحانك وبحمدك فقني الأذى

قلت قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه ولم تستثن حالة من حالة وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم [ بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا ] وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل : ( يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل ) فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنه هم وقال عبد الله بن أبي الهذيل : إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق ويحب أن يذكر على كل حال إلا على الخلاء

ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر فذكر كل حال بحسب ما يليق بها واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال : يالها نعمة لو يعلم الناس قدرها وكان بعض السلف يقول : الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه وهي أجل نعم الدنيا فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر فالذكر رأس الشكر وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ [ والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ] فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح

2 تعليقان

  1. بارك الله فيك وجزاك الله خيرا ! }

  2. ولكم جزيل الشكر وفقكم الله لخير الدارين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: